ملخص
خلافات السلطة التشريعية في ليبيا ألقت بظلالها على سير العملية السياسية باعتبار أن توافقهما عماد نجاح المسار السياسي الذي تدعمه الأمم المتحدة عبر خارطة طريق كانت قد اقترحتها المبعوثة الأممية إلى ليبيا في أغسطس الماضي، والتي تتمحور حول تنصيب حكومة موحدة جديدة وتوحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية تنهي المراحل الانتقالية والفوضى الأمنية والسياسية التي تعاني منها ليبيا منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.
وما زال الغموض يكتنف طبيعة الآلية البديلة التي لوحت بها تيتيه؟
قالت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه إنها ستلجأ إلى اقتراح آلية بديلة في إحاطتها المقبلة أمام مجلس الأمن الدولي، للخروج من إشكالية الجمود السياسي، جاء ذلك خلال لقائها المبعوث الأوروبي إلى ليبيا نيكولا أورلاندو الذي شدد، بدوره، على أن الاتحاد الأوروبي يدعم جهود البعثة الأممية للدعم في ليبيا. وزامنت تلويحات تيتيه بالذهاب نحو آلية جديدة مع تصاعد الخلافات بين مجلسي النواب والدولة حول تعيين قادة المناصب السيادية وآخرها انتخاب رئيس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
خلافات السلطة التشريعية في ليبيا ألقت بظلالها على سير العملية السياسية باعتبار أن توافقهما عماد نجاح المسار السياسي الذي تدعمه الأمم المتحدة عبر خارطة طريق كانت قد اقترحتها المبعوثة الأممية إلى ليبيا في أغسطس (آب) الماضي، والتي تتمحور حول تنصيب حكومة موحدة جديدة وتوحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية تنهي المراحل الانتقالية والفوضى الأمنية والسياسية التي تعاني منها ليبيا منذ سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011.
وما زال الغموض يكتنف طبيعة الآلية البديلة التي لوحت بها تيتيه، إذ أكد مراقبون أن البعثة يبدو أنها سئمت من خلافات المجلسين وتفكر جدياً في تجازوهما، مرجحين إمكان الذهاب نحو مجلس تأسيسي يتولى زمام السلطة التشريعية وقتاً وانتخاب رئيس الدولة إضافة إلى مهام تأسيسية أخرى بخاصة أن التجربة سبق ونجحت في تونس عام 2011.
حكومة تكنوقراط
المتخصص بالشأن الليبي وصاحب مبادرة "خارطة طريق لحل صحيح"، والذي سبق وقدمها لبعثة الأمم المتحدة في ليبيا، إبراهيم الحداد قال إنه، تفادياً لخروج الوضع عن السيطرة، "يجب تشكيل مجلس تأسيسي يمثل السلطة التشريعية الموقتة عن طريق فريق حوار جديد يتألف من المستقلين، ويحدد عدد أعضائه من قبل بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، أو عن طريق تكليف البعثة للجنتها الاستشارية المكونة سابقاً من إنجاز المهمة ذاتها، مع تحديد مهام واختصاصات المجلس التأسيسي ومدة عمله على ألا يتجاوز سنة من تاريخ تشكيله".
أضاف الحداد "المجلس التأسيسي يجب أن يتكون من 13 عضواً يتم اختيارهم من المستقلين ويتمتعون بالكفاءة والخبرة، ولهم مؤهلات عالية في مجالات العلوم السياسية والقانونية والإدارية والمالية والاقتصادية، إضافة إلى النزاهة والشفافية، على أن يتم اعتماد المجلس التأسيسي من بعثة الأمم المتحدة بليبيا"، وأكد أنه عند اعتماد المجلس التأسيسي يجتمع "لاختيار رئيس ونائب رئيس المجلس ولا يكون اجتماع المجلس صحيحاً إلا إذا حضره أكثر من نصف الأعضاء بمن فيهم الرئيس، وتصدر قرارات المجلس بالأغلبية المطلقة، وعند بدئه في عمله والمهام المكلف بها ينتهي دور مجلسي النواب والدولة"، وطالب بضرورة التفرغ التام لرئيس وأعضاء المجلس التأسيسي واستمرار الاجتماعات بما تتطلبه طبيعة المرحلة الحساسة والمصلحة العليا للبلاد والإشراف على عمل الحكومة المنبثقة عنه وعلى الجهات والمؤسسات السيادية"، وتابع الحداد أن المجلس التأسيسي يقوم باختيار رئيس حكومة ونائب واحد له وتكليفهما بتشكيل حكومة تكنوقراط جديدة موحدة ومصغرة، "بحيث يكون رئيس الحكومة ونائبه والوزراء مستقلين يتمتعون بالمؤهلات والكفاءة والخبرة العالية مع النزاهة والشفافية، وتعطى لرئيس الحكومة مدة لا تتجاوز أسبوعين لاختيار وتشكيل حكومته"، ولفت إلى أن اعتماد الحكومة يتم من المجلس التأسيسي ومن بعثة الأمم المتحدة ومجلس الأمن "بحيث يكون مقروناً بإلزام مجلس الأمن الجهات والكيانات المدنية والتشكيلات المسلحة كافة بالانضواء تحت قيادة الحكومة، وتنفيذ تعليماتها وأوامرها، وعند اعتمادها وتحديد مهامها واختصاصاتها ومدة عملها من قبل المجلس التأسيسي"، وتابع أنه مع مباشرة الحكومة الأعمال التي تندرج من ضمن اختصاصاتها المحددة وتقديم الخدمات كافة للمواطنين وتلبية احتياجاتهم وتذليل الصعاب أمامهم، إضافة إلى دعم المفوضية العليا للانتخابات والإشراف على عملية الاستفتاء على مشروع الدستور والانتخابات البرلمانية والرئاسية وإنجاحها، "ينتهي عمل ودور الحكومتين (حكومة الشرق وحكومة الغرب) ويجرى التسليم والاستلام بينهما وبين الحكومة الجديدة".
