ملخص
تحوّل طب الأسنان في بريطانيا إلى مرآة فاقعة للانقسام الطبقي، بعدما عجز النظام الصحي عن توفير رعاية أساسية، فصار الناس يقتلعون أسنانهم بأنفسهم أو يهاجرون للعلاج في الخارج. ومع تضخم الكلفة وانهيار التمويل العام، لم تعد الابتسامة مسألة صحة، بل علامة ثروة وفقر وفشل دولة.
لنكن صريحين، لم يُعرف البريطانيون يوماً بأسنانهم، فالابتسامة المثالية ناصعة البياض ومستقيمة على نحو يثير الريبة، كانت وعلى مدى طويل من الصادرات الأميركية، في حين ظلت الأسنان البريطانية مادة دائمة لنكاتهم، ولكن الآن اصطدمت الأمة التي اعتادت الابتسام في وجه الأزمات بمفارقة قاسية: لم نعد قادرين على تحمل كلفة ذلك.
في عام 2025 أصبحت حال أسنانك مؤشراً أوضح على طبقتك الاجتماعية من طريقة حديثك أو لهجتك، وفي بعض الحالات بات الناس يلجأون إلى ممارسات خطرة من "طب الأسنان المنزلي"، مثل اقتلاع أسنانهم بأنفسهم، بعد أن حُرموا الحصول على رعاية طارئة من "هيئة الخدمات الصحية" (أن أتش أس)، وعلى رغم أن المرضى الذين يواجهون أزمة مفاجئة في الأسنان، مثل سن مكسورة أو خراج أو ألم حاد، يُفترض أن يكونوا قادرين على الحصول على مساعدة من طبيب أسنانهم أو عبر الاتصال بالرقم 111، تُظهر أبحاث جديدة أجرتها "هيئة مراقبة الصحة في إنجلترا" Healthwatch England أن كثيرين ممن يعانون الألم لا يستطيعون تأمين موعد، وبدلاً من ذلك يُجبرون على قطع مسافات تتجاوز 100 ميل أو على إنفاق مئات بل آلاف الجنيهات في العيادات الخاصة.
وفي الوقت نفسه، في أنحاء البلاد كلها، تمتد الطوابير وتلتف حول المباني كلما فتحت عيادة نادرة تابعة لـ "أن أتش أس" أبوابها لاستقبال مرضى جدد، كما حدث في بريستول في سبتمبر (أيلول) 2025، حين اصطف أكثر من 150 شخصاً خارج عيادة منذ الساعة السابعة صباحاً، على أمل الحصول على مكان في قائمة أُغلقت خلال ساعات، وليس ذلك مستغرباً إذا علمنا أنه في عام 2024 كانت أقل من عيادة واحدة من كل خمس عيادات في إنجلترا تقبل مرضى بالغين جدداً ضمن "أن أتش أس"، وفي بعض المناطق مثل كورنوال وكمبريا لم تكن هناك عيادة واحدة تفعل ذلك.
وتقول "جمعية طب الأسنان" البريطانية إن أكثر من 12 مليون بالغ لم يزوروا طبيب أسنان منذ أكثر من عامين، وإن واحداً من كل خمسة يؤجل العلاج بسبب ارتفاع الكُلف، وفي بعض المناطق بات المرضى يقتلعون أسنانهم بأنفسهم باستخدام كماشات، أو يلجأون إلى دروس على "يوتيوب" لمحاولة إصلاح ما لا يستطيعون تحمّل كلفة إصلاحه.
وتتوالى القصص المفزعة في كل مكان، فإحدى صديقاتي تواجه خطة تقسيط تمتد ثلاثة أعوام لتغطية إزالة سنّين وزراعة عظم لازمة لتثبيت غرسَتين، قال طبيبها إنها ستكلفها قرابة 9 آلاف جنيه إسترليني، وأخرى شهدت في صيدلية امرأة بخد منتفخ والألم واضح عليها، عاجزة عن دفع 150 جنيهاً لرسوم موعد طارئ، وفي ذعر كانت تشرح أنها لا تستطيع تناول المسكنات المعروضة عليها بسبب علاجها المستمر من السرطان، وكانت نصيحة الصيدلي "اذهبي إلى قسم الطوارئ".
