ملخص
التسميات الشعرية، التي تطلق على الحروب والغزوات والمعارك المعاصرة، تجعل المرء يحار في شأن الاسم والمسمى والمسمي، فيظن لوهلة أن بهجة المجاز في التسمية تستبطن بهجة حقيقية على أرض الواقع، وتحمل وعوداً بالسلام على أجنحة الطائرات المحملة بالصواريخ والقنابل الذكية، والطائرات المسيرة، وسواها من الأسلحة الفتاكة التي تحتفي بالموت، ولو كان بطعم الجثث المتفحمة.
في الماضي كانت الحروب تقترن بالجغرافيا أو الصفات المباشرة الملتصقة بالبشر، فـ"حرب البسوس" التي استمرت زهاء 40 عاماً، تنسب إلى صاحبة الناقة التي سبب مقتلها تلك الحرب، وتدعى البسوس، وكان ذلك قبل ظهور الإسلام الذي شهد معارك كثيرة، مثل بدر، وأحد، وخيبر، ومؤتة، واليرموك، وحطين، وعين جالوت، ، وسواها من المعارك التي اكتسبت اسمها من المنطقة التي وقعت فيها.
"شعرنة" أسماء الحروب
كانت الحروب في ذلك الوقت تبتغي الغلبة، ولم تكن معنية بالتاريخ لسبب واضح هو أنها كانت تؤسس لتاريخها الخاص الذي صار يستدعى الآن، ويطلق على الحروب المعاصرة وما تعلق بها من أسلحة، كصواريخ خيبر، وذي الفقار، وسجيل، وفتاح، وأبابيل.
"شعرنة" أسماء الحروب لم تكن عنصراً مفكراً به قديماً، لكنه أضحى مع الحرب العالمية الأولى جزءاً من الدعاية السياسية والنفسية "البروباغندا"، أو استدعاءً لتراث "ميثولوجي" صار يتجلى الآن على نحو واضح، في الأنظمة "الثيوقراطية" ويعكس الخفايا المضمرة للحروب المؤسسة على الصراع والأساطير الدينية.
وكما هو واضح في الحرب التي تدور بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى فقد أطلق كل طرف على الحرب اسماً يناسب غاياته، ويلبي مراميه السياسية والأيديولوجية، ويكشف عن تطلعاتها، وهذا معطى يستحق التأمل النفسي والتحليل الثقافي.
لكل اسم حمولته وخلفياته
الولايات المتحدة سمت حربها الحالية، التي انطلقت أواخر الشهر الماضي "الغضب الملحمي"، وإسرائيل "زئير الأسد"، أما إيران فردت بـ"الوعد الصادق 4". ولكل اسم حمولته وخلفياته، فـ "الغضب الملحمي" يشير إلى أنه لن تكون الحرب الحالية شبيهة بحرب الـ12 يوماً التي شنت على إيران في الفترة من الـ13 حتى الـ24 من يونيو (حزيران) 2025، التي أطلقت عليها إيران "الوعد الصادق 3"، فيما سمتها إسرائيل "الأسد الصاعد". الدلالة الأولى للتسميات الحالية تشير إلى نفاد الصبر الأميركي، وإلى أن الغضب سيكون ملحمياً ومزلزلاً وساحقاً، وهذا ما بدا واضحاً في الأهداف التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب عبر منصته "تروث سوشيال" غداة الحرب التي انطلقت نهاراً بخلاف الحروب السابقة.
أما دلالة الأسد، في التسمية الإسرائيلية، سواء كان يصعد أم يزأر، فهي ذات أبعاد دينية مستلة من آية توراتية: "هوذا شعب يقوم كاللبؤة، ويرتفع كالأسد، لا يرقد حتى يبتلع الفريسة ويشرب دم القتيل"، وهي كما قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، تستحضر مفاهيم القوة واليقظة والمبادرة الهجومية، والضربة الاستباقية التي تتلو زئير الأسد الذي كان قد صعد في حرب الأيام الـ12، وها هو يتأهب الآن لشرب الدم!
