Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غوتييه يستكشف دروب وطنه الفرنسي السرية

أديب الصحافة الموسوعية بعيداً من مومياءات مصر وعمران إسطنبول وصحاري الجزائر

ثيوفيل غوتييه (1811 - 1872) (غيتي)

ملخص

من الصعب، كماً ونوعاً، أن نعثر على من يضاهي الكاتب الفرنسي ثيوفيل غوتييه إلى درجة يمكننا معها أن نستعير له وصفاً يجعله "أديب الصحافة وصحافي الأدب"، مفتتحاً على الأرجح للصحافة وممارسيها مكانة سامية في الميادين الإبداعية

لن يكون من العسير حسبان الفرنسي ثيوفيل غوتييه في عداد كبار أدباء القرن الـ19 في بلده، ومع ذلك سيدو عسيراً في المقابل تحديد الصنف الأدبي الذي يمكننا اكتشاف أن غوتييه قد برع فيه حقاً.

ففي نهاية المطاف، عندما ندخل فضاء المقارنات سنجد غوتييه هذا في الكتابة المسرحية أقل شأناً من فكتور هوغو أو الفريد دي موسيه، وفي الرواية يستحيل مقارنة روايته الكبرى "المومياء" بروايات مجايلين له من طينة فلوبير أو إميل زولا، وحتى في أدب الرحلات الذي برع فيه بصورة خاصة، سيكون من المبالغة وضعه في مكانة واحدة مع شاتوبريان أو جيرار دي نرفال، حتى ولو استثارت ذائقتنا في هذا السياق سلسلة كتاباته عن مصر والجزائر وإسطنبول وحتى عن اليونان وإيطاليا.

ولئن كان في المقابل قد برع في خوض المعارك الأدبية ومنذ وقت مبكر عبر دفاعه المستشرس عن مسرحية فكتور هوغو "هرناني" إبان المعركة الصاخبة التي دارت من حول تقديم هذا العمل الرومانطيقي مسرحياً، فإنه لم يكن الوحيد في المعركة، تماماً كما أنه لم يكن المتزعم الأكبر لمعركة "الفن في سبيل الفن" التي خاضها وتجلى فيها.

وانطلاقاً من هنا سيصح أن نتساءل من أين جاءت إذاً مكانة ساوته بستاندال وهوغو وشاتوبريان، وغيرهم من كبار الزمن الذي عاش فيه؟ ربما من مهارته قبل أي شيء آخر في ميدان تمكن عبره من التعبير عن مجمل مواهبه وإمكاناته الفكرية. وذلك عبر ألوف المقالات الصحافية التي نشرها بصورة خاصة، في مجالات النقد الفني والأدبي وحتى الفكري طوال مسيرته المهنية، وتميزت بلغة أدبية فائقة التميز، ومعرفة موسوعية لافتة،  وقدراً كبيراً من حس الصراع والمجابهة.

وهنا في هذا الميدان تحديداً، سيكون من الصعب، كماً ونوعاً، أن نعثر على من يضاهي غوتييه إلى درجة يمكننا معها أن نستعير له وصفاً يجعله "أديب الصحافة وصحافي الأدب"، مفتتحاً على الأرجح للصحافة وممارسيها مكانة سامية في الميادين الإبداعية.

على الهامش؟

ومن هنا إذا حدث أن تساءل أحد ما عن مكانة غوتييه في القرن الـ19 قد يكون الجواب البدهي: على الهامش شرط أن نرفع الهامش إلى أسمى الأمكنة. وهو أمر يمكن العودة له دائماً، وفي كل مرة تقدم فيها دور النشر في فرنسا، على إعادة نشر كتب مكتشفة حديثاً، أو مجمعة من كتابات تحمل اسم هذا الكاتب الذي كان من غزارة الإنتاج إلى درجة يمكن معها توقع صدور كتب ومجموعات جديدة تحمل توقيعه طوال أزمنة مقبلة. ولا شك في أن هذه الفكرة واتت كثراً، ولا سيما من عارفي أدب غوتييه والمتضلعين فيه منذ سنوات قليلة، وتحديداً لمناسبة صدور كتاب "جديد" له هو "تعرجات في فرنسا". مع التنبه إلى أننا حين نقول "جديداً" في مجال الحديث عن كتاب لغوتييه فإن ما نعنيه لا يعبر عن اكتشاف ما، بل عن العودة مجدداً، إما إلى كتاب قديم له لم ينشر منذ زمن بعيد، وإما إلى تجميع لمقالات ودراسات له، كانت موزعة على عدد من المجلات القديمة، أو على كتب جمعت حينها كيفما اتفق. وتلكم هي على أية حال السمة التي تطبع الفصول التي يضمها "تعرجات في فرنسا"، وهو كتاب في أدب الرحلات، قبل أن يكون في أي صنف أدبي آخر.

