ملخص
بمجرد وجود عدد محدود منها في موقع استراتيجي قد يجبر السفن على تغيير مساراتها أو التوقف عن العبور تماماً. وهذا ما يجعل اللغم البحري، على رغم بساطته النسبية مقارنة بالأسلحة الحديثة، قادراً على تعطيل حركة الملاحة في مناطق واسعة من العالم.
حين يتحدث المؤرخون عن أصل الألغام البحرية، فهم لا يبدأون عادة بالقرن الـ20، بل يعودون إلى الصين في العصور الوسطى. ففي موسوعة الأسلحة التاريخية التي أعدها المؤرخ جوزيف نيدهام في دراسته الشهيرة عن التكنولوجيا الصينية الصادرة عن جامعة كامبريدج، يصف أجهزة متفجرة عائمة استخدمت في القرن الـ14 ضد السفن المعادية. كانت عبارة عن حاويات بارود تطفو في الماء وتفجّر بآلية فتيل أو صاعق بسيط.
تطور اللغم البحري
التحول الحقيقي نحو اللغم البحري بمعناه الحديث بدأ في القرن الـ18. ففي عام 1777، خلال حرب الاستقلال الأميركية، طوّر المخترع الأميركي ديفيد بوشنل جهازاً متفجراً تحت الماء صُمم ليصطدم بالسفن البريطانية. وتذكر البحرية الأميركية أن هذه التجارب كانت من أوائل المحاولات التي أثبتت إمكانية استخدام المتفجرات بصورة فعّالة تحت سطح الماء.
مع ذلك بقيت الفكرة محدودة الاستخدام حتى منتصف القرن الـ19، حين ظهرت أولى الألغام البحرية القابلة للنشر العسكري المنظم. وكانت الإمبراطورية الروسية من أوائل من استخدم الألغام البحرية بصورة واسعة خلال حرب القرم في خمسينيات القرن الـ19، حيث زرعت مئات الألغام لحماية مداخل موانئها في بحر البلطيق والبحر الأسود.
بدأ تصنيع الألغام يتحوّل من تجارب فردية إلى صناعة عسكرية. وتُظهر سجلات الصناعة البحرية أن شركات مثل Vickers البريطانية وKrupp الألمانية أصبحت في أواخر القرن الـ19 من بين أوائل الشركات التي طورت نماذج صناعية للألغام البحرية ضمن برامج تسليح الدول الكبرى. وكانت هذه الألغام عادة كرات معدنية مزودة بصواعق بارزة تنفجر عند اصطدام السفينة بها.
بحلول الحرب العالمية الأولى أصبح اللغم البحري إحدى أهم أدوات الحرب البحرية. زرعت الدول المتحاربة أكثر من 235 ألف لغم في مختلف البحار خلال تلك الحرب. أما في الحرب العالمية الثانية فقد تضاعف العدد ليصل إلى نحو نصف مليون لغم.
ماذا يحدث للّغم بعد انتهاء الحرب؟
الألغام البحرية لا تختفي بانتهاء الحروب. فكثير منها يبقى في البحر لعقود طويلة. وتشير تقارير بحرية إلى أن آلاف الألغام التي زرعت خلال الحربين العالميتين لا تزال تُكتشف حتى اليوم في بحر البلطيق وبحر الشمال والبحر الأسود. وفي بعض الحالات يعثر عليها صيادون أو فرق إنقاذ أثناء أعمال الحفر أو مد الكابلات البحرية.
ففي بحر البلطيق، حيث زرعت أعداد هائلة من الألغام خلال الحربين العالميتين، لا تزال فرق البحرية في الدول المطلة على البحر تعثر على ألغام قديمة بصورة دورية. وتشير تقارير متخصصة إلى أن آلاف الألغام من تلك الفترة لا تزال مدفونة في قاع البحر أو عالقة في الطحالب والرمال.
غير أن أخطر ما في الألغام البحرية ليس فقط قدرتها على التدمير، بل طبيعتها العمياء. فهي لا تميّز بين سفينة حربية وسفينة صيد. وقد حدث أكثر من مرة أن تقع ضحية هذه الألغام سفن من الطرف نفسه الذي زرعها. ففي حرب روسيا واليابان عام 1904، الخسائر البحرية في تلك الحرب لم تكن نتيجة قتال مباشر، بل بسبب ألغام وضعتها إحدى القوتين ثم انفجرت بسفنها هي نفسها.
تطورت اليوم تقنيات الألغام البحرية بصورة كبيرة. فبعضها يثبت في قاع البحر وينفجر عندما يرصد التغير المغناطيسي الذي تسببه السفينة، أو عندما تلتقط أجهزة استشعار صوتية ضجيج محركاتها.
وقد جعلت هذه الأنظمة اللغم البحري أحد أكثر الأسلحة البحرية فاعلية مقارنة بتكلفته المنخفضة نسبياً. فإغلاق ممر بحري حيوي لم يعد يتطلب أساطيل ضخمة، بل يكفي زرع عدد محدود من الألغام في نقاط استراتيجية لتعطيل الملاحة.
في الخليج العربي وهرمز
وهذا ما يعيد الحديث عن الألغام البحرية إلى الواجهة كلما تصاعد التوتر في الخليج العربي. إذ تؤكد تقارير عسكرية رسمية عدة أن إيران تمتلك أحد أكبر مخزونات الألغام البحرية في المنطقة، وأنها طورت خلال العقود الماضية أنواعاً مختلفة من الألغام يمكن نشرها بواسطة زوارق سريعة أو غواصات صغيرة. وتكمن حساسية هذا الأمر في موقع مضيق هرمز نفسه. فالمضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، يُعدّ من أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولهذا السبب فإن التهديد بتلغيم المضيق أساس في الخطاب العسكري الإيراني، ويعتبر محللون عسكريون أن الألغام البحرية تمثّل بالنسبة إلى إيران أداة تستخدمها لمواجهة التفوق البحري للقوى الكبرى في الخليج. أولاً لخلق توازن في القوى بكلفة ضئيلة وتحقيق الاستنزاف، كما هي حال استنزاف القبّة الحديدة الإسرائيلية بالمسيّرات.
شهادات ومرويات البحّارة
يروي أحد البحارة البريطانيين في شهادة مؤرشفة عن المرات الأولى والمفاجئة التي شهد فيها تأثير الألغام البحرية، وكانت سفينتهم تتحرك ببطء في شمال بحر الشمال خلال الحرب العالمية الأولى، حين سمع الطاقم فجأة صوتاً مكتوماً يشبه ضرب مطرقة هائلة تحت الماء. بعد ثوانٍ فقط ارتفع عمود ماء هائل إلى جانب السفينة، ثم اهتزّ بدنها كما لو أن البحر نفسه ارتطم بها.
أصيب الطاقم بالدهشة والهلع والمفاجأة، ويقول البحّار أنه لم يكن هناك عدو في الأفق، ولا طائرات، ولا مدافع. ومع ذلك كانت السفينة تغرق.
في تلك الأعوام كانت البحار الأوروبية تتحول إلى حقول موت صامتة. وتشير سجلات البحرية إلى أن الألغام الألمانية وحدها خلال الحرب العالمية الأولى كانت مسؤولة عن إغراق مئات السفن التجارية والحربية.
حين يتحدث البحارة عن حقل ألغام بحري فإنهم يتحدثون عن مساحة مفتوحة وهادئة من البحر كالعادة، بينما يقبع تحت هذا السطح الهادئ عشرات أو مئات الألغام موزعة بدقة في مواقع محسوبة.
خلال الحرب العالمية الأولى بدأت البحار الأوروبية تعرف هذا النوع من الخطر على نطاق واسع. ففي عام 1918 زرعت القوات البريطانية والأميركية ما عُرف لاحقاً باسم "الحاجز الشمالي للألغام" عبر شمال بحر الشمال لمنع الغواصات الألمانية من الوصول إلى المحيط الأطلسي. الحاجز وحده ضم أكثر من 70 ألف لغم بحري، موزعة في مساحات واسعة تحت الماء، بحيث تصبح أي سفينة تمر في تلك المنطقة معرضة للانفجار من دون أن ترى مصدر الخطر.
في عام 2019، رفع صيادون بولنديون شبكة صيدهم قرب الساحل الشمالي للبلاد ليجدوا داخلها جسماً معدنياً كبيراً مغطى بالصدأ، كان لغماً بحرياً من الحرب العالمية الثانية.
وفي بحر الشمال اكتشف عام 2021 غواصون تابعون لشركة إنشاءات بحرية ألغاماً قديمة أثناء أعمال مد كابل للطاقة. كانت من النوع الذي استخدمته ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وبقي في قاع البحر أكثر من 70 عاماً قبل أن يُعثر عليه.
السبب في بقاء هذه الألغام طوال تلك المدة يعود إلى بساطة تصميمها نسبياً. فالكثير من الألغام التقليدية يتكوّن من جسم معدني مملوء بالمتفجرات، مثبت إلى قاع البحر بواسطة مرساة وكابل بحيث يطفو على عمق معين تحت السطح. وعندما تصطدم السفينة بالصواعق المعدنية البارزة على سطح اللغم، تنفجر الشحنة.
لهذا السبب يتعامل البحارة مع المناطق المشكوك فيها بحذر شديد. ففي ممرات بحرية ضيقة أو قرب مناطق نزاع، قد تضطر السفن إلى الإبحار في مسارات محددة بدقة، أحياناً خلف سفن متخصصة في كشف الألغام، تستخدم أجهزة سونار متقدمة وغواصات آلية صغيرة للبحث عن الأجسام المشبوهة في قاع البحر قبل السماح للسفن الأخرى بالمرور.
وبمجرد وجود عدد محدود منها في موقع استراتيجي قد يجبر السفن على تغيير مساراتها أو التوقف عن العبور تماماً. وهذا ما يجعل اللغم البحري، على رغم بساطته النسبية مقارنة بالأسلحة الحديثة، قادراً على تعطيل حركة الملاحة في مناطق واسعة من العالم.
بهذا المعنى لا يبدو حقل الألغام مجرد مساحة من البحر تحوي متفجرات، بل منطقة يتحول فيها البحر نفسه إلى مصدر تهديد غير مرئي، حيث قد تمر عشرات السفن بسلام فوق الماء، بينما يكفي مرور سفينة واحدة في المكان الخطأ ليكشف وجود الخطر الكامن تحته.