"الوعد الصادق"
أما "الوعد الصادق"، الذي كان استخدمه "حزب الله" اللبناني، في حرب 2006 ضد إسرائيل، فيعود إلى حكاية دينية أوردها القرآن في سورة مريم: "واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبياً"، في تأكيد لصدقية وعد النبي إسماعيل، وشدة وفائه، بدلالة أنه وعد أباه النبي إبراهيم بالصبر على ذبحه فلم يخلف وعده، وهذا مبدأ أخلاقي يستدعي التأسي به، بحسب المخيال الديني الإسلامي.
تسميات الحروب، خصوصاً تلك التي تدور رحاها في منطقتنا المبتلاة بالدم منذ الجريمة الإنسانية الأولى (التي أبنا عنها في المقالة السابقة) تضمر الانتظارات المتوخاة من الحرب، فالماضي القريب يخبرنا بحرب "الرصاص المصبوب" 2008 التي توعدت بها إسرائيل المقاومة الفلسطينية بصب الرصاص والدمار كما لو أنه فيضان موت وهلاك يتدفق من السماء. أما المقاومة فردت على التسمية بـ"معركة الفرقان" في مبدأ يقوم على التفريق والفصل بين الحق والباطل، كما أن في الاسم استدعاءً لـ"معركة بدر" التي فرق فيها انتصار المسلمين بين الخير والشر.
"عناقيد الغضب"
وكانت أكثر الحروب التي استندت في اسمها على الأدب "عناقيد الغضب" التي أطلقت على العملية العسكرية التي قام بها رئيس الوزراء السابق شيمون بيريز عام 1996 ضد "حزب الله" اللبناني، الذي سمى بدوره العملية "حرب نيسان" لأنها اندلعت في الشهر نفسه.
"عناقيد الغضب" في الأصل اسم رواية للكاتب الأميركي جون شتاينبك، كتبها خلال الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم في ثلاثينيات القرن الـ20، وتزخر بنقد حاد للمجتمع الأميركي والتناقض بين الأفكار التي قام عليها المجتمع، مثل العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وبين الواقع الأليم لأسرة بسيطة تعاني لأجل الوصول إلى الحد الأدنى من سبل العيش والأمن.
في روايته الملحمية، التي لم يقرأها بيريز، يقول شتاينبك: "أريد أن أضع علامة عار على جبين الأوباش الجشعين والمسؤولين عن هذا الكساد العظيم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اقترنت الحروب بالبحث (الحقيقي أو المتوهم) عن المجد والخلود، فكانت ينبوعاً أدبياً لا ينضب للمآثر التي رأت في القتال وسفك الدماء فعلاً خلاصياً، وتعبيراً عن "إرادة القوة" بتعبير نيتشه، وضرورة للطبيعة، فيما رآها هيراقليطس "أباً لكل شيء"، وترتد عند هوبز إلى ثلاثة أسباب رئيسة: الجشع (للموارد)، الخوف (للسلامة)، والمجد (للتفوق).
ربما لهذا السبب لا نقرأ "الإلياذة" التي كتبت في القرن الثامن قبل الميلاد، كتاريخ لأحداث السنة الأخيرة من حرب طروادة التي دامت 10 سنين، بل نفعل ذلك مدفوعين بلهفة لتأمل شجاعة المحارب العنيد "أخيل" الذي يمثل قمة البطولة الإغريقية، وكانت ثمة نبوءة تتوقع له المجد العظيم والموت المبكر، مما يجعله يسعى إلى المجد الأبدي قبل موته.
كان أبطال ذلك الزمان ومحاربوه من نوع فريد، لذا حق لشاعر عظيم مثل هوميروس أن يخلد مآثرهم، أما الآن فليس ثمة ما يمكن تخليده إلا أسماء الحرب والأسلحة والصواريخ الفرد صوتية. لقد تضاءلت الأهداف، وشحت الغايات، فلا ملجأ إلا المجاز ليكون عوناً للنصر المهزوم، وعنواناً لحروب يخوضها تجار، وبائعو أوهام، وجنرالات ذوو نياشين لامعة وقلوب معتمة.