ملخص
كُشف في إسرائيل عن أن تل أبيب فضلت عدم تنفيذ الضربة في الوقت الحالي لضمان تحقيق هدف إسقاط النظام وضمان بديل له، غير أن مسؤولين أمنيين اعتبروا أن الفرصة الحالية مناسبة لتوجيه الضربة، كون التطورات التي شهدتها إيران في أعقاب الاحتجاجات، وبأن التطورات الأخيرة بعد التظاهرات والاحتجاجات فرصة لاستغلالها لتكثيف الجهود لإسقاط النظام.
للمرة الأولى، يتحدث رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو صراحة عن أزمة العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تحديداً تجاه غزة، بعد الإعلان عن مجلس السلام وتشكيلة اللجنة التنفيذية، بقوله إن الهوة في الخلافات عميقة، لكنه استدرك مؤكداً "مع هذا لا يوجد شرخ بيننا".
أما في حديثه مساء أمس الإثنين أمام الهيئة العامة للكنيست، فطرح موقف إسرائيل الرافض للإدارة التنفيذية لقطاع غزة، وقال إن هناك خلافاً كبيراً مع الأميركيين حول اللجنة التنفيذية التي سترافق المسارات الجارية في غزة.
وشدد نتنياهو على أن إسرائيل لن تسمح بوجود "جنود أتراك وقطريين في قطاع غزة"، في إشارة إلى الترتيبات المطروحة في شأن المرحلة التالية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في القطاع.
هذا في ملف غزة، أما في الملف الإيراني فلم يترك نتنياهو وسيلة، عبر مقربين منه ووزراء أو من أطلقوا على أنفسهم مصادر مطلعة، إلا وأظهر تفاهماً كبيراً بينه وبين ترمب، سواء في أن تأجيل الضربة على إيران تمت بعد ضغط نتنياهو لأن الاستعداد لها ولمواجهة أي رد إيراني لم يستكمل، أو كما سرب من تفاصيل للنشر بعد اجتماع المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينت)، الذي انعقد حتى ساعة متأخرة من مساء الأحد، أن الضربة تأجلت لأن نتنياهو أقنع الرئيس بأنها لن تؤدي إلى تحقيق الهدف الذي يتم التخطيط له، وهو إسقاط النظام.
وما بين غزة وإيران تخوض إسرائيل نقاشاً واسعاً، والمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية تعدان الخطط التي تعكس حالة من التصعيد الأمني المتوقع تجاه غزة وإيران. وقام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير بزيارة بعد ظهر الإثنين إلى مقر قيادة الجبهة الداخلية، برفقة قائد الجبهة الداخلية وقادة آخرين، ومن هناك هدد قائلاً "الجيش الإسرائيلي مستعد لتفعيل قدرة هجومية غير مسبوقة بقوتها ضد أي محاولة للمساس بإسرائيل"، وأضاف أن الجبهة الداخلية مستعدة بمنظومة دفاع جاهزة ومدربة لمواجهة حجم التهديدات متعددة الجبهات".
تهديدات زامير تزامنت مع تقارير أعقبت اجتماع الكابينت مساء الأحد أكدت أن التعليمات لجميع هيئات الجيش والمؤسسات العسكرية تقضي بإبقاء حالة التأهب والاستعداد في ذروتها. وقال مسؤولون كبار في إسرائيل إن احتمال توجيه ضربة على إيران، ومن ثم الرد على إسرائيل لم يسقط عن طاولة الأبحاث.
واستبق زامير جولته في قيادة الجبهة الداخلية بعقد جلسة في مقر سلاح الجو ناقش فيها سيناريوهات رد إسرائيل في حال تعرضت لضربات من إيران كرد على هجوم أميركي. ودعا سلاح الجو إلى تكثيف جهوزيته واستعداداته لمختلف السيناريوهات المتوقعة والاستعدادات الضرورية. من جهته عزز سلاح الجو حالة الطوارئ في قواعده العسكرية، بينما زود قاعدة نيفاتيم بثلاث طائرات حربية من نوع "أف 35".
واشنطن تغير المسار
التقديرات الإسرائيلية أن واشنطن التي كان متوقعاً أن تنفذ الهجوم نهاية الأسبوع الماضي اتخذت مساراً مختلفاً بحيث تمنح الاستعدادات للضربة فترة أطول، حيث تحشد قوات في المنطقة، وترسل حاملتي طائرات "لينكولن وفورد" إلى المنطقة، وتنقل طائرات شحن إلى جزيرة دييغو غارسيا، وتعزز منظومات الدفاع الجوي لدى حلفائها، وتكثف جمع الاستخبارات متعددة الأبعاد.
وبحسب أمنيين إسرائيليين فإن "التركيز لم يعد يقتصر فقط على القدرات العسكرية فحسب، بل على تحديد نقاط كسر داخلية في المنظومة الإيرانية - اقتصادية واجتماعية وإثنية وحكومية، بالتوازي مع تحرك عسكري، يسهم أكثر في زعزعة حقيقية لاستقرار النظام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بالتوازي، تدرس بجدية إمكان بلورة بديل سلطوي موثوق، انطلاقاً من إدراك أنه من دون أفق سياسي واضح، حتى ضربة عسكرية ناجحة لن تحقق الهدف الاستراتيجي.
وكُشف في إسرائيل أن تل أبيب فضلت عدم تنفيذ الضربة في الوقت الحالي لضمان تحقيق هدف إسقاط النظام وضمان بديل له، غير أن مسؤولين أمنيين اعتبروا أن الفرصة الحالية مناسبة لتوجيه الضربة، كون التطورات التي شهدتها إيران في أعقاب الاحتجاجات، وبأن التطورات الأخيرة بعد التظاهرات والاحتجاجات فرصة لاستغلالها لتكثيف الجهود لإسقاط النظام.
واعتقد عقيد احتياط هرئيل كانفو الرئيس السابق لهيئة قيادة الجنوب عدم توجيه الضربة التي كان متوقعاً تنفيذها نهاية الأسبوع الماضي خطأ كبيراً، حيث أتاح ذلك المجال للنظام للقضاء على فرصة تحقيق أهداف الاحتجاجات ونجح في تشويش الاحتجاجات". واستبعد كانفو قدرة إسرائيل على إسقاط النظام، ودعا إلى ضمان تحقيق هدف تدمير الصواريخ الباليستية وإضعافه، وأهداف أخرى تشكل خطراً على أمن إسرائيل.
أما الجنرال المتقاعد إسحاق بريك فوصف تهديدات إسرائيليين بتوجيه ضربة على إيران والقضاء على النظام بـ"الغطرسة المدمرة لإسرائيل". وقال بريك "نشاهد في الأيام الأخيرة وابلاً من التصريحات المتغطرسة التي نسمعها في وسائل الإعلام من قبل شخصيات أمنية رفيعة. رسالتهم واضحة: إذا تجرأت إيران على إطلاق الصواريخ على إسرائيل رداً على هجوم أميركي، فإن إسرائيل ستستغل هذه الفرصة لشن هجوم مكثف، سيؤدي إلى القضاء على النظام". وأضاف "حديث بثقة زائدة بالنفس، هذه الشخصيات الرفيعة تعِد الجمهور بأنه سيكون هذه المرة هو الجولة الأخيرة، ولن تكون هناك حاجة إلى عمليات أخرى، حيث إن إسرائيل ستجتث نظام آيات الله وتزيل تهديد إيران. وهذه الشخصيات حتى تزيد على ذلك وتوضح بأنه إذا لم تسنح هذه الفرصة الآن، فإن إسرائيل ستجد الموعد المناسب للقيام بهجوم كهذا بنفسها".
ويطرح هنا سؤال صعب ومطلوب، وهو كيف يمكن لهؤلاء الجنرالات تفسير الفجوة الكبيرة بين الغطرسة وبين الأداء على الأرض في السنوات الأخيرة؟ تساءل بريك، وحذر من الانجرار خلف هؤلاء وعدم التعلم من عبر حرب "طوفان الأقصى"، من دون أن يتمكن الجيش الإسرائيلي، وسلاح جوه تحديداً، من القضاء على حركة (حماس) وحسم الحرب".
"احتلال غزة"
إذا كانت إسرائيل تبحث عن عملية تقضي على النظام الإيراني، فتعد في غزة مختلف الخطط للقضاء على خطة الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب في القطاع. ورفض الكابينت تشكيلة اللجنة التنفيذية والبدء في المرحلة الثانية، بل تعالت تهديدات وزراء الائتلاف بتوسيع انتشار الجيش واحتلال مناطق في غزة. وطالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش باحتلال قطاع غزة بالكامل وإغلاق مقر القيادة الأميركية في كريات غات، ومهاجمة غزة بقوة كبيرة، إلى جانب فتح معبر رفح أمام السكان الذين يريدون البحث عن مستقبل لهم في مكان آخر، على تعبيره.
سموتريتش، الذي كان يتحدث خلال مراسم إقامة مستوطنة جديدة في الضفة الغربية أطلق عليها اسم "ياتسيف" وتعني مستقر، طالب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بـ"طرد دول مثل مصر وبريطانيا المعاديتين لإسرائيل وتتآمران على أمنها"، بحسب تعبيره، من المقر الأميركي في كريات غات.
ورفض سموتريتش فترة الشهرين التي وضعتها إسرائيل كإنذار أخير أمام "حماس"، بدأت في الـ16 من الشهر الجاري، عند الإعلان عن مجلس السلام، لنزع سلاحها، وإذا لم يتم ذلك تعود إسرائيل إلى الحرب هناك. ودعا إلى وضع إنذار قصير أمام "حماس" من أجل تفكيك سلاح غزة ومهاجمة غزة بكل القوة والقضاء على حماس عسكرياً ومدنياً".
وتوجه وزير المالية لنتنياهو قائلاً "إما نحن وإما هم. إما سيطرة إسرائيلية كاملة، إبادة (حماس) واستمرار قمع الإرهاب لفترة طويلة، وتشجيع الهجرة وتعزيز الاستيطان الإسرائيلي".
احتياجات إسرائيل الأمنية
لا يقتصر انتقاد خطط واشنطن في غزة على المستوى السياسي الإسرائيلي، بل يتزايد أيضاً في المؤسستين الأمنية والعسكرية. ونقل عن مسؤولين كبار في الجيش أن خلف التصريحات المتفائلة الصادرة عن واشنطن واقعاً أمنياً تنقصه آليات تنفيذ، ولا يقدم حلولاً لقضايا جوهرية تتماشى واحتياجات إسرائيل الأمنية، مثل: من الذي سيتولى نزع سلاح "حماس"؟ ومن الذي سيسيطر بالفعل على القطاع؟ وكيف سيتمكن الجيش الإسرائيلي من حماية بلدات الغلاف؟
وأشار تقرير إسرائيلي حول الموضوع إلى فجوة كبيرة بين رؤية الرئيس الأميركي ترمب لـ"غزة الجديدة"، التي تشمل بحسب ما ورد تطوير البنى التحتية المدنية وحتى بناء أبراج شاهقة، وبين التفاهمات الأمنية المقدمة للجيش الإسرائيلي حتى الآن. ونقل التقرير الإسرائيلي عن مصدر أمني قوله "هذه خطط لا تتفق مع مفهوم الدفاع الجديد للجيش الإسرائيلي. توجد نية لبناء أبراج شاهقة في غزة الجديدة تطل على مستوطنات الجنوب ومواقع الجيش الإسرائيلي. هذا أمر لا يمكن تخيله بمنظار أمني، وسيشكل تهديداً مباشراً على بلدات الغلاف وعلى القوات في الميدان".
من جهة أخرى حذر مسؤولون في الاستخبارات من جهود "حماس" المستمرة لاستعادة قدرتها على إنتاج السلاح وقوتها العسكرية التي تضررت في الحرب.
وبحسبهم فإن "حماس"، وعلى رغم من الصعوبات، فإنها تنجح في إعادة إحياء البنى التحتية لإنتاج السلاح في قطاع غزة، بينما الاتفاقات الحالية لا تتضمن أي آلية تجيب عن سؤال من الذي سيتصدى لتعزز القوة في غزة القديمة، حيث لن توجد، حسب تقديراتنا، القوات الدولية، لأن اهتمامها سينصب كلياً على مشروع غزة الجديدة".