Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سن الذهب"... قصة الابتسامة اللامعة

حرفة اتقنها الغجر منذ القدم فأضافت جمالاً لعرائس الماضي وأحد صناعها: "ستعود ولو بعد حين"   

كان السن الذهبي رمزاً للجمال والمباهاة بين النساء بينما يضعه الرجال إشارة إلى ثرائهم (اندبندنت عربية)

في حقيبة معدنية اجتمعت كل أدوات الصنعة وأسرارها، يكفي حاملها السير في طرقات البلدات والقرى متنقلاً بين الخيام وبيوت الطين حتى يناديه الناس طلباً لما يعرف اليوم داخل عيادة التجميل بـ"الابتسامة الهيولودية".

إنه مشهد عتيق مقتبس من عهد الأبيض والأسود لصاحب حرفة بات اندثارها وشيكاً في عصر التكنولوجيا والتقدم العلمي، مشهد صانع سن الذهب العارف بخفايا مهنة تطبيب الأسنان وإصلاحها وصنع التعويضات للمرضى الذين فقدوا أسنانهم كلياً، إلى جانب إتقانه فن تجميلها وإبراز مفاتن الوجه.

عيادة أسنان متنقلة

ليس غريباً نعت أسلافنا له بالحكيم قبل عهود، إلى جانب شخصية مثلت هذا الدور الطبي وهي "الحلاق" الذي كان بدوره يداوي أو يقلع الأضراس ويطبب الجراح والأوجاع، فإلى جانب كرسي الحلاقة هناك ركن مخصص للعطارة، وإذا كان للحلاق مكان ثابت لمعالجة المرضى في دكانه، فإن صانع الأسنان يمضي جوالاً بين الأرياف على اتساعها.

بالكادر نعثر الآن على حرفيين ممن واكبوا هذه المرحلة القديمة، لكن التفتيش بين الغجر وهم قوم حملوا على عاتقهم استمرار هذه الحرفة حتى أنفاسها الأخيرة قادنا إلى السيد أبو كاظم المنحدر من إحدى العشائر العربية، ويعد واحداً ممن قاوم طويلاً اندثار المهنة قبل أن ينفض يديه منها نهائياً بعد غلاء الذهب الذي جاوز 260 ألف ليرة سورية (أكثر من 50 دولاراً) للغرام.

"لم أعد أعمل في هذه المهنة التي أتقنها منذ زمن، الحياة الصعبة أجبرت الناس حتى ممن يرغبون بتركيب السن الذهبي بالعدول عن هذه الرغبة". هكذا يقول صاحب حرفة تركيب الأسنان الذهبية الذي تتلمذ على أيادي معلمين مهرة.

ويردف "آخر سن ذهبي صنعته لسيدة مسنة من البدو كان قبل عامين من الآن، لقد جلبت الذهب وأعطتني أجرة التركيب ومضت، وكان لديها لهفة وشوق لأن تعيد ذكريات هذا النوع من الأسنان، ذكرت لي وقتها أنها لا يمكن أن تستغني عنها مهما تقدمت بالعمر".

المهنة الزائلة

يجزم أبو كاظم بتوقفه عن العمل لعدم الإقبال على هذا النوع من الأسنان، ويعزو الأمر إلى الضائقة المالية التي يمر بها الناس، فثمن المعدن النفيس في ارتفاع دائم، لكن هناك سبباً آخر باعتقاده غير العامل الاقتصادي، إذ "إن الموضة اليوم تستهجن هذا النوع من الأسنان، لقد كان السن الذهبي رمزاً للجمال والمباهاة بين النساء، بينما نسبة قليلة من الرجال كانوا يضعونه في إشارة إلى غناهم وثرائهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حرفي مع وقف التنفيذ. هذه حال أبو كاظم التي باتت معيشته تعتمد على مساعدات يرسلها أهله العاملون في باريس وعدد من الدول الأوروبية، وهو اليوم ينوي الهجرة عله يرى متسعاً لمهنته في إحدى الدول الأوروبية.

