Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عقول مجزأة... كيف حولت "السوشيال ميديا" نمط تفكيرنا؟

نمط معرفي يتسم بمعالجة المعلومات في صورة أجزاء أو لقطات قصيرة وسريعة ومنفصلة بدل التفكير الخطي العميق والمتسلسل والمترابط

تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في ترسيخ هذا النمط من "التفكير المجزأ" (أن سبلاش)

ملخص

تخبرنا أحدث الإحصاءات بأن متوسط مدة تركيز الإنسان انخفضت من 12 ثانية إلى ثماني ثوانٍ فقط مقارنة بعام 2010. وهذه مدة ربما تقل حتى عن مدة تركيز السمكة الذهبية، وأيضاً هذه ليست مجرد إحصائية مثيرة للقلق، بل هي أحد أعراض ظاهرة أعمق هي "التفكير المجزأ"، وهو نمط جديد من المعالجة العقلية الذي يحول أدمغتنا إلى آلات استهلاك سريعة للمحتوى المجزأ، يعيد تشكيل طريقة تفكيرنا ذاتها ويجعل العقل عاجزاً عن التعمق أو التفكر الطويل.

بينما تقرأ هذه السطور، هناك ملايين حول العالم يمارسون طقساً يومياً متشابهاً حد التطابق، أصابع تتحرك بوتيرة متسارعة على شاشة حساسة قابلة للكسر، وعينان تلتقطان ومضات الألوان الصادرة عنها، وعقل يحاول استيعاب نصيحة طبية من هنا ومالية من هناك، ثم ينتقل لمشهد كوميدي يليه خبر كارثي، وكل ذلك في أقل من 60 ثانية.

ولكن ما سبق ذكره ليس مجرد استهلاك دوري للمحتوى فحسب، بل عملية كبرى يعاد فيها توصيل المشابك العصبية للدماغ، وتتغير طريقة تلقي المعرفة من الطريقة الخطية المتأنية إلى التفكير على هيئة مقاطع صغيرة وسريعة ومجزأة.

مرحباً بكم في عصر "التفكير المجزأ" (Clip Thinking)، إذ أصبحت الحقيقة مجرد لقطة والمعرفة شظايا متناثرة، أما التركيز فأضحى عملة نادرة في سوق التجارة الرقمية القائمة على المحتوى.

خلال عصر نعيش فيه محاطين بالأجهزة الإلكترونية، تبرز ظاهرة يتجسد تأثيرها السلبي على الأطفال خصوصاً في مرحلة النمو واكتساب سمة الإدراك. في العصر الرقمي، أصبح التفكير المجزأ هو الوضع الافتراضي لملايين البشر حول العالم، نحن نستهلك المعلومات كما نستهلك الوجبات السريعة، قطع صغيرة سهلة البلع وفورية الإشباع، لكنها فقيرة على المستوى الفكري.

والسؤال، كيف تحولنا من التفكير النقدي إلى التفكير المجزأ (clip thinking) في عصر الإنترنت وصعود وسائل التواصل الاجتماعي؟

 

التفكير المجزأ

تخبرنا أحدث الإحصاءات بأن متوسط مدة تركيز الإنسان انخفضت من 12 ثانية إلى ثماني ثوانٍ فقط مقارنة بعام 2010. وهذه مدة ربما تقل حتى عن مدة تركيز السمكة الذهبية، وأيضاً هذه ليست مجرد إحصائية مثيرة للقلق، بل أحد أعراض ظاهرة أعمق هي "التفكير المجزأ"، وهو نمط جديد من المعالجة العقلية الذي يحول أدمغتنا إلى آلات استهلاك سريعة للمحتوى المجزأ، يعيد تشكيل طريقة تفكيرنا ذاتها ويجعل العقل عاجزاً عن التعمق أو التفكر الطويل.

ومصطلح "التفكير المجزأ" يصف جوهر ظاهرة إدراكية ونمط معرفي، يتسم بمعالجة المعلومات في صورة أجزاء أو لقطات قصيرة وسريعة ومنفصلة، بدلاً من التفكير الخطي العميق والمتسلسل والمترابط، فالأفكار هنا لا تستقبل كبناء متصل بل كأجزاء أو شظايا منفصلة من دون ترابط سياقي عميق بينها، ليتعامل العقل هنا مع ومضات معرفية بدلاً من بناء سردية متماسكة.
وهذا النوع من التفكير، على النقيض من التفكير التحليلي أو النقدي الذي يتطلب تركيزاً ممتداً وبناءً منطقياً للأفكار، لا يبحث عن الأسباب والنتائج بقدر ما يكتفي بالانطباع السريع، فبدل قراءة كتاب كامل لفهم فكرة، يميل صاحب التفكير المجزأ إلى استقاء معلوماته من صور أو عناوين سريعة أو مقاطع فيديو لا تتجاوز مدتها الدقيقة.

هو عالم مبني على الصورة والحدث السريع لا على المنطق والتحليل العميق، فالعقل يقفز هنا من فكرة إلى أخرى ومن عنوان إلى آخر، من دون أن يستقر على أي منها فترة كافية لاستيعابها بعمق.

بناء متراكم

ظهر المصطلح بوصفه توصيفاً نقدياً لتحول أنماط الانتباه والإدراك في نهاية القرن الـ20 وبداية القرن الـ21، ولكيفية تعامل العقل البشري مع سيل المعلومات المتدفق في البيئات المشبعة بالصور والمقاطع السريعة تزامناً مع الانتشار الواسع للإنترنت، ولاحقاً وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه لم يبتكر على يد شخص بعينه، بل تبلور تدريجاً داخل حقول علم النفس المعرفي ونظريات الإعلام والدراسات الثقافية، إذ تعود جذوره الأولى إلى أفكار علماء أمثال ألفين توفلر في كتابه "صدمة المستقبل" ومارشال مكلوهان الذي تحدث مبكراً عن تأثير الوسيط الإعلامي على بنية التفكير، وكيف يعيد الإعلام تشكيل وعينا في كتابه "الوسيط هو الرسالة" الصادر عام 1967، ونيكولاس كار الذي روى في كتابه "السطحيون" كيف تغير التكنولوجيا الرقمية طريقة تفكير الدماغ البشري، وتحديداً طبيعة القراءة، وناقش لاحقاً قضية الانتباه المفقود في العصر الرقمي، وكيفية إنقاذ أنفسنا من "تعفن الدماغ".

وهؤلاء العلماء ومعهم آخرون، تنبأوا بأن تدفق المعلومات سيجعل الإنسان يدرك العالم كشظايا محطمة. وشكلت أفكارهم الإطار النظري الذي سمح بانتشار الفكرة وتثبيتها كمفهوم تحليلي، إذ تأثر المفهوم بصورة غير مباشرة بأعمالهم على رغم أنهم لم يذكروه حرفياً.

استخدم باحثون غربيون تعبيرات قريبة مثل "التفكير المجزأ" (Fragmented Thinking) و"التفكير الفسيفسائي" (Mosaic Thinking) لوصف كيفية تجمع المعلومات المشتتة لتشكل في النهاية صورة مشوهة، و"التفكير غير الخطي" (Non-linear Thinking)، ويمكن أن يرد مصطلح (Clip Thinking) بترجمة "تفكير المقاطع" المبنية على فكرة استهلاك مقاطع الفيديو القصيرة.

خوارزميات التحول

يرتبط صعود "تفكير المقاطع" ارتباطاً وثيقاً بالتحول الرقمي، وتلعب المنصات دوراً محورياً في ترسيخ هذا النمط مثل "تيك توك" الذي جعل الفيديو القصير الذي لا يتجاوز 60 ثانية، الوحدة الأساس للمحتوى، و"إكس" (تويتر سابقاً) الذي حدد التغريدات بـ280 حرفاً، و"إنستغرام ريلز" وحتى "يوتيوب" بدأ منافسة "تيك توك" بمقاطعه القصيرة (Shorts)، فخوارزميات منصات التواصل الاجتماعي مصممة على أساس تقديم محتوى سريع الاستهلاك عبارة عن خبر مختزل بعنوان مثير أو صورة مصحوبة بجملة لافتة أو فيديو لا تتجاوز مدته الدقيقة، ومع التكرار اليومي يعتاد الدماغ هذا الإيقاع المتسارع والتفاعل السريع (إعجاب أو تعليق أو مشاركة) بعيداً من التوقف والتفكر العميق، ويعاد تشكيل آليات الانتباه وفقاً له، ليتحول التفكير ذاته إلى سلسلة ردود فعل آنية، وتضعف القدرة على المتابعة الذهنية الطويلة.

وتظهر الدراسات العلمية أن الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي يضعف قدرتنا على التركيز العميق والتفكير النقدي، ووجد باحثون من جامعة كاليفورنيا أن مجرد وجود هاتفك الذكي معك في نفس الغرفة، حتى لو كان مغلقاً، يقلل من قدرتك المعرفية، لأن جزءاً من دماغك يظل في حال ترقب مستمر منتظراً الإشعار التالي أو الفيديو التالي، وبصورة أو بأخرى التحفيز التالي.

كيف يعيد التفكير المجزأ تشكيل أدمغتنا؟

على المستوى المعرفي، يؤدي هذا النمط من التفكير إلى تراجع القدرة على التركيز لفترات طويلة لإنجاز مهام مثل قراءة رواية أو حضور محاضرة طويلة، ويضعف الذاكرة طويلة الأمد لأن المعلومات تدخل وتخرج بسرعة من دون أن تستقر في الذاكرة طويلاً، ويضعف قدرتنا على بناء الروابط بين الأفكار وينتج صعوبة في الربط بين المفاهيم، فعندما يكون العقل في وضع القفز السريع الدائم، يفقد تدريجاً القدرة على التفكير العميق لبناء فهم شامل.