المجتمع الدولي
الكاتب السياسي عبد الله الكبير ربط، من ناحيته، نجاح هذه الآلية، أي المجلس التأسيسي، بدعم المجتمع الدولي، موضحا أن من المرجح أن تعود البعثة الأممية إلى مقترحات اللجنة القانونية وبالتحديد الخيار الرابع المتمثل في تشكيل هيئة تأسيسية تحسم الملفات التي عجز مجلسا النواب والدولة عن معالجتها. وقال إن اخفاق مجلسي النواب والدولة في التوافق على مطالب البعثة الأممية بشأن مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات والقوانين الانتخابية أمر متوقع، "لأنهما عجزا عن التوافق في كل الملفات تقريباً لأسباب متعددة أبرزها حدة التنافس بين سلطات الأمر الواقع المؤثرة بقوة على قرارات المجلسين".
وقال الشيخ علي مصباح أبو سبيحة رئيس فريق المصالحة السابق التابع لسيف الإسلام القذافي (نجل معمر القذافي)، "إن مقترح الذهاب نحو مجلس تأسيسي سبق وقدم ضمن مبادرة فزان لكل من مجلس النواب والبعثة الأممية للدعم في ليبيا، بهدف بناء مؤسسات الدولة من جديد على أسس قانونية صحيحة، لكنها لم تجد صدى"، وأكد أبو سبيحة أنه عرض الموضوع أيضاً على مركز الحوار الإنساني في جنيف قبل التئام حوار جنيف عام 2021 بشأن ليبيا، وطالب بتعديلات سريعة على الإعلان الدستوري الذي طرأ عليه 13 تعديلاً حتى أفرغ من محتواه، ولفت إلى أن الإعلان الدستوري الجديد سيكون بمواد قليلة تحدد اختصاصات الحكومة الموقتة التي ستشكل من قبل المجلس التأسيسي الذي سيحدد الحريات ويجمد الإعلان الدستوري السابق. ودعا أبو سبيحة إلى إصدار قرار تشكيل المجلس التأسيسي من قبل مجلس الأمن الدولي "ليسهر على إعادة مؤسسات الدولة الليبية ويذهب نحو انتخابات وطنية شاملة"، مستدركا أن "الأطراف الدولية المتحكمة في المشهد الليبي ما زالت تريد إطالة الأزمة في هذا البلد المنقسم منذ عام 2011، لذلك لا بدّ من تدخل قوي من مجلس الأمن الدولي للذهاب نحو هذه الخطوة لأن البعثة الأممية لا يمكنها حل الأزمة الليبية وفق صلاحيتها الحالية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ضرورة وطنية
وعن إمكان لجوء البعثة الأممية للدعم في ليبيا إلى تجاوز مجلسي النواب والدولة والذهاب نحو مجلس تأسيسي، شدد منسق مكتب الشباب بحزب "السلام والازدهار" أحمد السويحلي على "أن هذا الخيار أصبح ضرورياً، لا مجرد طرح نظري، في ظل تدهور متسارع لم يعد مقتصراً على السلطة التنفيذية، بل بدأ يمتد إلى المفوضية الوطنية العليا للانتخابات والمؤسسة القضائية أيضاً بما يهدد ما تبقى من فكرة الدولة ووحدتها". وتابع أن التجربة أثبتت أن جوهر الأزمة الليبية ليس أزمة فنية أو إجرائية أو تشريعية، "بل أزمة شرعية سياسية شاملة نتجت عن استمرار سلطات الأمر الواقع، وتضارب مراكز القرار، وتراكم القوانين المتضاربة، واستبعاد الشعب، وإشغاله بالنتائج الفرعية، في وقت ظلت فيه جذور الانقسام والهيمنة والتمسك بالسلطة من دون معالجة حقيقية"، ونبه السويحلي من أن "اختزال الأزمة بمقاربات تقنية ضيقة هو ما عطّل المسار السياسي والانتخابي سنوات، وأعاق بناء الدولة الحديثة التي يطمح إليها الليبيون"، فبعد أكثر من عام على إعلان البعثة الأممية عن المبادرة السياسية الشاملة في 16 ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، ومضي أشهر عدة على إعلان خارطة الطريق في 21 أغسطس عام 2025، وعلى رغم تسجيل تقدم محدود في مسار الحوار المهيكل، "لم يتحقق أي تطور حقيقي في المسار السياسي العام، بل دخلت البلاد في مرحلة أكثر تعقيداً، اتسمت بانتكاسة في النتائج، وظهور اصطفافات وانقسامات جديدة تضاف إلى الانقسام القائم، ما أدخل البلاد في دوامة متكررة من التمديد والتأجيل، بينما استمرت البعثة في الرهان على الأطراف أنفسهم الذين عطلوا المسارات السابقة وأفشلوا الانتخابات على رغم التحذيرات الليبية المتكررة".
