ملخص
كشف تعثر الأندية الإنجليزية في ذهاب دور الـ16 بدوري أبطال أوروبا عن فجوة تكتيكية وبدنية أمام عمالقة القارة، حيث اصطدمت أموال البريميرليغ بواقعية المنافسين، لتصبح فرق إنجلترا أمام اختبار قاسٍ لإنقاذ موسمها الأوروبي.
بينما كان عثمان ديمبيلي وخوليان ألفاريز ينطلقان مبتعدين عن دفاعات إنجليزية منهكة، لم تكن مجرد أهداف جاءت من هجمات مرتدة عبر الملعب بأكمله، لقد كانت تجسيداً مثالياً لكيف سارت نسخة هذا الموسم من دوري أبطال أوروبا من أقصى إلى أقصى، وربما لا يزال المزيد قادماً.
في تلك الأهداف المرتدة الرائعة، ظهر أيضاً كيف أن القوة المالية الهائلة للدوري الإنجليزي الممتاز انتهت بتحول فرقه إلى مطاردة النتائج بصورة يائسة، مع فجوات كبيرة يتعين عليهم تعويضها.
نتائج كارثية لأندية إنجلترا تهدد بخروج جماعي تاريخي
فوجود ستة أندية في دور الـ16 بصورة غير مسبوقة قد يتحول إلى خروج جماعي غير مسبوق، وإلى إذلال لا مثيل له. فقد كانت الهزائم الساحقة الثلاث في ذهاب هذا الدور سيئة بما يكفي.
بالطبع يمكن أن يتغير الكثير خلال أسبوع، لكن هناك أيضاً الكثير مما يجب القيام به. فمسابقة تحقق إيرادات تزيد على أكثر من ضعف أي دوري آخر انتهت إلى عدم تحقيق أي انتصار، مع تعادلين وأربع هزائم، ثلاث منها قاسية.
مقولة بلاتيني تعود لتطارد الكرة الإنجليزية
وكان من الصعب ألا يتبادر إلى الذهن اقتباس ميشيل بلاتيني القديم، الذي ذكرت صحيفة "اندبندنت" هذا الأسبوع أنه يتم تداوله مجدداً في قمة كرة القدم الأوروبية "الإنجليز مثل الأسود في الخريف لكنهم مثل الحملان في الربيع". وقد ذهب بعضهم فعلاً إلى المذبح.
الغطرسة الإنجليزية وجدت خصمها، فيما قد يكون الدوري الإنجليزي الممتاز قد بدأ أيضاً يلتهم نفسه.
وكما هي الحال دائماً مع مثل هذه التعميمات، هناك بعض التفسيرات الفردية.
توتنهام هوتسبير حالة فوضوية لا تعكس شيئاً سوى خللها الداخلي، وليفربول البطيء لا يبدو قادراً على إيجاد حل من دون أن يكشف مشكلة أخرى وسط موسم صعب. أما تشيلسي فكان جيداً في معظم فترات مواجهته أمام بطل أوروبا، الذي حسم المباراة بطبيعة الحال بفضل جودته. بينما قدم نيوكاسل يونايتد مباراة قوية أمام برشلونة المتفوق.
أخطاء فردية ومشكلات تكتيكية مشتركة
ومع ذلك، برزت من بين كل ذلك مشكلات مشتركة قد تشير إلى اتجاهات أوسع. فهناك فريقان استقبلا أهدافاً من كرات ثابتة، مع مفارقة إضافية تمثلت في معاقبة ما أصبح قاعدة في الدوري الإنجليزي الممتاز. فنصف الفرق عانى مشكلات في حراسة المرمى. وفي الأقل أربعة منها ارتكبت أخطاء فردية كارثية أخرى، خصوصاً في لحظات حاسمة.
وجميعها واجهت أنواعاً مختلفة تماماً من المباريات - مباريات أكثر انفتاحاً بكثير - مما اعتادت عليه، مما أدى مباشرة إلى تلك اللقطتين لديمبيلي وألفاريز.
أسلوب اللعب في البريميرليغ تحت المجهر
وقد يقود هذا الأمر الأخير إلى سؤال أكبر يخص الدوري الإنجليزي الممتاز ككل. فالجدل حول أسلوب اللعب كان سمة بارزة هذا الموسم، مما أدى إلى اتجاه أصبحت فيه الفرق التي جرى تجميعها بكلف باهظة مهووسة بكل الهوامش المحيطة باللعب نفسه، كالضغط الماسي، والضغط العكسي، والكرات الثابتة.
وكان التعليق الساخر المتكرر بعد كثير من مباريات هذا الموسم أن هذه الأندية أنفقت أكثر من مليار جنيه إسترليني (1.33 مليار دولار) لكل منها لإنتاج هذا الأسلوب. وبالفعل قد تكون هذه تكتيكات عالية المستوى، لكنها فقيرة من حيث التعبير.
وفجأة، ومع ارتفاع الرهانات، تجد هذه الفرق نفسها في نوع مختلف تماماً من المباريات، فهي تواجه فرقاً عالية الجودة تسعى إلى الاحتفاظ بالكرة واستغلالها.
مرحلة الدوري السهلة خلقت رضاً ذاتياً
فهل يمكن القول إن الأندية الإنجليزية "نسيت" كيف تلعب هذا النوع من المباريات، خصوصاً بعدما كانت مرحلة الدوري سهلة إلى هذا الحد؟
لقد قيل طوال الموسم إن المرحلة الافتتاحية بنظام الدوري لا يمكن أن تخلق كثافة أدوار خروج المغلوب، لكن الأمر بالكاد كان مهماً، وربما سمح للفرق الإنجليزية بأن تنغمس أكثر من اللازم في تعقيداتها التكتيكية الخاصة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهكذا وجدت نفسها هذا الأسبوع فجأة تعتمد على الكرات الثابتة، في مباريات لم تعد فيها الكرات الثابتة تعمل بالطريقة نفسها.
ويعتقد مدرب بارز في الدوري الإنجليزي الممتاز، في حديث خاص، أن هذا الأمر خلق أيضاً نوعاً من "الرضا الذاتي".
قرارات تكتيكية مثيرة للجدل أمام ريال مدريد
ربما توقعت فرق كثيرة مباريات شبيهة بمرحلة المجموعات، حتى لو كان ذلك بصورة غير واعية، فكل من ليفربول وأرسنال بديا وكأنهما عالقان في السرعة الثانية أمام غلطة سراي وباير ليفركوزن على التوالي.
وماذا عن نهج بيب غوارديولا أمام ريال مدريد؟ فعلى رغم الميزة الظاهرية المتمثلة في غياب عدد من نجوم الفريق الإسباني، اختار مدرب مانشستر سيتي خط وسط مفتوحاً بصورة لافتة، وهو ما صب مباشرة في مصلحة أكثر لاعبي مدريد مهارة من الناحية الفنية. وقد استغل فيديريكو فالفيردي ذلك بأفضل صورة، مقدماً واحداً من أعظم العروض الفردية في تاريخ دوري أبطال أوروبا.
نجوم أوروبا يصنعون الفارق في اللحظات الكبرى
فالأوروغوياني أحد أولئك اللاعبين من الطراز الرفيع الذين يبدو أن ريال مدريد يمتلكهم دائماً، لاعب غالباً ما تطغى عليه الأسماء اللامعة لكنه يشكل الأساس لكل ما يفعله الفريق. وهنا، في غياب كيليان مبابي وجود بيلينغهام، كان المسرح متاحاً لفالفيردي.
وهناك كثير من المسؤولين التنفيذيين في أندية الدوري الإنجليزي الممتاز يعتقدون أن مثل هؤلاء اللاعبين يعكسون فارقاً حاسماً بين أفضل الأندية الإنجليزية وأفضل الفرق الأوروبية، أي الأندية التي تملك بالفعل الإيرادات الكافية للمنافسة. فريال مدريد وبرشلونة وبايرن ميونيخ وباريس سان جيرمان كانوا جميعاً في صدارة قائمة "ديلويت" لأغنى أندية العالم من حيث الإيرادات.
غياب النجوم الجاذبين في البريميرليغ
وهذا يعني أيضاً أن ثلاثة منها - باستثناء بايرن ميونيخ - تضم بالفعل نخبة نجوم اللعبة، أولئك النجوم الجاذبين للجماهير الذين يفتقدهم الدوري الإنجليزي الممتاز إلى حد كبير.
وقد يكون في هذا الرأي بعض الوجاهة، وربما يفسر بعض الفوارق في الأدوار المتقدمة. وكما أظهر باريس سان جيرمان أمام تشيلسي، فهم يملكون ببساطة اللاعبين القادرين على الذهاب أبعد. وبدا مدرب تشيلسي ليام روزنير شبه مبهور بخفيتشا كفاراتسخيليا.
الإنفاق الضخم لا يعني دائماً نجاحاً أوروبياً
لكن هناك وجاهة أقل بكثير في الحجة القائلة إن ذلك يجب أن يؤدي إلى مزيد من تخفيف القواعد المالية في الدوري الإنجليزي الممتاز، إذ إن الأندية تنفق بالفعل ما يكفي. ربما عليها فقط أن تنفقه بصورة أفضل.
أما الحجة الأقوى فهي أن عامل الجذب المربح ذاته في الدوري الإنجليزي الممتاز، وهو التنافسية، يعمل أيضاً كقوة موازنة ضرورية أمام الأموال الضخمة التي يجلبها. وربما يكون ذلك جيداً لكرة القدم الأوروبية ككل، خصوصاً في ظل الطريقة التي تمتص بها الأموال الإنجليزية معظم المواهب المتبقية.
لكن ذلك يثير عاملاً حاسماً آخر، إذ سيقدم باعتباره عذراً يائساً، لكنه صحيح بصورة واضحة. فالأندية الإنجليزية مضطرة إلى بناء تشكيلات أكبر - وغالباً على حساب "النجوم" - لأنها تواجه جدول مباريات أكثر قسوة بكثير.
ولا يتعلق الأمر بعدد المباريات فقط، بل بالحدة أيضاً، فوجود ستة أندية في هذا الدور من الـ16 يثبت ذلك بحد ذاته، حتى لو كان أحدها توتنهام.
اختلاف حدة المنافسة بين الدوريات الأوروبية
الدوري الإسباني "لا ليغا" لديه ثلاثة أندية فقط في هذا المستوى. أما الدوري الألماني والدوري الفرنسي فلديهما نادٍ واحد لكل منهما. وفي الدوري الإنجليزي الممتاز أيضاً مانشستر يونايتد وأستون فيلا، وصولاً إلى سلسلة من الفرق التي لا يتسع الفارق بينها كما هي الحال في دوريات أخرى.
وهذا بدوره يجعل كل عطلة نهاية أسبوع أكثر تطلباً بكثير، في حين تمنح الدوريات الأخرى فرقها مساحة للتنفس.
فريال مدريد وباريس سان جيرمان تمكنا من اللعب، الجمعة. ولديهما بطولة كأس واحدة فقط.
وانظر أيضاً إلى كيف تتحول كل مباراة لأرسنال إلى دراما نفسية. بينما بايرن لا يواجه ذلك.
كل هذا يتراكم، خصوصاً عندما يصل الموسم إلى مرحلته الأكثر تطلباً. ويمكن رؤية ذلك في الإجهاد الذي يعانيه نجم صاعد مثل كول بالمر.
اللاعبون مرهقون بدنياً وذهنياً. وحتى لو كان ذلك بنسبة صغيرة، فإنه قد يضعف أفضلية حاسمة في هذا المستوى، خصوصاً عندما يستطيع نجوم مثل كفاراتسخيليا معاقبتك في لحظة.
هل تنقلب النتائج في مباريات الإياب؟
ومع ذلك، لم تخرج الأندية الإنجليزية بعد. فلا تزال هناك مباريات الإياب، خمس منها على أرضها. أندية الدوري الإنجليزي تمتلك الثروة. أرسنال لا يزال في موقف قوي. وليفربول يبقى مرشحاً لتخطي مواجهته. وهناك أيضاً أمثلة كثيرة في تاريخ دوري أبطال أوروبا الحديث تظهر كيف يمكن لتقدم بثلاثة أهداف أن يتبخر في دقائق.
وربما سينقلب الكثير من هذا، بحيث تعاد قراءة كل القضايا المثارة هنا لاحقاً على أنها نقاط قوة.
لكن لكي تتحول "حملان" بلاتيني فعلاً إلى "أسود"، سيكون عليها أن تعوض الكثير. إذ سيتعين على أندية الدوري الإنجليزي الممتاز أن تذهب إلى أقصى حدودها أيضاً.
© The Independent