Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غاس فان سانت يعود إلى الواجهة بفيلم "السلك القاتل"

عملية خطف ورهينة مقيدة بآلية قتل فوري وشرطة عاجزة وكاميرات تنقل الحدث حياً

من فيلم "السلك القاتل" الذي أعاد غاس فان سانت إلى الواجهة (ملف الفيلم)

ملخص

بعد سبع سنوات من الغياب عن السينما، يعود المخرج الأميركي غاس فان سانت في فيلمه الجديد "السلك القاتل" عودةً لافتةً إلى واجهة المشهد السينمائي.

عرض فيلم "السلك القاتل" في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية، ولكن خارج المسابقة، مما جعل كثراً يستغربون هذا الدفع بعمله نحو الهامش، نظراً إلى أهمية نصه وتاريخ مخرجه، خصوصاً أن كانت هناك أعمال ضعيفة سلكت طريقها إلى المنافسة. هذا مع العلم أن فان سانت لم يشارك في "الموسترا" منذ أكثر من 30 عاماً. هذا كله قد تبرره حقيقة أن الموضوع المعالج وزمن الأحداث (عودة إلى السبعينيات)، لا تبدو ملحة وضرورية من وجهة نظر المهرجانات التي تفضل الأفلام التي تركب موجة القضايا الآنية.

غاس فان سانت الفائز بـ"سعفة" مهرجان "كان" عن "فيل" قبل 23 عاماً، هو اليوم في منتصف السبعينيات من العمر، وعمله الأحدث ليس استعادة لمجد سابق فحسب، بقدر ما هو إعلان واضح عن قدرة سينمائي مخضرم على تجديد نفسه في مرحلة عمرية كثر يقعون في التكرار أو ببساطة يتوقفون عن العمل. الجيد مع فان سانت أنه لا يستسلم، فبعد ثلاثة أفلام في العقد الماضي لم ترقَ إلى مستواه وإلى بداياته الممتازة، ها إنه يحاول النهوض مجدداً مع نتيجة فنية أقل ما يمكن القول إنها ممتازة.

يستند الفيلم إلى واقعة حقيقية شهدتها الولايات المتحدة أواخر السبعينيات، حين تحولت أزمة مالية فردية إلى حدث وطني دارت فصوله على الهواء مباشرة: عملية خطف، رهينة مقيدة بآلية قتل فوري، شرطة عاجزة، وكاميرات تنقل الحدث بلا أي مسافة. التقط فان سانت هذه الحادثة محولاً إياها إلى مناسبة للحديث عن أميركا بشكل عام، حيث الاطلالة التلفزيونية تصنع من المواطن العادي بطلاً. يوظف المخرج هذه الواقعة كنقطة دخول إلى شبكة أعقد من الأسئلة حول السلطة والتمثيل الإعلامي وحدود التعاطف الأخلاقي.

عالم العقارات

تتمحور الأحداث على توني كيريتسيس (بيل سكارسغارد) الذي يقرر في شباط من عام 1977، اقتحام شركة رهن عقاري في إنديانابوليس محتجزاً ريتشارد هول (داكريه مونتغوميري)، ابن صاحب الشركة، مهدداً إياه ببندقية موصولة بعنقه. كان توني يؤمن بأن العائلة خدعته في صفقة أرض، فسعى لفضحها علناً والاقتصاص من أفرادها. ستتصاعد الأزمة في طبيعة الحال بتدخل الشرطة والإعلام، لتتحول إلى مواجهة طويلة سيتابعها المشاهدون في كل أنحاء أميركا. وعلى رغم رفض الأب الاعتذار، استمر توني في مطالبه حتى انتهت المواجهة باعتقاله من دون إصابة الرهينة. في القصة الحقيقية، سيحاكم الجاني، لكن المحكمة ستُبرِّئه، بعد نجاح المحامي في اقناعها بأن وكيله مصاب باضطراب عقلي بالتالي غير مسؤول عن أفعاله.

ما هو لافت في الفيلم هو "البرود" المتعمد في سرد التطورات الدرامية التي تنطوي على طرافة وخفة بقدر ما فيها من قسوة وخشونة. الموسيقى لا تضغط على المشاعر، والأحداث تروى كما لو أنها تراقب من مسافة محسوبة. هذا الخيار الجمالي استراتيجية بنيوية تجرد الوقائع من انفعالها المباشر ليترك للمشاهد عبء التموضع. كي يخرج بفيلم جاد يستحق ذلك اللقب، يقارب فان سانت القصة على النحو الآتي: لا أحد يقدم بصفته بريئاً بالكامل أو مذنباً بالكامل، وكل محاولة لتبسيط الصراع تفشلها التفاصيل.