وأبرز المسؤول بحزب "السلام والازدهار" أن استمرار الرهان على سلطات الأمر الواقع، أكثر من أربعة أشهر منذ الإعلان عن خارطة الطريق، "أثبت فشل هذه السلطات في إنجاز أي تقدم حقيقي، حتى في أبسط الاستحقاقات، وعلى رأسها ما يتعلق بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، كما أثبت أن هذا النهج لا يقود إلا إلى إبعاد البلاد عن مسار الانتخابات وبناء الدولة الحديثة، وإغراقها أكثر في دوامات الصراع"، منوهاً إلى أن تعامل بعثة الأمم المتحدة مع هذا الواقع بوصفه أمراً دائماً، أو التماهي معه، لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة بدل حلّها.
ولفت السويحلي إلى أنه في ظل هذا الانسداد السياسي الشامل، "فإن الانتقال إلى مسار مجلس تأسيسي يعد ضرورة ملحة، فالمجلس التأسيسي، الذي يُشكَّل عبر لجنة حوار وطني شاملة وبتفويض واضح ومحدد المدة والمهام، يمثل الإطار العملي لتجاوز مرحلة سلطات الأمر الواقع، واستعادة القرار إلى الشعب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس شرعية، والتمهيد لتوافق دستوري وإجراء انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية وتطلق مسار بناء الدولة الحديثة"، وحتى تكتسب أي مخرجات سياسية قادمة شرعيتها وقوتها الحقيقية، أوصي السويحلي بعرضها على الشعب الليبي عبر استفتاء شعبي، "فالاستفتاء الشعبي لا يمنح الشرعية فقط، بل يعزّز موقع الشعب في مواجهة أطراف الصراع، ويقلّل من آثار التدخلات الخارجية التي تستثمر في هشاشة الشرعية والانقسام الداخلي"، ولاحظ أن إعادة القرار إلى المواطن تمثل الحد الأدنى من العدالة السياسية، بخاصة أن الشعب الليبي هو من يدفع الثمن الأكبر للصراع "على شكل ضحايا بشرية، تضخم اقتصادي متفاقم، تدهور في مستوى المعيشة، وعليه، فلمطلوب من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الانتقال من مقاربة إدارة الأزمة إلى مقاربة حلّها، والانحياز الواضح لإرادة الليبيين في التغيير الحقيقي، وعدم الاكتفاء بإدارة مسارات شكلية قد تعيد إنتاج الأزمة بدل إنهائها".
حديث نظري
الباحث في الشأن الليبي والمغاربي أسامة الشحومي أوضح أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أصبحت جزءاً من المشكلة والسبب يعود إلى أنها منتهية سياسياً و"ذلك يعود إلى تمويل الحوار المهيكل من قبل قطر وفق تأكيدات سابقة للبعثة الأممية للدعم في ليبيا"، مؤكداً أن القاعدة تقول إن التمويل يمنح النفوذ ويسقط الحياد، "لذلك لا يمكن الحديث عن حلول لتجاوز الأجسام السياسية الموجودة في المشهد السياسي الحالي من قبل البعثة الأممية التي لا تمتلك غطاء دولياً لفرض الآلية البديلة التي لوحت إليها تيتيه"، وقال إن الحديث عن التوجه إلى مجلس تأسيسي هو حديث نظري منفصل عن الواقع، "لأن ليبيا تديرها قوى الأمر الواقع "حيث لا يعلو أي صوت على صوت القيادة العامة الذي يسيطر على إقليم فزان وإقليم برقة بينما في الجهة المقابلة، نجد حكومة الوحدة الوطنية تسيطر على المنطقة الغربية بالكامل بدعم من قوات مصراتة وأي مسار لا يمر عبرهما لن يكتب له النجاح"، ونوه الشحومي إلى "أنه لا توجد قابلية في المنطقة الغربية ولا في نظيرتها الشرقية للانخراط في مجلس تأسيسي، بينما هناك حل واقعي يتمثل في صفقة سياسية مباشرة تعكس توازن القوى القائمة"، مشيرا إلى أن هذه الصفقة تقوم على منح ثلثي الحكومة لمعسكر الرجمة باعتباره يسيطر فعلياً على إقليمين من أصل ثلاثة أقاليم، "على أن يكون دور للسعودية في هذه الآلية كخيار أكثر واقعية لأن المملكة لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع الليبي ما يمنحها مصداقية أعلى مقارنة ببقية الدول المنخرطة في الأزمة الليبية".