لا ينبغي أن يكون علاج الأسنان رفاهية بل أن يكون حقاً متاحاً للجميع، لكن حتى لو كنت ميسور الحال فستجد صعوبة في تحمّل كلفته في بعض المناطق.
سايمون ثاكيراي، طبيب أسنان من نوتنغهامشير
وعلى "فيسبوك" تمتلئ صفحات وتعليقات كاملة بحكايات مشابهة: زوج فقد سبعة أسنان، وعيادات في بودابست تحقق مكاسب كبيرة على وقع فشل أطباء الأسنان البريطانيين، زراعات وتيجان وعلاجات جذور مؤلمة وكسور وشقوق، كلها تُناقش بوصفها مشكلات لا يستطيع أحد أن يكتب شيكاً وينهيها، وتُظهر استطلاعات حديثة أن نحو طفل واحد من كل أربعة في سن الخامسة يعاني تسوساً، وهو لا يزال السبب الأول لدخول الأطفال الصغار إلى المستشفى، فأن تستطيع الحصول على موعد مع طبيب أسنان لم يعد مسألة صحة وحسب، بل مسألة طبقية أيضاً.
المسألة كما يقول طبيب الأسنان من نوتنغهامشير، سايمون ثاكيراي، الذي أمضى عقوداً يشاهد انهيار "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" من الداخل، أن هذا كان الخاتمة الحتمية لسياسة حكومية تعاملت مع الأسنان بوصفها ترفاً وأمراً ثانوياً، مضيفاً "لا ينبغي أن يكون علاج الأسنان رفاهية بل يجب أن يكون حقاً متاحاً للجميع، لكن حتى لو كنت ميسور الحال فستجد صعوبة في تحمل كلفته في بعض المناطق".
بدأ ثاكيراي عمله كطبيب أسنان في "أن أتش أس" بعد انتهاء تدريبه، لكنه سرعان ما اكتشف أن الاستمرار شبه مستحيل، ويشرح قائلاً "عقدُ طب الأسنان في 'هيئة الخدمات الصحية الوطنية' لم ينجح يوماً، فقد وُضع أساساً ليمكن أطباء الأسنان من علاج الحالات الأكثر تعقيداً وكلفة، لكنه كان يجعل إبقاء العيادة مفتوحة أمراً خاسراً مالياً"، مضيفاً "كان الطبيب يتقاضى المبلغ نفسه سواء احتاج المريض إلى حشوة واحدة أو 12 حشوة، وهذا يكلفك وقتاً أكثر ومواد أكثر لكنك لا تستطيع المطالبة بمقابل أعلى، لذا توقف أطباء الأسنان عن استقبال هؤلاء المرضى، لا بدافع الجشع بل لأن الأمر كان يكلفهم مالاً لإبقاء عياداتهم مفتوحة".
وخلاصة الأمر أن الحكومة قلصت تمويل طب الأسنان إلى حد بالغ القسوة، إذ انقلب النظام نفسه على أولئك الذين هم في أمس الحاجة إليه، ويقول ثاكيراي إن "تمويل 'هيئة الخدمات الصحية الوطنية' لم يغط علاج الأسنان إلا لنحو نصف السكان، وهذا وارد في الأوراق الرسمية في مكان ما، فما مصير النصف الآخر؟".
وكي تلبي موازنة "أن أتش أس" لطب الأسنان الطلب القائم فلا يكفي رفعها إلى الضعف، بل لا بد من رفعها إلى أربعة أضعاف، وهو الفراغ الذي يملأه أطباء الأسنان في القطاع الخاص بحكم الأمر الواقع، وقد أظهرت أبحاث أجرتها شركة "MyTribe Insurance" أواخر العام الماضي أن الرسوم بلغت مستويات "صادمة"، إذ بات المرضى يدفعون ما يصل إلى 32 في المئة أكثر، في مقابل العلاجات نفسها مقارنة بعام 2022.
والنتيجة هي نظام ذو مستويين يعكس كل أشكال اللامساواة الأخرى في بريطانيا، فالمرضى من الطبقة العاملة والذين غالباً ما يكونون الأشد حاجة إلى الرعاية، لأنهم أكثر عرضة لاتباع نظام غذائي أسوأ ولديهم وقت أقل ومعرفة أقل في ما يخص العناية بالأسنان، أصبحوا اليوم الأقل حظاً في الحصول عليها، وفي الدرجة التالية تُدفع الطبقة الوسطى إلى خطط تقسيط وبرامج ائتمان، أما أولئك الذين في القمة فيواصلون بهدوء الحفاظ على بريق قشور أسنانهم.
أما بقية البلاد فتعيش في ما يشبه المنفى السنّي، فعلى مدى أعوام، ولا سيما بعد جائحة كورونا حين شاع الانطباع بأن الجميع باتوا يخرجون بأسنان بيضاء ناصعة جديدة تماماً وبصورة تثير الدهشة، فقد أصبحت "السياحة العلاجية للأسنان" مرادفاً لتركيا حيث يتدفق آلاف البريطانيين كل عام، وتحولت هذه الظاهرة إلى أداة تسوية جماعية للأسنان على وسائل التواصل الاجتماعي: الابتسامة نفسها والقالب نفسه والتشابه المصنع نفسه، فالجميع يطارد الابتسامة المثالية ويعود بالابتسامة نفسها، أو في كثير من الحالات يعود بالمشكلات نفسها، فقشور الأسنان المصنوعة بطريقة النسخ واللصق تركت كثيرين يعانون فرط الحساسية، وأصبحوا أكثر عرضة لالتهابات خطرة وتلف في اللثة أو ما هو أسوأ، وكل ذلك يكلّف إصلاحه في المملكة المتحدة أضعاف ما دُفع أصلاً.
واليوم انتقلت الوجهة إلى بودابست التي تقول الكاتبة روان بيلينغ (57 سنة) إنها "العاصمة الجديدة للأسنان البريطانية"، وتصف بيلينغ نفسها بأنها "ضحية طب الأسنان خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي" حين كانت الأسنان تُحفر وتُحشى قبل أن يصبح التخدير أمراً شائعاً، وتشرح "بالطبع ما إن تحصل على حشوة حتى تُستبدل بأخرى أكبر وفي النهاية تتشقق السن، ولا أعتقد أن أسناني كانت سيئة لكنها كانت محشوة أكثر مما ينبغي عندما كنتُ طفلة".
والآن بعد أسابيع كارثية انتهت بانكسار تاجين من أسنانها تحتاج إلى زراعة غرسات بكلفة تقارب 8 آلاف جنيه إسترليني في لندن، وهو مبلغ يفوق ما يستطيع دخل بيلينغ المتواضع ومدخراتها المخصصة للطوارئ تحمله، وتقول "قيل لي إن الكلفة في بودابست تقارب نصف ذلك، وأنا لا أبحث عن ابتسامة مثالية بل أريد فقط أن أتمكن من المضغ".
في قرارها تعبير عن واقعية مريرة، تقول "شعرت فجأة بأنني في وضع هش، هش أكثر من أي مأزق مالي مررت به، ففكرة أنني كنت أشعر بهذه الفجوة الكبيرة في فمي، ومعرفتي بأن السن المجاورة لها ليست أفضل حالاً أيضاً، جعلتني أشعر بأنني منهارة تماماً، فذهبت إلى مصفف الشعر فقط لأستعيد إحساسي بأنني إنسانة، لأنني بدأت أشعر بأنني عجوز بلا أسنان".
