ملخص
تصاعدت المخاوف بعد تدهور الوضع الأمني شمال شرقي سوريا، في ظل اضطرابات داخل مخيم الهول الذي يقع بمحافظة الحسكة، وأعربت مديرة المخيم في حديثها لـ"اندبندنت عربية"، عن قلقها من تداعيات التدهور الأمني والفراغ الناتج من انسحاب القوات المسيطرة، في ظل تقارير عن هرب محتمل وأعمال حرق ونهب ألحقت أضراراً كبيرة بالمرافق الإنسانية. يضم المخيم أكثر من 23 ألف شخص، بينهم آلاف الأجانب وأكثر من 10 آلاف طفل، كثير منهم بلا جنسية.
في مطلع الأسبوع الجاري، أثار الصدام بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" والأمن السوري، شمال شرقي البلاد، قلقاً واسعاً في شأن مخيم الهول الذي يضم آلافاً من عائلات تنظيم "داعش" الإرهابي، وسط تقارير عن هرب بعض العناصر. ذلك قبل أن تتسلم القوات السورية المخيم غداة إعلان دمشق ومسؤولين أكراد الالتزام بوقف جديد لإطلاق النار، تمهيداً لاستكمال البحث في اتفاق دمج القوات الكردية بمؤسسات الحكومة.
استعادة الحكومة في دمشق السيطرة على المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية السورية تلقي بظلال من الشك في شأن مصير عناصر "داعش" المحتجزين داخل المخيم، الذين يشكلون تهديداً لدول المنطقة وحتى الدول الغربية، إذ تشكل العناصر الأجنبية أكثر من 6 آلاف عنصر، وفق مديرة مخيم الهول جهان حنان التي تحدثت لـ"اندبندنت عربية" عبر الهاتف.
وأوضحت حنان أن العدد الإجمالي لسكان المخيم 23 ألفاً و422 شخصاً، من بينهم 6281 ألف أجنبي، جميعهم من النساء والأطفال، بينما يشكل السوريون الغالبية بأكثر من 14 ألفاً و800 شخص، إضافة إلى ما يزيد على ألفي عراقي، مشيرة إلى أن معظم العراقيين جرى نقلهم إلى العراق، ولم يتبق سوى دفعة واحدة كان مخططاً نقلها العام الحالي.
مصريات يرغبون في العودة
وفي حديثها أشارت مديرة الهول إلى أن هناك رغبة لدى عدد من النساء من الجنسيات العربية، مثل المصريات والجزائريات، في العودة لبلدانهن، إلا أن غياب الاستجابة الرسمية من حكوماتهن حال دون ذلك. وأضافت أن هذا الملف كان معقداً، وأن التحالف الدولي لمحاربة "داعش" والجهات الإنسانية، بما فيها الصليب الأحمر، حاولت التواصل مع حكومات عدة لنقل رعاياها وهو ما لم يلق استجابة واسعة.
ووفق قاعدة البيانات المعتمدة لدى الأمم المتحدة فإن عدد المصريين في مخيم الهول يبلغ 62 عائلة بواقع 247شخصاً، غير أن حنان توضح أن على الأرض لم يتضح إذا ما أحد غادر بطريقة ما.
وبينت أن من أبرز التحديات القائمة هي مسألة الأطفال الناتجين من زيجات مختلطة، إذ رفضت بعض الدول إعادتهم بحجة أنهم لا يحملون جنسيتها من بينها لبنان، مما جعل كثيراً من الأطفال بلا هوية قانونية. وأوضحت أن الأطفال المولودين داخل المخيم لا يحملون أية جنسية، ويتم منحهم وثيقة ميلاد حتى يتمكن ذويهم من تسجيلهم فقط لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للحصول على المساعدات داخل المخيم. وقدرت عدد الأطفال داخل المخيم بأكثر من 10 آلاف طفل، مشيرة إلى غياب برامج حقيقية لإعادة التأهيل، على رغم وجود بعض البرامج التعليمية المحدودة التي أشرفت عليها منظمات مثل "اليونيسف"، لكن هناك عائلات ترفض إرسال أبنائها للدراسة بهذه البرامج.
وحول وجود خلايا متطرفة داخل المخيم، قالت إن من الصعب التمييز بين من لا يزال يحمل فكر تنظيم "داعش" ومن لا يحمل، مؤكدة أن "الغالبية العظمى من النساء والأطفال هم ضحايا للتنظيم وانعدام الوعي، كما أن الظروف التي عاشوها سواء مع عناصر التنظيم أم داخل المخيم كافية لأن يبقوا على حالهم من دون تغيير الأفكار". وأشارت إلى وجود فئة صغيرة متشددة كانت تعبر عن ثقتها بعودة التنظيم يوماً ما، يقولون "الإخوة سيأتون ويحررونا من هذا المخيم".
ويضم المخيم نسبة محدودة من الرجال، تتراوح بين خمسة و10 في المئة، معظمهم من السوريين والعراقيين، بعضهم دخل المخيم كطفل ثم بلغ سن الرشد وتزوج داخله. هذه الفئة من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و16 سنة، هي الأخطر بالنظر إلى نشأتهم على أفكار متطرفة، فيما شددت حنان على الحاجة إلى برامج الدعم النفسي وإعادة التأهيل لإعادة دمج النساء والأطفال في مجتمعاتهم.
فارون وأضرار بملايين
وقالت مديرة مخيم الهول إن الوضع الأمني المتدهور حال دون وصول إدارة المخيم إلى الداخل يومي الإثنين والثلاثاء، موضحة أنه حتى يوم الأحد كانت الفرق تعمل بصورة طبيعية، قبل أن تمنعها الظروف الأمنية من الدخول، إذ أصبحت الأخطار الأمنية على الطرق الخارجية عائقاً رئيساً أمام وصول المنظمات الدولية والإنسانية إلى داخل المخيم، لكن أخيراً تمكنت المنظمات من الاستمرار في إيصال المياه، ووجود فريق طبي تابع للهلال الأحمر. وأوضحت أنها تلقت، يوم الثلاثاء، معلومات تفيد بقيام عدد من سكان المخيم بمهاجمة مكاتب الإدارة والمراكز القريبة منهم، في ظل سماع أصوات إطلاق نار في محيط المخيم، إذ دفع هذا الوضع بعض سكان المخيم إلى استغلال حالة الفوضى، فهاجموا مقار الإدارة ونهبوها وأحرقوها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب روايتها، انسحبت قوات سوريا الديمقراطية لاحقاً من المخيم، ثم أعقب ذلك انسحاب القوات التابعة لدمشق، مما خلق فراغاً أمنياً واسعاً. وأشارت إلى أنها شاهدت مقاطع مصورة تظهر إحراق المراكز الإدارية وخروج أشخاص من المخيم عبر بوابات محددة، مؤكدة أنها لا تملك معلومات دقيقة حول عدد الفارين أو أماكن توجههم.
وأكدت أن الأضرار المادية كبيرة جداً، وتقدر بملايين الدولارات، خصوصاً أن المراكز التي تعرضت للحرق والنهب كانت تابعة لمنظمات إنسانية. وأضافت أنها شاهدت لاحقاً مقاطع تظهر دخول جهات من الحكومة السورية لتولي إدارة المخيم، لكنها لا تعلم حتى الآن كيف تدار الأمور أو ما إذا كانت المنظمات الإنسانية قادرة على الوصول إلى الداخل. وأشارت إلى أن معظم المراكز داخل المخيم قد أحرقت، مما يجعل من الصعب احتواء السكان أو تقديم الخدمات لهم.
وتحدثت عن وضع الفرق الطبية، موضحة أن الهلال الأحمر الكردي، إلى جانب مشفى "شليل"، كانا يعملان بنظام مناوبة على مدار الساعة. وأضافت أنها تواصلت مع هذه الفرق واطمأنت إلى أنهم غادروا المخيم قبل تعرضهم لأي هجوم، إلا أن مراكزهم تعرضت لاحقاً للحرق والتخريب.
عودة السكان لبلدانهم
وتقول حنان إن ما حدث لم يكن مفاجئاً بالنسبة إليها، إذ حذرت مراراً، خلال لقاءات سابقة مع وفود من دول مختلفة، من أن أي اشتباك داخل المخيم أو في محيطه سيؤدي إلى كارثة إنسانية، نظراً إلى وجود ما بين 20 إلى 23 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال.
وسمحت حكومات غربية بعودة أعداد محدودة من مواطنيها المحتجزين في مخيم الهول، خشية التهديدات الأمنية، لا سيما بعد سلسلة هجمات دامية نفذها عناصر تابعة لتنظيم "داعش" في عواصم غربية، من بينها تفجير مسرح باتكلان في باريس عام 2015 الذي أودى بحياة 130 شخصاً، وهجوم مطار ومترو بروكسل عام 2016 الذي أسفر عن مقتل 32 شخصاً، ودهس المارة في نيس الفرنسية عام 2016 مما أدى إلى مقتل 86 شخصاً. كما شهدت المملكة المتحدة تفجير قاعة مانشستر أرينا عام 2017 الذي أوقع 22 قتيلاً، فيما أسفر هجوم برلين في العام نفسه عن مقتل 12 شخصاً، فضلاً عن هجوم أورلاندو في الولايات المتحدة عام 2016 الذي أدى إلى مقتل 49 شخصاً في أحد أكثر الهجمات دموية في تاريخ البلاد.
ويوجد عشرات البريطانيين المحتجزين في سجون ومخيمات في سوريا، وتقول وسائل إعلام بريطانية أن انسحاب "قوات سوريا الديمقراطية" يثير مخاوف من احتمال فرار هؤلاء المحتجزين، الذين وصفهم مسؤولون غربيون بأنهم "جيش إرهابي محتمل في حالة انتظار"، في حال انهارت السيطرة الأمنية في المنطقة. ومن بين المحتجزين شميمة بيغوم، وهي فتاة بريطانية انضمت للتنظيم الإرهابي قبل 10 سنوات وقامت بريطانيا بسحب الجنسية منها لمنع عودتها للبلاد لما تمثله من تهديد أمني، بحسب قرار وزير الداخلية البريطاني ساجيد جافيد عام 2019.
وفي حديثه لقناة "نيوز تشانل" البريطانية، حذر رئيس منظمة "فيث ماترز" فياض مغال، من أن السماح لشميمة بيغوم بالعودة للمملكة المتحدة سيكون "أسوأ شيء يمكن أن يحدث لهذا البلد على الإطلاق". وأضاف أن "هذه قضية مقلقة، لأنني كنت في البداية من الرأي القائل بضرورة تركها في مكانها (بسوريا)، فقد اتخذت قرار الذهاب بنفسها".
وفي ما يخص الجرائم داخل المخيم، أكدت جهان حنان وقوع عشرات جرائم القتل بين عامي 2019 و2022، وقدرت عددها بنحو 140 جريمة، مشيرة إلى أنها شهدت بنفسها عدداً من هذه الجرائم التي تمثلت في قطع الرؤوس في كثير من الأحيان، بعد توليها إدارة المخيم عام 2022. وأضافت أن أسباب هذه الجرائم لم تكن واضحة، لغياب التحقيقات وغياب أجهزة أمنية داخل المخيم. كما أشارت إلى تعرض العاملين في المنظمات الإنسانية لمضايقات متكررة، شملت الرشق بالحجارة والإهانات اللفظية.
نشأة الهول
ومنذ تأسيسه عام 1991، أصبح مخيم الهول شاهداً على الحروب التي شهدتها المنطقة على مدار عقود. فقد أنشأته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لاستقبال آلاف العراقيين الفارين من حرب الخليج الثانية، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ملاذ للفارين من موجات العنف التي رافقت الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ومع تصاعد النزاع في سوريا بعد عام 2011، توسع دور المخيم بصورة كبيرة ليضم عشرات الآلاف من اللاجئين والنازحين، من بينهم عائلات مرتبطة بعناصر تنظيم "داعش" بعد انهيار مناطق سيطرته في سوريا والعراق عام 2019. وبمرور الوقت، أصبح المخيم بؤرة إنسانية وأمنية معقدة، في ظل انتشار الفكر المتطرف وتردي الأوضاع المعيشية وتزايد المخاوف من تحوله إلى بيئة حاضنة لإعادة إنتاج التطرف.
وقادت قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية المعركة ضد تنظيم "داعش" في سوريا بدعم من تحالف تقوده الولايات المتحدة، بعد أن أعلن التنظيم إقامة دولته على مساحات واسعة من سوريا والعراق عام 2014.وبعد نحو 7 سنوات من سيطرة الأكراد على الكيان المزعوم، ظلوا حتى مطلع الأسبوع يحتجزون آلاف الرجال في السجون، وعشرات الآلاف من النساء والأطفال من عائلاتهم في مخيمات شمال شرقي سوريا.
ووفق حنان فإن عدد سكان الهول كان قد تجاوز 70 ألف شخص عام 2019، قبل أن ينخفض تدريجاً نتيجة عمليات الإجلاء وإعادة كثير العراقيين والسوريين والأجانب لبلدانهم، وأشارت إلى أن قسم "المهاجرات" كان مخصصاً للنساء والأطفال من الجنسيات غير السورية والعراقية.
وخسر الأكراد خلال الأيام الأخيرة مساحة واسعة من مناطق سيطرتهم في شمال البلاد وشرقها على وقع تقدم قوات السلطات الجديدة، وسط مفاوضات بين الحكومة السورية وقيادة الإدارة الذاتية لدمج القوات الكردية بالمؤسسات الحكومية.
وأعلنت الرئاسة السورية الثلاثاء، التوصل إلى "تفاهم مشترك" جديد مع قوات سوريا الديموقراطية "حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة". وبموجب التفاهم، لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) "مدة أربعة أيام للتشاور من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق عملياً"، بالتزامن مع إعلان وزارة الدفاع وقفاً لإطلاق النار لمدة أربعة أيام.
وأعلنت "قسد" التزامها بوقف إطلاق النار، مؤكدة استعدادها "للمضي قدماً في تنفيذ" الاتفاق "بما يخدم التهدئة والاستقرار".
وانسحبت القوات الكردية إلى المناطق ذات الغالبية الكردية في محافظة الحسكة، وفق ما أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، مؤكداً أن "حمايتها خط أحمر".