شخصية الخاطف، التي كان يمكن أن تنزلق بسهولة إلى كاريكاتير نفسي أو نموذج إجرامي مألوف، تبنى على دفعات. هو رجل يشعر أن النظام الذي وعده بالأمان انقلب عليه في لحظة ضعف، فاختار رداً أقصى، دفاعاً عن كرامة شخصية جريحة. هذا البعد الذاتي، غير البطولي ظاهرياً، هو ما يسمح للفيلم بأن يلامس منطقة رمادية شديدة الحساسية: كيف يمكن لفعل عنيف أن يولد تعاطفاً شعبياً؟ وكيف يصنع الإعلام من أزمة فردية سردية عامة؟

هذا فيلم دور الاعلام فيه كبير. فهو يبرز باعتباره لاعباً مركزياً أكثر منه خلفية محايدة. البث المباشر، الصور الأيقونية، العناوين المتلاحقة، كلها عناصر لا تنقل الحدث فحسب، وإنما تعيد تشكيله وتوجيهه. في هذا السياق، يبدو الفيلم امتداداً غير مباشر لانشغالات فان سانت القديمة بدور الصورة في صياغة الوعي الجمعي، مع فارق أساس: ما كان في أفلام سابقة أداة تحرر، يتحول هنا إلى مساحة استعراض وضغط، تغذي التوتر بدلاً من أن تكشف عنه.

على المستوى السينمائي الصرف، يقدم الفيلم درساً في الاقتصاد الأسلوبي. الإخراج محكم من دون استعراض، الكتابة دقيقة بلا خطابية، والإيقاع يتصاعد بثبات يذكر بأفضل أفلام الرهائن في السينما الأميركية، من دون أن يقع في أسر المقارنات. كل مشهد يبدو موضوعاً في مكانه، وكل تفصيلة تخدم التوتر الكامن والظاهر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأداء التمثيلي يؤدي دوراً حاسماً في ترسيخ هذا الإحساس بالواقعية. بيل سكارسغارد يمنح شخصية الخاطف كثافة داخلية، مزيجاً من الوهن والعناد، من دون أن يشحذ تعاطفاً مباشراً. في المقابل، يرسم داكريه مونتغوميري ملامح رهينة لا يختزل في موقع الضحية. أما ظهور آل باتشينو في دور قصر (شخصية الأب)، فيحمل بعداً رمزياً خفيفاً، أقرب إلى تحية سينيفيلية ذكية منه إلى رهان تمثيلي.

لا يسعى "السلك القاتل" إلى استخلاص عبر جاهزة، تاركاً المشاهد في حال من الالتباس المثمر، ذلك النوع من القلق الذي يدفعنا إلى إعادة التفكير في مواقفه، لا في أحداث الفيلم فحسب، بل في علاقته بسيل الصور التي تستهلكها يومياً. في هذا المعنى، نحن أمام فيلم عن الماضي بقدر ما هو عن الحاضر. استعادة السبعينيات تتجاوز فكرة استدعاء لزمن كانت فيه مفاهيم العدالة والكرامة مطروحة للنقاش العام. فمن خلال هذه العودة الزمنية، نجد أنفسنا أمام سؤال مفتوح: ماذا تبقى من تلك القيم في عالم تحكمه السرعة وتديره وسائل التواصل، وتختصر فيه المآسي إلى صفة "محتوى"؟

عن تأثير الاعلام بين ما كان في الماضي وما هو عليه اليوم، لا يرى فان سانت فرقاً كبيراً، إذ قال خلال أحد المؤتمرات الصحافية: "جارتي في بالم سبرينغز من إنديانا. لديها صديقة كانت تعرف القاضي في قضية توني. عندما صدر الحكم، كانت هناك مباراة جارية، وأعلن الخبر على الملعب بأكمله. فانفجر الجمهور كله بالهتاف. في السبعينيات، كل شيء كان مشابهاً لما هو عليه اليوم في الإعلام، لكنه كان مجرد مرحلة أبكر من تطوره، كنا في منتصف الطريق نحو إعلامنا الحديث". 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما