ملخص
مصالح الأمن كثفت نشاطاتها التحسيسية التي تجاوزت 12800 نشاط خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، لرفع الوعي بأخطار الإدمان.
تواجه الجزائر إشكال تعاطي المخدرات لدى الإناث خلال الأعوام الأخيرة بعد أن كانت الظاهرة تخص الذكور، وما يزيد المخاوف هو انتشارها بصورة مرعبة وسط الفتيات، والمقلق ليس هذا الإقبال المتصاعد بل الاستهلاك في سن باكرة، مما وضع الجهات المعنية أمام تحدي معالجة الوضع الذي بات يخلّف آفات اجتماعية تهدد تمساك المجتمع.
أنثنة تعاطي المخدرات
وأوضحت المتخصصة في الأمراض المعدية أمال زرطال خلال اللقاء العلمي الذي نظمه المعهد الوطني للصحة العمومية، وناقش مشكلة الإدمان في الوسط المهني، أن عام 2025 كان عام "أنثنة" تعاطي المخدرات بامتياز في الجزائر، مشيرة إلى الإقبال الملاحظ على استهلاك هذه السموم من قبل العنصر النسوي، وبخاصة الكوكايين.
وحذرت زرطال من الإدمان عبر الحقن الوريدي وكذا تقاسم الإبر نفسها، وما يتسبب به من نقل عدوى "السيدا" والتهاب الكبد الفيروسي، إضافة إلى مشكلات صحية أخرى مثل تصلب الأوردة، لافتة إلى أن "أوساط المدمنين لا تشمل بالضرورة المنحرفين فقط بل إن بينهم أبناء أسر محترمة".
أرقام ونسب
وعلى رغم عدم وجود أرقام رسمية حول تعاطي النساء للمخدرات ومختلف المؤثرات العقلية لكن "الديوان الوطني لمكافحة المخدرات والإدمان" أشار في دراسة إلى أن هناك أكثر من 3 ملايين جزائري، ثلاثة في المئة منهم نساء يستهلكن ويتعاطين المخدرات، بما في ذلك الأدوية ذات التأثير العقلي، مبرزاً أن تعاطي الكوكايين ارتفع في البلاد بنسبة 200 في المئة، وزاد استهلاك المهلوسات الأخرى عن 100 في المئة.
كذلك كشف تقرير نشرته وزارة الدفاع الجزائرية أن وحدات الجيش وحرس الحدود أحبطا محاولات إدخال 40 مليون قرص مهلوس خلال عمليات متفرقة خلال عام 2025، مشيراً إلى أنه جرى في الفترة نفسها حجز نحو 35 طناً من الكيف المعالج عبر الحدود الغربية، إضافة إلى 934 كيلوغراماً من مادة الكوكايين. وأبرزت هذه العمليات، والتي تندرج ضمن جهود مكافحة الجريمة المنظمة والتصدي لآفة الإتجار بالمخدرات، توقيف 2354 تاجر مخدرات وأكثر من 18 ألف شخص متورط في التهريب والإتجار.
المؤسسات التعليمية في خطر
وفي السياق ترى الحقوقية لطيفة ديب في تصريح خاص أن "تعاطي المخدرات ظاهرة عالمية وهي بمثابة سرطان يفتك بالمجتمع، وخلال الآونة الأخير تزايد عدد المتعاطين من قبل الفتيات بسبب الانتشار الواسع لهذه المواد المخدرة، ولا سيما في المؤسسات التعليمية ومحيطها، مشددة على أن هذا الخطر الذي بات يهدد الجميع، وهو ما دفع المشرّع الجزائري إلى فرض عقوبات كبيرة تصل إلى 30 عاماً سجناً بالنسبة للمروجين، والإعدام في بعض الحالات لرؤوس الشبكات الإجرامية.
وتواصل ديب أن هناك حلولاً عدة لمواجهة الظاهرة عبر تحريك الوازع الديني وتدخل الأولياء وتعميم حملات التحسيس، مشيرة إلى أهمية فرض إجراء التحاليل داخل المؤسسات التعليمية والجامعية وعرض المتعاطين أمام المجلس التأديبي الذي يقرر عقوبة التوقيف الموقت عن الدراسة والتوجيه إلى المؤسسات العلاجية، أما خارج الفضاء التعليمي فالحل الردعي ضروري من أجل الحد من ترويج واستهلاك وتعاطي المخدرات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل أبرزت اختصاصية العلاج النفسي عائشة شباكي أن اقتحام الجنس اللطيف عالم الإجرام والمخدرات ليس أمراً جديداً لأنه يعتبر من التابوهات، فقد كانت تمارس في الخفاء نظراً إلى حساسية الظاهرة في أوساط المجتمع الذي لا يتقبلها لاعتبارات الدين والأعراف، مضيفة أن ولوج المرأة عالم الإجرام لا يرتبط فقط بالأسباب الاجتماعية بل أيضاً بالجينات الوراثية.
وتابعت شباكي أن المسؤولية تتحملها الأسرة بالدرجة الأولى ثم المجتمع ثانياً، لافتة إلى أن المشكلات الاجتماعية التي تعيشها المرأة مثل الطلاق والعنوسة، إضافة إلى علاقتها المتوترة مع العائلة الذكورية، تؤثر في نفسيتها بصورة سلبية، إضافة إلى أسباب أخرى مثل العولمة والتكنولوجيا التي جعلت المرأة ترى التحضر في التحرر من قيود المجتمع والتقاليد.
لم تعد المرأة مجرد لاعب ثانوي
أما الباحث في علم الاجتماع أحمد ضيّاف فيرى أن ظهور المرأة في مسرح مختلف أنواع الجريمة بات يشكل ظاهرة خلال الأعوام الأخيرة في الجزائر، بعد أن كان الأمر يقتصر على حالات نادرة وشاذة، فلم تعد المرأة مجرد لاعب ثانوي أو عنصر إسناد أو ضحية أو وسيلة في يد الرجل لارتكاب جرائم بشعة وحسب، وإنما أضحت الجانية والمسيرة والقائدة التي تتحكم في شبكات إجرامية خطرة، مبرزاً أن الأيادي الناعمة أصبحت تنغمس في المخدرات وتحرك جماعات الإجرام، وهو ما يعتبر مؤشراً دالاً على الانحراف الخطر الذي مس المجتمع.
ويتابع ضيّاف أن المرأة دخلت ميدان الجريمة نتيجة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتطور التكنولوجي السائد، وباتت تنغمس في الأفعال الإجرامية إما دفاعاً عن النفس أو للحاجة إلى الاعتراف والتقدير أو الانتقام، ويمكن للبيئة التي تعيش فيها المرأة أن تكون سبباً رئيساً يدفعها نحو ارتكاب الجرم، مشيراً إلى أن انتقال ظاهرة تعاطي المخدرات من هيمنة استهلاك القنب الهندي إلى تعاط متزايد للمؤثرات العقلية على اختلاف أنواعها، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات اجتماعية وصحية وأمنية وقضائية متعددة الأبعاد، وبخاصة في أوساط فئات اجتماعية هشة.
وأوضح ضيّاف أن هناك تحولاً نوعياً في أنماط الإدمان نحو التعاطي المتعدد واتساع الفجوة بين الاستجابة الأمنية والقدرات العلاجية، مع تسجيل تحولات نفسية واجتماعية لدى الفئات المستهلكة، أبرزها صعود نمط الاستهلاك الفردي المرتبط بالانعزال والقلق، وارتباط التعاطي بآلام الحياة اليومية مثل البطالة والهشاشة والتفكك الأسري.
عقوبات مشددة
وفي حين لمس المتابعون تراجع الظاهرة أو انحصارها في الأقل، بعد الجهود المبذولة من مختلف الجهات، ولاسيما مع التشديد القانوني والعقابي، تفشت الآفة في الوسط الأنثوي، علماً أن قانون العقوبات يدين جرائم المخدرات بعقوبات صارمة، خصوصاً عندما ترتكب قرب المؤسسات التربوية أو تستهدف القُصّر وذوي الاحتياجات الخاصة، إذ تتراوح العقوبات ما بين 20 و30 عاماً، وقد تصل إلى الإعدام إذا ارتكبت الجريمة داخل أو قرب مؤسسة تعليمية أو تكوينية.
وكذلك تشدد العقوبات بصورة أكبر ضد المتورطين في إنتاج أو ترويج المخدرات الاصطناعية الصلبة والمواد الكيماوية المهربة، إذ ترتفع العقوبة إلى الإعدام إذا كانت العقوبة الأصلية السجن المؤبد، وتصل إلى السجن المؤبد لمن سبق الحكم عليه بعقوبات تتراوح ما بين 20 و30 عاماً.
إستراتيجية ترتكز على 4 محاور
وبغرض مواجهة الظاهرة كشف المسؤول في "المصلحة المركزية لمكافحة الإتجار غير المشروع للمخدرات"، عز الدين آرعون، عن إستراتيجية شاملة ترتكز على أربعة محاور أساس، وهي خفض العرض والطلب والعلاج وإعادة الإدماج والتعاون الدولي، وكذلك أنشئت مصالح نخبوية متخصصة لمحاصرة شبكات التهريب ومكافحة ترويج السموم عبر الفضاء السيبراني ومحيط المؤسسات التربوية.
أما في جانب الوقاية فأوضح أرعون أن مصالح الأمن كثفت نشاطاتها التحسيسية التي تجاوزت 12800 نشاط خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 لرفع الوعي بأخطار الإدمان، مبرزاً أهمية تعزيز العمل الاستباقي والتعاون الدولي لمواجهة التحديات المستقبلية، ولا سيما مع الظهور المتواصل لأنواع جديدة من المخدرات الاصطناعية التي يصعب رصد تركيبتها.