ويقيناً أن كلمة تعرجات لا تفي بالغرض منها هنا، ولا يتعلق الأمر بالترجمة إلى العربية، بل بما توخاه غوتييه من استخدامه في الفرنسية للأصل اللغوي zigzag وهو يريد منه أن يبدو في غرابته، معبراً عن معنى يقترب أكثر إلى كلمة نزوة منه إلى كلمة تعرج، بل ويكاد يشير إلى الكلمة ذات الأصل العربي arabesque. وفي الحالتين ما أراد غوتييه أن يعنيه هنا ووجد هذا التعبير يشير إليه، إنما كان القول إن نصوصه تقف على الضد تماماً من برنامج صارم ومستقيم للتجوال أراد الكاتب المتجول خرقه والابتعاد منه سعياً وراء نزوات معينة.

طموح شاعري

غير أن التعرج المعني هنا ليس في حقيقته سوى انعكاس ربما يكون غير مقصود، عن تطلعات شاعرية يتوخى غوتييه التعبير عنها وبخاصة عبر كتابة متعرجة، مفضلاً إياها على سلوكه سبيلاً كتابياً منتظماً.

إنه هنا يبدو مفضلاً لعبة التضافر بين الكلمات والتعابير تضافراً حراً يتكون من كنايات وتلاعبات مباغتة، وهو ما أطلق عليه المعلقون على الكتاب صفة "التجوال كيفما اتفق"، إذ يجد القارئ نفسه متنقلاً من دون أي تمهيد، من احتفالات تشهدها أرصفة الشانزيليزيه، إلى أسواق شعبية وربما في أكثر الأزقة فوضى وقذارة، إذ تختلط أكوام البضائع المعروضة للبيع بأسعار شعبية، بمشهد راقصات الشوارع وموسيقييها البائسين الذين يتجول غوتييه بين "صفوفهم" تجوال عارف بما يفعل وعارف بالأمكنة التي سيقوده إليها ذلك التجوال وكأنه ابن المكان، بل ابن كل الأمكنة وغالباً في اللحظات المتقاربة بفارق سطر أو سطرين يكفيانه للانتقال من مشهد إلى تال له. ووصولاً بصورة محددة إلى رحلة استكشاف وسط مجاهل نهر الموز، ولكن، هذه المرة مروراً بسفوح الجبل الأبيض، ما يقوده ويقود قارئيه إلى الطريق العريضة المؤدية من مارسيليا إلى باريس، ولكن بعد أن يشاهد القراء بصحبة الكاتب، ارتفاع منسوب مياه الأمطار من حول جبل سان ميشال البحري. 

وبين هذا وذاك، لن يدهش القارئ على أية حال أن يجد نفسه بعد أسطر من ذلك الوصف الرائع للأمطار من محيط جبل سان ميشال، أمام مشهد رائع لأضواء الأسهم النارية المندفعة في فضاء العاصمة باريس تتجاور مع رسم بالكلمات لكنيسة عتيقة مهجورة على طريق جانبية. وهو ما يثير حماسة القارئ للتوغل في أكثر الدروب جانبية، وهو يأمل بل يتوقع أن يقوده توغله إلى غرائب لا قبل له بها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منحوتات من حروف

والحال أن ثيوفيل غوتييه يتعمد في أسلوبه أن يتجاوز دلالة الحروف والكلمات، ليصل إلى أن يستخدمها مادة مطواعة تمكنه من أن يحول اللغة إلى أدوات رمزية تجعل النص يبدو في نهاية الأمر وكأنه منحوتات صخرية مندمجة في عالم من الذكريات والأساطير والحكايات المستقاة من الكتاب المقدس، بل حتى إلى أحلام وأفكار متدفقة سيرى فيها السرياليون ما يقرب كتاباتهم التلقائية إلى هذا الكاتب الذي من المؤكد أنه، وهو يكتب تلك النصوص بلغته الخاصة، لم يخطر في باله ولو للحظة أنه واحد من "مؤسسي" السريالية التي من المؤكد أنه لم يسمع بها في حياته! لم يسمع بها مع أن كتابه هذا يمكن النظر إليه، وكأنه رائد في مجال الكتابة التي سيبني أندريه بريتون وبول إيلوار وآراغون مجدهم الأدبي الأول انطلاقاً منها، وبالتأكيد من دون أن يخطر في بالهم أن مؤسسها الحقيقي يمكن أن يكون ثيوفيل غوتييه، وتحديداً في كتابه "تعرجات في فرنسا".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة