Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في روايته عن "كليوباترا" غوتييه يجمع بين روعة الملكة وقسوتها القاتلة

الحكاية التي تحولت إلى عملين أوبراليين واخترعت نوعاً أدبياً جديداً

الكاتب الفرنسي تيوفيل غوتييه (غيتي)

لم يوفّق الكاتب الفرنسي تيوفيل غوتييه في تحقيق الأهداف التي توخّاها من تلبيته دعوة وزارة الخارجية المصرية له عام 1869 لزيارة مصر وحضور احتفالاتها الإمبراطورية بافتتاح قناة السويس التي كان الفرنسي دي ليسيبس قد أنجز الإشراف على شقها حديثاً. ذلك بكل بساطة لأن صاحب رواية "المومياء" و"رحلة إلى مصر" وغيرهما من كتب ونصوص متفرقة كُتبت عن مصر نفسها، أصيب بكسر في كتفه أقعده غرفته في فندق "شيبرد" لا يبارحها ويتأمل ما يبدو له هناك من بهاء العاصمة المصرية، فيطلع من ذلك كله بستة مقالات ينشرها في "الجريدة الرسمية" الفرنسية، معززاً بها مكانته كواحد من كبار الفرنسيين الرومانطيقيين الذين قرّبوا صورة مصر إلى القراء الفرنسيين، مساهماً بذلك في الشغف الفرنسي بمصر وتاريخها وحاضرها، شغف لن يختفي في فرنسا بل يزداد حدة عاماً بعد عام حتى اليوم.

التاريخ على صفحة النيل

مهما يكُن من أمر سيقول غوتييه خلال الأعوام الثلاثة التي سيعيشها بعد ذلك، أنه حتى من شرفة فندقه المطلة على النيل خلال تلك الإقامة الجبرية، تعرّف إلى القاهرة بقدر ما تعرّف إليها عبر الكتب، بل حدث له أن "شاهد" في هدأة ليال دافئة، كليوباترا نفسها تمر أمام ناظريه في موكب على سطح النيل وكأنها تعيد أمامه خلق ما سبق هو أن كتبه عنها قبل ذلك بثلاثين عاماً في تلك الرواية التي وإن لم تكُن أشهر أعماله، فإنها كانت الرواية التي فتحت الباب واسعاً أمام زملائه من الكتاب الفرنسيين ليكتبوا روايات سمّاها هو بـ"أركيولوجية" تدور حول نساء شرقيات ومتوسطيات يحملن كما تحمل تلك الروايات أسماء "سالامبو" و"تاييس" و"أفروديت" وحتى "ديدون" و"سالومي". والمعني هنا هو بالطبع رواية غوتييه نفسه "ليلة من ليالي كليوباترا" التي ربما ستعرف من المجد الموسيقي ما يفوق شهرتها ككتاب مطبوع، في نهاية الأمر، إذ نعرف أن موسيقيين كبيرين أحدهما هو الفرنسي فيكتور ماسيه والأخير الأميركي هنري كمبال هادلي، عام 1885 بالنسبة إلى الأول، وعام 1920 بالنسبة إلى الأخير، قد موسقا تلك الحكاية ليضمّاها إلى سلسلة لا تنتهي من أعمال درامية تابعت فصولاً من حياة ملكة الإسكندرية، بينها طبعاً مسرحية شكسبير الكبرى "أنطوني وكليوباترا".

نظرة خاصة إلى الملكة

ومع ذلك لا بد من الإشارة هنا إلى أن ثيوفيل غوتييه، وعلى خطاه العملين الأوبراليين المقتبسين منه، لم يسِر على خطى التصور المتشابه الذي طبع معظم الأعمال الفنية التي تناولت الملكة، فنجده ضئيل الاهتمام بغراميات الملكة مع سادة الرومان، بل توجّه في اتجاه آخر ربما وجد جذوره في عمل لا علاقة له بكليوباترا من باب أولى: "ألف ليلة وليلة" وقد أغراه أن يطبق على كليوباترا ما فتنه في الليالي العربية، تحديداً حكاية صاحب السلطة الذي مقابل ليلة حب يملي على المحب شرطاً قاتلاً، وهكذا يستعير بقدر كبير من التصرف علاقة شهرزاد بشهريار، ويجعل المُوله هنا مواطناً عادياً بل فقيراً حتى يسمّيه "ميمون"، وهو اسم مستقى مباشرة من "ألف ليلة وليلة"، يجعل منه شاباً مولهاً بملكته ويزداد تولّهه بها حين يراها تمر في موكبها المهيب في مركب على النيل، فيجرؤ على الدنو منها ليصرّح لها أمام دهشتها بأنه "مستعد يا مولاتي لدفع حياتي ثمناً لليلة أقضيها بقربك". فتبتسم الملكة، قائلة إنها ستوافق على طلبه كمواطن شرط أن ينهي حياته بنفسه في صبيحة اليوم التالي. ولا يتردد ميمون، مؤكداً أنه سيفعل مبتهجاً لأنه سيكون قد حقق حلم حياته الذي لن يكون لتلك الحياة من معنى بعد أن يفعل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جثة لا تستحق نظرة!

وهكذا تنهض كليوباترا من ملل كانت تعيشه تلك الليلة وهي تنتظر بلهفة عودة أنطوني وتمنح ميمون ما وعدته به فوق نهر النيل في المركب الملكي تحت ضوء القمر الساحر وفي حضن طبيعة خلابة وصوت الموسيقى يغمر المشهد كله بقدر هائل من الحنان. ومن الواضح أن ذلك الجو الذي وصفه غوتييه من وجهة تلك النزوة الملكية، سيكون هو ذاك الجو الذي سيقول بنفسه إنه شاهده "في حلم يقظة حين كان جالساً على شرفة غرفته في فندق شيبرد القاهري بعد مئات السنين من تلك النزوة لكليوباترا".

والمهم هنا أن النهار سرعان ما يطلع فيما المركب الملكي يواصل مساره. أما ميمون، فإنه ومن دون أدنى تردد، سيشرب كأس السم التي قُدّمت له عند الصباح ليرتمي جثة وابتسامة رضا وفخر تزيّن ثغره. فيما الملكة لا تعبأ به. وكذلك لن يعبأ به مارك أنطوني الذي يصل إلى المكان لملاقاة حبيبته ويمرّ بجثة ميمون وقد فهم كل ما حدث، لكنه لا يلقي ولو نظرة عطف أو حتى فضول على العاشق الموله.

المرأة الخالدة في المشهد المصري

بالنسبة الى ثيوفيل غوتييه الذي لم يكُن مفتوناً بشخصية كليوباترا أو بجمالها، حتى إن كان قد استخدم لغته الرائعة في وصفها بشكل أعطى عنها، هنا أيضاً، صورة مغايرة لما كانت قد وُصفت به بأقلام كثيرة من قبله، بقدر ما كان مفتوناً بالمشهد المصري نفسه، كرّس العدد الأكبر من صفحات هذا النص، ليس للملكة وحكاية ميمون إذاً، بل تحديداً للإسهاب في وصف "المشهد المصري" نفسه، بل بدا واضحاً أنه وقبل أن يكتب أي سطر في تلك الرواية، قد اشتغل على ابتكار أسماء لشخصياته تبدّت في منتهى الغرابة، كما أنه استوعب في مخيلته الخصبة عدداً كبيراً من لوحات المستشرقين الذين أبدعوا في رسم مناظر مصرية وربما شرقية أيضاً بصورة عامة، ليضفي على "المشهد المصري" الذي صوّره بالكلمات ألواناً ومواصفات ندر أن استخدمها من قبله كاتب في الحديث عن ذلك البلد. ولنضف إلى هذا أن غوتييه قد ضم إلى المشهد الذي رسمه ليعبّر فيه عن تلك الليلة الواحدة، عدداً كبيراً من الأمكنة في أزمنة مختلفة ومتنوعة، لتبدو الرواية في نهاية الأمر أشبه بدراسة مورفولوجية عن مكان مثالي ساحر الجمال يمتّ بصلة إلى ما يمكن أن يكون وُجد حقاً في التاريخ أو حتى في تواريخ متعددة، ما يبرر ما قاله نقاد من أن غوتييه يبدو وكأنه صوّر من خلال كليوباترا تلك المرأة الخالدة المنتمية إلى كل الأمكنة والأزمنة التي لطالما حلم الكتّاب بها وبتصويرها رسماً أو كتابة أو عبر الموسيقى.

نوع أدبي خاص

ومن هنا صفة "الرواية الأركيولوجية" التي اقترنت بها هذه الرواية. بالتالي من هنا أتت مجموعة كبيرة من تلك الروايات التي سمّينا بعضها كتبها غوستاف فلوبير أو أناتول فرانس أو حتى بيار لويس، من الذين تطلعوا إلى منافسة غوتييه في إبداعه صورة المرأة الخالدة. ولكن دائماً بالارتباط مع المكان الذي راح دائماً يُعطى المكانة الأساسية في أعمالهم، ما سيعم بالتالي مكانة "الرواية الأركيولوجية" ويحوّلها نوعاً أدبياً قائماً بذاته بحيث لا تعود الحبكة هي الأكثر أهمية، بالتالي تصبح الأحداث مهما كان منطقها مجرد ذريعة لا أكثر.

عصيّ على التصنيف

بقي أن نذكر أن ثيوفيل غوتييه (1811 – 1972) كاتب فرنسي ولد في منطقة تارب على جبال البيرينيه لأب موظف في الحكومة، انتقل بعائلته وثيوفيل لا يتجاوز الثالثة من عمره إلى باريس، حيث نشأ الفتى ودرس في كلية لوي لوغراند التي خرّجت من قبله عدداً من كبار الكتاب الفرنسيين من طينة فولتير وهوغو وبودلير وحتى المركيز دو ساد.

وباكراً ارتبط غوتييه بصداقة مع جيرار دي نيرفال الذي سوف يقود خطاه إلى الشرق الذي سرعان ما أولع به، كما قادته كتابات فيكتور هوغو إلى الرومانطيقية. ومن هنا، كان من الطبيعي أن يتحوّل غوتييه إلى الكتابة لكنه بقي طوال حياته عصياً على التصنيف، هو الذي كان شاعراً وروائياً وكاتباً مسرحياً وصحافياً وناقداً فنياً وأدبياً، إضافة إلى خوضه أدب الرحلات، إذ زار معظم شمال أفريقيا والشرق الأوسط واليونان وتركيا وأصدر عنها كتباً كانت ولا تزال من أجمل كتب الرحلات ونتاجات الرحالة المستشرقين.

المزيد من ثقافة