الأسنان عنصر حاسم في مظهرك، فالجزء الأكبر من تعبيرنا الحميمي يمر عبر الفم ومن المستحيل ألا يتعامل المرء مع الأمر بوصفه شأناً شخصياً عندما يحدث خلل ما، وإذا كان طب الأسنان اليوم أوضح مؤشر على الانقسام الطبقي في بريطانيا فذلك لأن الفم كان دائماً موضوعاً للأحكام الأخلاقية، فالأسنان الجيدة تعني انضباطاً واحتراماً للذات ونظاماً غذائياً سليماً، أما الأسنان السيئة فهي العلامة المرئية على الإهمال، أو الأسوأ على الفقر.
والضغط الاجتماعي المرتبط بذلك يتكثف في العبارة المستهلكة "أنت لست قبيحاً، أنت فقط فقير"، وهي مزحة لم تبدُ يوماً أكثر دقة مما هي عليه حين يتعلق الأمر بأسنان البريطانيين، ومن هنا يمكن فهم لماذا يختار أشخاص مثل بيلينغ محاولة إصلاح أسنانهم أينما استطاعوا، حتى لو كان ذلك يعني بضع رحلات إلى الخارج ومخاطرة كبيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول ثاكيراي الذي يشهد بنفسه عواقب ما يُعرف بـ "أسنان تركيا"، إن الأمر ينطوي على مخاطرة، ويضيف "يعود الناس وقد جرى برد 28 سناً كان من الممكن إنقاذها حتى صارت مجرد جذوع صغيرة، يكونون قد دفعوا ربما 7 آلاف جنيه إسترليني في الخارج لكن إصلاح ذلك هنا قد يكلفهم 40 ألف جنيه"، وبعض هذه الحالات مروع: التهابات وغرسات اخترقت الجيوب الأنفية، وإحدى الحالات التي تتداولها صفحات "تيك توك" حالياً لامرأة أصبح أنفها بأكمله أنسجة سوداء متحللة، بعد أن فشلت العملية التي خضعت لها.
لكن ثاكيراي يحرص على عد التهكم ويقول "من الصعب لوم الناس، لكن هل تختار جرّاحك بناء على من هو الأرخص؟ المشكلة أن الدولة تركت كثيرين من دون خيار حقيقي".
وجزء من سبب كون العلاج هنا أغلى بكثير يعود للتنظيم والرقابة، ويحذر ثاكيراي "في الخارج لا تعرف ما المواد التي يستخدمونها، ولا ما الذي يمكنك فعله إذا ساءت الأمور".
تصر الحكومة على أن الإصلاح قادم لكن ثاكيراي متشكك، ويقول "هم يقولون ذلك منذ عام 2006"، وفي الأثناء تتجه بريطانيا نحو جيل جديد من الأطفال بأفواه "فيكتورية" لأن آباءهم كانوا خائفين جداً من فاتورة طبيب الأسنان كي يأخذوهم، أو لأنهم ببساطة لم يستطيعوا تحملها، والمدارس ترى ذلك يومياً، والتقارير عن أطفال يصلون بخُراج وأسنان لبنية سوداء أمر منتشر في البلاد، وستستمر الآثار المتسلسلة لأعوام.
الوعد التأسيسي لـ "أن أتش أس"، الرعاية من المهد إلى اللحد، يتعثر عند خط اللثة، وفي النهاية تكشف الابتسامة البريطانية حقيقة تعجز سياستنا عن الاعتراف بها، فقد بات بإمكانك الآن أن تتعقب ثروة الشخص في صحة أسنانه، وفي كل تاج متشقق وضرس مفقود ترى الفجوة التي كان يفترض أن يملأها نظامنا الصحي الوطني.
© The Independent