ملخص
"رواية نيتوتشكا نزنانوفنا"، للكاتب الروسي فيودور دوستيوفسكي، هي رواية غير مكتملة، قطع مبدعها كتابته فجأة لا بسبب عجز فني، بل بفعل قطيعة تاريخية وسياسية عنيفة تمثلت في اعتقاله لأسباب سياسية كما نعرف ونفيه إلى سيبيريا
من المرجح أن سيغموند فرويد مؤسس التحليل النفسي ورائد تطبيقه على شتى ضروب الإبداع، وصولاً طبعاً إلى تحليلاته المعمقة لأدب دوستويفسكي، لم يقرأ واحدة من أقوى روايات هذا الأخير التي لم تكتمل أبداً "نيتوتشكا نزنانوفنا"، التي نعرف أن الكاتب الروسي الذي كان في بداياته حين انكب على كتابتها، لكن نفيه إلى سيبيريا، وما أصاب إبداعه من تغيرات جذرية بعد عودته، جعله يضعها جانباً على أمل أن يعود لها لاحقاً ليطبق عليها أساليبه الفكرية والجمالية الجديدة، لكنه لم يفعل أبداً. بل تركها عند نقطة مفصلية رهيبة، مما حرم قراءه من عمل إبداعي لم يكن في مقدوره أن يكون كبيراً وشديد المعاصرة فقط، بل تجديدياً في عالم لم يكن معتاداً على ذلك النوع من التداخل العميق بين الإبداع والتغلغل في جوانية الإنسان.
وهذا ما يدفعنا إلى العودة هنا لفرويد لنقول بكل بساطة إنه لو قرأها حقاً، لباتت موضوعاً رئيساً لممارسته التحليل النفسي للأدب مع فارق أساس يكمن في أنه بدلاً من أن يبدو هو نفسه مبدعاً في التوقف المعمق عند دوستويفسكي من خلال تطبيقه نظريته الأوديبية على هذا الأخير (قتل الأب كما عبر عنه في دراسة شهيرة أخضعت صاحب "الإخوة كارامازوف" لمبادئ التحليل النفسي)، كان سيبدو وبكل عظمته، مجرد مطبق لاجتهادات في الأوديبية والجندر وحتى في الليبيدو، تتعلق بنظريات سيبدو دوستويفسكي رائداً في التطرق الإبداعي لها وتحديداً في "نينوتشكا نزفانوفنا".
أصل الحكاية
ولكن قبل العودة لفرويد في هذا السياق، قد يكون من المفيد عرض مكانتها حتى في عدم اكتمالها في عالم دوستويفسكي، فهذه الرواية تحتل موقعاً فريداً وملتبساً في مسار كاتبها الإبداعي. إنها عمل مبكر كتب بين 1848 و1849 وقطع مبدعها كتابته فجأة لا بسبب عجز فني، بل بفعل قطيعة تاريخية وسياسية عنيفة تمثلت في اعتقاله لأسباب سياسية كما نعرف ونفيه إلى سيبيريا.
ومع ذلك فإن عدم اكتمال الرواية لا يمكن اختزاله في ظرف خارجي فقط، إذ إن بنيتها ومناخها الفنيين يشيان بأن الكاتب كان على عتبة تحول جذري في رؤيته للإنسان والعالم. والحقيقة أن "نيتوتشكا نزفانوفنا" بدأت كمشروع روائي طموح يتجاوز حدود القصة الواقعية الاجتماعية التي وسمت أعمال دوستويفسكي الأولى مثل "الفقراء".
واللافت هنا هو اختيار صوت أنثوي سردي، وهو أمر نادر في الأدب الروسي آنذاك، مما يدل على رغبة الكاتب في استكشاف الهوية النفسية عبر منظور الهامش والضعف. فنيتوتشكا طفلة نشأت في بيئة فقيرة محكومة بسلطة زوج أمها الفاشل فنياً والمريض نفسياً، لكنها ترى فيه هي عبقرية مضطهدة. وهكذا ومنذ الصفحات الأولى يتشكل عالم الرواية بوصفه مختبراً للعاطفة المرضية، والخيال والحرمان، وهي ثيمات ستغدو بعد ذلك، مركزية في أعمال لاحقة لدوستويفسكي.
بيد أن الرواية تتوقف عند انتقال نيتوتشكا إلى بيت ارستقراطي، وهذا الانتقال ليس على أية حال صدفة بنيوية.
