Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران من استعادة الردع إلى تشكيل وضع إقليمى جديد

تؤرخ الحرب الدائرة لاستغلال كل من إسرائيل وطهران الصراع لتشكيل الشرق الأوسط كل من وجهة نظره

في مرحلة أخرى من تطور التصعيد العسكري حرصت إيران على استهداف الملاحة في مضيق هرمز لنقل الضغط إلى الاقتصاد العالمي عبر توقف الشحن والملاحة البحرية (أ ف ب)

ملخص

هناك تصوران محتملان، أحدهما التصعيد الكامل ومن ثم إغلاق كامل لمضيق وأزمة طاقة حادة، أو استمرار حرب الاستنزاف عبر الهجمات المتقطعة وعدم الاستقرار طويل الأمد، وفي حال تحقق أي من هذين التصورين فسيظل السؤال الرئيس هل ينتهي دور واشنطن عند استمرار الضربات الجوية لحين إسقاط النظام وترك الإيرانيين يحددون شكل مستقبلهم السياسي، وهو الهدف الذي كرره الرئيس الأميركي وكثير من مسؤولي إدارته؟ أم ستعمل واشنطن على إعادة بناء نظام إقليمي في ضوء المعطيات الجديدة، بما يضمن أمن واستقرار المنطقة؟

يمكن القول إن أهم ملامح تطورات الحرب الجارية بين إيران من جهة وواشنطن وإسرائيل من جهة أخرى هي محاولة طهران استغلال الحرب لترسيخ وضع إقليمي جديد لمصلحتها أولاً، والتصعيد عبر معركة الممرات المائية للضغط على الاقتصاد العالمي ثانياً، فالحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤرخ لاستغلال كل من إسرائيل وإيران الحرب لتشكيل الشرق الأوسط من وجهة نظرهما، فبينما كانت الأهداف الأميركية متحركة ومتغيرة بحسب معطيات ووقائع المعارك العسكرية، ففي البدء كان الهدف بحسب تصريحات الرئيس دونالد ترمب منع إيران من امتلاك سلاح نووي ثم القضاء على القدرات الصاروخية لمنع إيران مستقبلاً من تطويرها، ثم إعلان هدف تغيير النظام الإيراني.

أما إسرائيل فلا يزال هدفها واحد وهو القضاء على القدرات النووية والصاروخية لإيران وإضعاف قدرة النظام على الاستمرار بفاعلية تمهيداً لإسقاطه، وبينما كان هدف إيران قبل الحرب هو الرد على أية ضربات أميركية محتملة بهدف استعادة الردع، تحول هدف النظام مع اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي إلى معركة البقاء من أجل الحفاظ على استمراره، وهو ما يفسر سبب اختيار مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً لإيران على رغم عدم وجود توافق على اختياره، بل إن علي خامنئي رشح ثلاثة أسماء لخلافته منذ انتهاء حرب الـ 12 يوماً العام الماضي ولم يكن مجتبى منها، ومن ثم فإن اغتيال خامنئي الأب في زمن الحرب مهد لاختيار مجتبى.

ومع التصعيد العسكري وتطور توظيف إيران للتصعيد في الحرب على مراحل أعلى، ابتداء من استهداف جيرانها في دول الخليج العربي والتي لطالما توسطت من أجل إقناع واشنطن بترجيح الدبلوماسية على الخيار العسكري، فكثيراً ما اعتمدت على تحسن علاقتها بالسعودية من أجل إقناع ترمب باستبعاد الخيار العسكري، ومن ذلك إرسال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسالة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قبيل زيارته واشنطن من أجل بدء المفاوضات مع إيران، واستعداد السعودية حينها للوساطة بين واشنطن وإيران، ومع ذلك استمرت إيران منذ بدء الحرب في استهداف البنية التحتية الاقتصادية والنفطية لدول الخليج بهدف الضغط على أسعار الطاقة والنفط في المنطقة، وإلحاق الأذى بمظاهر التننمية والتطور التي بدأتها دول الخليج.

في مرحلة أخرى من تطور التصعيد العسكري حرصت إيران على استهداف الملاحة في مضيق هرمز لنقل الضغط إلى الاقتصاد العالمي عبر توقف الشحن والملاحة البحرية، ومن ثم فربما تعمل إيران على إطالة أمد الحرب عبر توقف الملاحة في مضيق هرمز، واستنزاف القدرات العسكرية الأميركية في المنطقة لإلحاق الخسائر السياسية بإدارة الرئيس دونالد ترمب داخلياً وخارجياً، ولذا فقد انتقلت الحرب من مرحلة استعادة الردع بالنسبة إلى إيران إلى الحفاظ على بقاء النظام وتشكيل معادلة توازن إستراتيجي جديدة، تتجاوز وضعها الضعيف منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 حين جرى القضاء على القدرات العسكرية والتنظيمية لحلفائها من "حماس" و"حزب الله"، مروراً بسقوط نظام بشار الأسد وحتى حرب الـ 12 يوماً.

وبالنظر إلى المطالب الإيرانية التي أعلنها بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي وتمحورت حول رفع العقوبات والحصول على تعويضات ثم ضمانات دولية بعدم تعرضها للهجمات الأميركية والإسرائيلية مرة أخرى، والتي غالباً لن تتعاطى معها واشنطن، فقد أعلنت طهران من خلال رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف أن وضع مضيق هرمز لن يعود كما كان من قبل، بل أكد عراقجي أنه لا بد من وضع بروتوكول لتنظيم المرور في المضيق.

من جهة أخرى سعت إيران إلى توظيف التوترات في المضيق وتوقف الملاحة لتؤسس لواقع جديد على الخليج العربي، متناسية أنه ملك لجميع الدول المشاطئة، فحرصت على استعراض القوة عبر السماح لسفن هندية بالمرور الآمن مقابل إفراج نيودلهي عن ناقلات نفط إيرانية كانت محتجزة لديها، وكذلك طلبت أن تجري تعاملات السفن المارة باليوان الصيني من أجل السماح لها بالمرور الأمن لها، فضلاً عما نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" من أن دولاً أوروبية تعتزم التفاوض مع إيران حول مرور سفن تابعة لها.

ما سبق من تطورات شجّع إيران على استغلال مضيق هرمز، وربما لاحقاً تفعيل التوترات عند مضيق باب المندب لإحكام الضغط على الاقتصاد العالمي وترسيخ واقع جديد يعزز تصور إيران في دور شرطي الخليج، ولكن بصيغة إسلامية عسكرية، فهي من جهة تستهدف من معركة مضيق هرمز استنزاف الولايات المتحدة عبر إطالة أمد الحرب والضغط على الاقتصاد العالمي، ومن جهة أخرى انتزاع اعتراف دولي بسيطرتها على المضيق، وقد أكد المرشد الإيراني الجديد في رسالته الأولى إنهاء الوجود العسكرى الأميركي في المنطقة، فكثيراً ما اعتبرت طهران أن الوجود الأميركي في العراق وأفغانستان تهديد لأمنها القومي، وكما حاولت إسرائيل استغلال السابع من أكتوبر 2023 لرسم شرق أوسط جديد، فإن طهران تسعى إلى استغلال الحرب من أجل فرض رؤيتها للوجود الأميركي في المنطقة وسيطرتها على مضيق هرمز، حتى مع استمرار استنزاف النظام الإيراني عسكرياً وسياسياً واقتصادياً عبر الضربات الأميركية الإسرائيلية.

التصعيد عبر حرب الممرات البحرية والطاقة

تشكل الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية التي تضرب النظام العالمي للطاقة خلال القرن الـ 21، فهي لم تعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بل تحولت إلى حرب على الطاقة نفسها، حين أصبحت حقول الغاز والنفط والممرات البحرية أدوات ضغط إستراتيجية، فمنذ بداية التصعيد دخلت منشآت الطاقة في قلب العمليات العسكرية، فاستُهدفت منشآت النفط والغاز في إيران ودول الخليج مما أدى إلى اضطرابات حادة في الإمدادات العالمية وارتفاع كبير في الأسعار، ومن ثم توسع الصراع ليشمل منشآت الغاز في الخليج ومصافي النفط وموانئ التصدير وناقلات النفط، مما يعني أن الحرب لم تعد محصورة جغرافيا بل امتدت إلى سلاسل الإمداد العالمية، ويُعد حقل "بارس" الجنوبي المشترك بين إيران وقطر أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، ويشكل ركيزة أساس لإمدادات الغاز العالمية، وتتمحور أهميته الإستراتيجية حول كونه يمثل جزءاً كبيراً من إنتاج الغاز الإيراني، ويرتبط مباشرة بإمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ويشكل عنصراً حيوياً لأمن الطاقة في آسيا وأوروبا، ومع تصاعد الحرب تعرض الحقل إلى هجمات مباشرة مما أدى إلى اندلاع حرائق وأضرار في منشآت الإنتاج، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز فوراً بعد الهجوم، وتهديدات أميركية بتدميره بالكامل في حال التصعيد، ومن ثم فإن أية تطورات تعني أن أي تعطيل في هذا الحقل قد يؤدي إلى أزمة غاز عالمية ونقص في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، وارتفاع أسعار الكهرباء والصناعة عالمياً، وبالتالي أصبح حقل "بارس" نقطة اشتعال جيوسياسية، فضلاً عن أزمة مضيق هرمز التي تستخدمها إيران لخنق الاقتصاد العالمي والتي أدت إلى ارتفاع كُلف الشحن والتأمين، واضطراب التجارة العالمية للطاقة، واستمرارها يهدد بأزمة طاقة عالمية وتضخم اقتصادي واسع النطاق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم استغلال إيران الحرب من أجل معادلة توازن إستراتيجي يمكّنها من بناء قوة ردع جديدة وتوظيف أوراق الطاقة والملاحة والوجود الأميركي في المنطقة في ظل شرق أوسط جديد، فإن الحرب الإقليمية الجارية ستعيد تشكيله، واستمرار الحرب واستنزاف القدرات العسكرية غير التقليدية لإيران، مثل منظومة الصواريخ الباليستية والنووية وزعزعة قوة النظام الداخلية، يلقي الضوء على مستقبل النظام الإيراني الذي قد يستمر ضعيفاً لكن أكثر تشدداً وعسكرة في ظل سيطرة "الحرس الثوري" على مقاليد السلطة، إضافة إلى الرمز الديني لولاية الفقيه.

التصورات المتوقعة

ربما تكون تصريحات مدير "الوكالة الدولية للطاقة الذرية" أخيراً حول تواصله مع مسؤولين إيرانيين وأميركيين تمهيداً للتهدئة ووقف إطلاق النار بحجة العودة لمناقشة مصير اليورانيوم عالي التخصيب، ومن ثم تعلن كل الأطراف فجأة الانتصار كما حدث العام الماضي حينما أعلن ترمب وقف إطلاق النار وتحقيق الأهداف، وكذلك فعلت إيران وإسرائيل، ومع ذلك يظل هناك تصوران محتملان، أحدهما التصعيد الكامل ومن ثم إغلاق كامل لمضيق وأزمة طاقة حادة، أو استمرار حرب الاستنزاف عبر الهجمات المتقطعة وعدم الاستقرار طويل الأمد، وفي حال تحقق أي من هذين التصورين فسيظل السؤال الرئيس هل ينتهي دور واشنطن عند استمرار الضربات الجوية لحين إسقاط النظام وترك الإيرانيين يحددون شكل مستقبلهم السياسي، وهو الهدف الذي كرره الرئيس الأميركي وكثير من مسؤولي إدارته؟ أم ستعمل واشنطن على إعادة بناء نظام إقليمي في ضوء المعطيات الجديدة، بما يضمن أمن واستقرار المنطقة؟

اقرأ المزيد

المزيد من آراء