ملخص
سيكتفي قادة الدول المتعاطفة مع نظام مادورو ببيانات الاستنكار والرفض ولن يذهبوا أبعد من ذلك، وستتكرر مجدداً بيانات التمسك بسيادة الدول وبمبادئ الأمم المتحدة، لكن ذلك لن يغير كثيراً في سير الأمور.
كانت الصورة التي ستؤول إليها أوضاع فنزويلا مكشوفة إلى حد بعيد قبيل الضربة الأميركية واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو. فمنذ أسابيع، لم تتوقف الإدارة الأميركية عن توجيه الاتهامات للنظام وأركانه في ذلك البلد الأميركي الجنوبي، بأنهم سلطة ديكتاتورية تنهب شعبها وتتحالف مع إيران وتتاجر بالمخدرات وتهربها، خصوصاً إلى الولايات المتحدة. وطوال أعوام فرض الأميركيون حصاراً على السفن والمراكب الفنزويلية، وعندما حانت اللحظة، لم يستغرق احتلال سماء البلاد سوى دقائق قليلة انتهت بنقل مادورو وزوجته إلى الولايات المتحدة.
لم يصمد مادورو الذي وزع السلاح على الشعب من أنصاره لمواجهة الغزو الأميركي، ولم يتمكن من تكرار تجربة صد "هجوم خليج الخنازير" الأميركي على كوبا كاسترو عام 1961. فقواته لم تقاتل والاتحاد السوفياتي لم يعُد موجوداً. وهذان العاملان، مشروعية النظام المحلي وهيمنة القطبين لم يعودا متوافرين في عالمنا الحالي، إذ يتحول "الثوار ضد الإمبريالية" إلى كاريكاتير عن "ثوار" عاشوا مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار مدعومين من مناخ عالمي مواتٍ، وانتهى عصرهم بانتهائه، فورثتهم أنظمة "مافيوزية" متخلفة تتاجر بالدين والمخدرات والسلاح والقضايا الكبرى، وترفع شعارات العداء لأميركا كغطاء لممارسة أبشع أنواع القهر لشعوبها.
تحولت فنزويلا شافيز ثم مادورو، بعد انقلابات مطلع التسعينيات، إلى نموذج فاقع وشعبوي لحركات التحرر في القرن الـ21، جمعت فيها وحولها رغبات إيران في تحدي "الشيطان الأكبر" وممثلي نظام إيران ومن بينهم عناصر "حزب الله" و"الحرس الثوري" ومعهم أيتام نظام بشار الأسد وجمعاً من المنتفعين على فتات ثروة نفطية تحولت إلى مصيبة لشعب كان مزدهراً ومقصداً للمهاجرين، فصار سكانه لاجئين ومهاجرين.
واختصرت الصورة الكاريكاتيرية لفنزويلا "الثورية" واقع "ثوريي" العقد الثالث من القرن الحالي الذين لم يعُد يجمعهم أي برنامج علمي للتغيير، حتى الحزب الشيوعي في فنزويلا لم يكُن مرتاحاً إلى مسار الحكم وتدابيره، لكنه دخل في موجة لم يعُد لها من عنوان سوى مواجهة أميركا، وهو عنوان اعتقد مريدوه بأنه سيصنع جبهة عالمية تضم روسيا والصين وإيران ودول الـ"بريكس"، توفر حماية لعناصرها وأطرافها في مواجهة عالم تحكمه المصالح والاعتبارات الجيوسياسية.
واستنجد هؤلاء واتكأوا على وريث لروسيا السوفياتية، بات اسمه روسيا الاتحادية، مارست وتمارس سياسات أميركا نفسها، على قدر إمكاناتها.
فروسيا سبقت أميركا إلى غزو أوكرانيا والمطالبة بالتخلص من رئيسها المنتخب ونظامها "النازي"، وكررت أميركا التجربة في فنزويلا مثلما فعلت سابقاً في العراق. وبدورها لم تكف إيران عن غزو البلدان العربية عبر تنظيماتها ومشاريعها المذهبية، فيما انكفأت الصين الجديدة إلى ترسيخ مشروعها السياسي الاقتصادي دامجة الرأسمالية والاشتراكية في نظام واحد يقوده الحزب الشيوعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتغير العالم كثيراً، بل انقلب تماماً عما كان عليه قبل عقود، وجاءت العملية الأميركية في النصف الجنوبي من القارة لتتوج حال الانقلاب المختمرة طوال أعوام ولتفتتح عصراً جديداً من التحولات العالمية قوامها التدخل المباشر في الأنظمة عبر عمليات خاطفة تتيح تغييرات ملموسة في توجهات البلدان ومصائرها.
وما جرى في فنزويلا ليس بعيداً أن يحصل في نقاط أخرى، إذ ليس التبرير محصوراً بعودة واشنطن لمبدأ مونرو (1823) القائل إن "أميركا للأميركيين"، فضمن شرحه لأبعاد قراره بالتدخل في كراكاس، حرص الرئيس دونالد ترمب على الربط بين اعتقال مادورو والتخلص من قاسم سليماني وأبو بكر البغدادي، ووضع هؤلاء في سلة واحدة باعتبارهم تجار حروب ومخدرات وإرهاب. وفي السياق نفسه، أبدى استياءه من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمواصلته الحرب في أوكرانيا، وحرص على تحييد الصين، واعداً إياها بالاستفادة من تدفقات النفط الفنزويلي.
والأكثر لفتاً للانتباه كان حرص ترمب على توجيه تحذير إلى القيادة الإيرانية قبيل إعطائه الأمر بالهجوم على العاصمة الفنزويلية، وفي هذا التحذير نبه ترمب السلطات في طهران لأنه سيحمي المتظاهرين الإيرانيين إذا تعرضوا للقمع.
ورد المرشد الإيراني علي خامنئي أن إيران "لن تتنازل أمام العدو" وأنها "ستجبر العدو على الركوع".
وقال "العدو لا يهدأ، يستغل كل فرصة. هنا رأوا أن هناك فرصة، فأرادوا استغلالها. بالطبع مسؤولونا كانوا في الميدان وسيبقون فيه"، وسيتابع خامنئي التطورات بدقة فهو يعرف قدرات الولايات المتحدة وحليفها إسرائيل منذ تجربة حرب الصيف الماضي.
في المقابل، سيكتفي قادة الدول المتعاطفة مع نظام مادورو ببيانات الاستنكار والرفض ولن يذهبوا أبعد من ذلك، وستتكرر مجدداً بيانات التمسك بسيادة الدول وبمبادئ الأمم المتحدة، لكن ذلك لن يغير كثيراً في سير الأمور، فسيادة الدول تحققها سلطات شرعية منتخبة لا تقود شعوبها إلى الفقر والمغامرات، ولا تسمح بتحويل أراضيها إلى بؤر للتخريب والخروج عن القوانين.
وعليه سيكون الدرس الأول من تجربة فنزويلا ضرورة تحصين المجتمعات على قواعد الحداثة والقانون والنمو والازدهار والانفتاح، وهو أمر يعني منطقتنا العربية على وجه الخصوص في ظل المشاريع الإقليمية والدولية المتضاربة والمتنافسة. وما يجدر الانتباه إليه في هذه الظروف وأكثر من أي وقت مضى، انفلات الرغبات والطموحات الإسرائيلية للاستفادة من المناخ الدولي المتحرك بهدف تحقيق مزيد من المكاسب على حساب أساسيات الحضور العربي ومقتضيات أمنه القومي. فإسرائيل تعتبر نفسها الآن، خصوصاً بعد محادثات نتنياهو- ترمب في مارالاغو، "اللاعب الأساس في إعادة تشكيل الشرق الأوسط"، وسيكون من الملح تماماً أن تثبت المجموعة العربية الآن وفي المستقبل، أنها هي اللاعب الأول في تحديد دورها ومصيرها.