توسيع أفق السرد
فالحال أن دوستويفسكي كان قد بدأ بالفعل توسيع أفق السرد لينتقل من فضاء البؤس الاجتماعي إلى فضاء الصراع النفسي والأخلاقي داخل الطبقات العليا، وهنا يمكن الافتراض أن الرواية كانت ستتحول من سيرة طفولة إلى عمل يرصد تطور الوعي الأخلاقي لبطلتها عبر احتكاكها بالقوة والسلطة والمال الرمزية. والفرضية الأرجح في تصور ذلك المصير هي أن الكاتب كان ينوي تفكيك وهم "العبقرية المظلومة" الذي جسده زوج الأم، وتحويله إلى نقد جذري للأنانية العميقة التي قد تختفي وراء قناع الموهبة.
فتلك الشخصية كما رسمت، تشكل نواة مبكرة لشخصيات دوستويفسكية لاحقة مثل سفيغدرغايلوف، أو ستافروغين: أفراد يصنعون حول أنفسهم هالات أساطير ذاتية مهمتها تبرير فشلهم الأخلاقي في الأقل. ومن الواضح هنا أن اكتمال الرواية كان من شأنه أن يتيح لدوستويفسكي تتبع الأثر الطويل الأمد، لهذه الأسطورة على نيتوتشكا بوصفها ضحية حب مرضي لا مجرد طفلة بائسة. وبالتالي - وهذا ما يعيدنا هنا طبعاً إلى ما بدأناه بصدد فرويد - من المرجح أن الحب الإيروتيكي المضمر في العلاقة بين نيتوتشكا وشخصيات نسائية لاحقة في الرواية، كان سيأخذ حيزاً أوسع وأكثر جرأة.
هذا البعد الذي يلمحه النقاد بكل وضوح بل رهبة حتى، ومنذ اطلاعهم على القسم المكتمل من الرواية، نظروا إليه بوصفه سابقة صادمة في الأدب الروسي، وكان يمكنه أن يتحول إلى أداة لتحليل التعلق والغيرة والرغبة حتى، بوصفها قوى لا تقل خطورة عن العنف الصريح.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لو أنه استمر...
وهكذا يمكننا القول، واشتغال سيغموند فريد على دوستويفسكي في ذهننا، لو أن هذا الأخير قد استمر هي هذا الاتجاه لربما كان قدم عملاً يسبق زمنه في مساءلة الهوية الجندرية والليبيدو والروابط العاطفية غير المعيارية. غير أن التحول الكبير في مسار كاتبنا بعد سنوات المنفى يجعل من الصعب تخيل اكتمال "نيتوتشكا نزفانوفنا" بالرؤية ذاتها، فروايات دوستويفسكي اللاحقة من "الجريمة والعقاب" إلى "الاخوة كارامازوف" ستتميز بهيمنة تمارسها عليها ثيمات شديدة المغايرة تتراوح بين الخلاص والإيمان والتوبة والذنب الكوني. علماً بأن نيتوتشكا قبل هذا التحول كان من شأنها أن تتسم بكونها على الأرجح رواية نفسية قاتمة أقرب إلى بلزاك وهوفمان منها إلى دوستويفسكي المتأخر، وبالتأكيد أقل انشغالاً بالسؤال الديني الذي راح يشغل الكاتب، وأكثر تركيزاً على الوعي المجروح.
ومن هنا فإن عدم اكتمال "نيتوتشكا نزفانوفنا" لا يمكن اعتباره تعبيراً عن نقص ما في مشروع دوستويفسكي، بقدر ما يمثل علامة على وصوله إلى مفترق طرق إشكالي لديه. ففي النهاية تقف هذه الرواية على مفترق طريقين يؤديان إلى مرحلتين متباعدتين في مساره الإبداعي، مرحلة التعاطف الاجتماعي الرومانسي، ومرحلة الغوص الميتافيزيقي في أعماق الشر.
ومهما يكن من أمر، لو اكتملت "نيتوتشكا نزفانوفنا"، لكانت وثيقة فريدة عن دوستويفسكي الممكن، ذاك الذي قد يمكننا أن نقول هنا إنه الكاتب الذي لم يسمح له لا تاريخه ولا تجربته المرتبطة بذلك التاريخ أن يكونه ويستمر.