على الرغم من توقفه عن مزاولة العمل منذ زمن بعيد، فإنه نفض الغبار عن حقيبته وشرح لنا كيفية صناعة السن المذهب، مشيراً إلى أن العمل لا يتعدى (تلبيس) السن، وهو أمر لا يجور بأي شكل من الأشكال على مهنة طب الأسنان ومزاوليها.

ويقول أبو كاظم "نعقم الذهب بالنار بشكل جيد، وبعدها يجلى على ماكينة ليعطي النقاء المناسب، وبعد أن يصبح أحمر ويحافظ على لونه نعيد جليه مرة ثانية بعد تأكيد التلبيس والتعقيم المناسبين".

الجمال في تراثنا

يسرد أبو كاظم ما تختزنه الذاكرة الشعبية من تراث، حيث لا تتزوج الفتيات إلا بعد تركيب سن الذهب، وهذا يعطيها جمالاً أخاذاً لتصبح شبيهة بالأميرات بين بنات قومها وعشيرتها، إذ يعني ذلك أنها من طبقة ثرية، كما كان تركيب السن الذهبي للعرائس لا سيما بين بنات البدو أمراً حتمياً وتقليداً مميزاً ومحبباً لهن.

ويردف "قديماً كانوا يأتون بليرة الذهب، أو غرام من المعدن بعد سماع مناد ينادي بقدوم صانع السن في أرجاء البوادي والأرياف، يعطونه قطعة الذهب الصغيرة تلك ليحولها إلى ضرس أو سن، وكانت أجرته حينها عن السن الواحد خمس ليرات".

من جانبها تؤكد المتخصصة في التراث المادي عفاف شعبو انتشار هذه العادة التراثية القديمة بين بنات وأبناء البادية العربية بشكل كثيف، حيث كان السن الذهبي يوضع ليلة الزفاف في حفل خاص مع الحناء وتقاليد أخرى تختلف من عشيرة لغيرها.

وأضافت "هذا السن المذهب يعد أيضاً من الحلي بالنسبة للنسوة اللاتي يتقلدن الأطواق والأسوار، وبالرجوع لهذه العادة سنجد أن الحضارات القديمة احتضنتها، ولا بد من الإشارة إلى اشتهار الغجر بصناعة هذا النوع من الأسنان، ولم يكن هذا الأمر مقتصراً على الرجال، إذ درج كثير من الغجريات على تعلم هذه المهنة والتنقل أيضاً بين الأرياف مع عوائلهن لممارستها".

هل يعود السن المذهب؟

يتوقع أبو كاظم عودة السن الذهبي، مؤكداً أن الأمر لن يطول حتى يرجع لمهنته التي لا يتقن غيرها، وإن صح أن حرفته اليوم لم تعد تدر عليه ذهباً كما في السابق، فإن هذه العادة ما زالت موجودة بعدد كبير من الدول الأفريقية والعربية، وتنتشر خصوصاً بين الحجاج الأفارقة بعد العودة من الديار المقدسة.

المتخصصة في جراحة الفم والفكين ريما يونس تشدد على ضرورة الانتباه والحذر في حال استخدام هذا النوع من المعالجات وبالذات في ما يتعلق بالتعقيم المناسب.

وتضيف "التعويضات السنية في تقدم مستمر، وبالتأكيد يمكن صناعة أسنان من ذهب بوسائل متطورة وفي أماكن آمنة وتحت إشراف طبي، لكن إلى هذا الوقت لا يوجد طلب من الناس على هذا السن لأغراض تجميلية".

لقد طوى الزمن صاحب حقيبة المعدن ومعه كل هذا الإرث الشعبي الذي حمله بين يديه، فلا نكاد نعثر عليه بعد اكتظاظ مخابر التعويضات السنية المتخصصة بالأسنان وتنظيفها وتبييضها بأحدث الآلات المتقدمة، بينما يلمع ثغر الأجداد والجدات بابتسامة مشرقة تعيدنا إلى مقولة "الذهب يبقى ذهباً".

المزيد من منوعات