أما نفسياً، فيعزز هذا النمط الإحساس بالتشتت والقلق نتيجة التعرض المستمر لمحفزات متناقضة وسريعة، ويقلل من الصبر الذهني المطلوب لتحمل الغموض أو التعقيد، فيبحث الشخص دائماً عن إجابات فورية وبسيطة.

ويمكننا رصد تفكير المقاطع في طريقة استهلاك الأخبار، إذ غالباً ما يكتفي كثر بقراءة العناوين من دون قراءة المقالة الأصلية ثم يبنون مواقف وآراء حاسمة، في حين كان القارئ سابقاً يجلس 10 أو 15 دقيقة وفي يده الصحيفة لقراءة مقالة طويلة تقدم سياقاً وتحليلاً عميقاً، مما يزيد من حال الاستقطاب ويسهم في انتشار للمعلومات المضللة. ويمكن أن نرصد هذا التأثير أيضاً ضمن العلاقات الإنسانية، إذ أصبحت المحادثات أقصر وأكثر سطحية، وفقد الناس صبرهم على الحوارات العميقة التي تتطلب وقتاً واستماعاً متأنياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اختزال القضايا

والحقيقة أن المؤسسات الإعلامية استثمرت هذا النمط بكثافة عبر إنتاج محتوى مجزأ وسهل التداول. في السياسة على سبيل المثال، جرى تبسيط الخطاب إلى رسائل قصيرة قابلة للانتشار، على حساب الدقة أحياناً، وباتت الحملات الانتخابية تدار عبر مقاطع مؤثرة أكثر من برامج تفصيلية، مما يغير في طبيعة المشاركة السياسية ويجعلها أقرب إلى الاستهلاك منها إلى النقاش الواعي.

وحتى في عالم الأعمال، تعيد الشركات تصميم منتجاتها لتتناسب مع فترات الانتباه القصيرة، والدورات التدريبية أصبحت تعتمد على "التعلم المصغر" (Micro Learning) والمعلومات تقدم في كبسولات صغيرة، والكتب الصوتية تستهلك على صورة ملخصات لا تتجاوز مدتها الـ15 دقيقة.

وللتفكير المقطع على المستوى المجتمعي عواقب خطرة، إذ تُختزل قضايا معقدة تتطلب تفكيراً عميقاً ونقاشاً مستداماً مثل التغير المناخي، وعدم المساواة الاقتصادية، أو الإصلاحات السياسية، إلى شعارات و"ميمز" (memes) ومقاطع فيديو مدتها 30 ثانية.

ويعتقد بعض الباحثين أن للتغيرات في نظام التعليم دور مثل تبسيط المواد وتقليل ساعات الدراسة، إذ يتجه معظم الطلاب إلى الملخصات السريعة عوضاً عن قراءة فصل كامل من كتاب. ويشكو المعلمون من أن الطلاب لم يعودوا قادرين على قراءة نصوص طويلة أو متابعة محاضرات مطولة، كما أن التفكير القائم على الحفظ والتلقين يمكن أن يسهم أيضاً في هذا الاتجاه.

 

بين الاختزال والتعمق

والسؤال المحوري الآن، هل يمكننا استعادة قدرتنا على التفكير العميق؟

علينا أن ندرك أننا في معركة مع أقوى الخوارزميات في العالم، وجميعها تعمل بجد لتقسيم انتباهنا، لذا يتطلب الحل جهداً واعياً وإدراكاً حقيقياً لما يحدث لأدمغتنا، وإعادة توجيه تركيزنا واستعاده كاملة لعقولنا. وربما لا يتطلب الأمر في بعض الأحيان أكثر من قرار نغير به خياراتنا الحالية التي أصبحت أمراً واقعاً بحكم الوعي الجمعي، إذ لا يعني الاعتراف بانتشار هذ النوع من التفكير الاستسلام له، بل يمكن مواجهته عبر استراتيجيات واعية تصب في غالبيتها في تدريب العقل على "العمل العميق" (Deep Work) لمدة ساعة يومياً دون تشتت والعودة إلى القراءة الورقية المعمقة والكتب الطويلة لتدريب عضلات التركيز، وممارسة التأمل والتفكير الهادئ، وتعلم مهارات التفكير النقدي، وأن نلجأ إلى تدوين ما تعلمناه لتحويل اللقطات العابرة إلى معرفة راسخة.

ولنعلم أننا أمام واحدة من أقوى معاركنا خلال القرن الـ21، وربما أهمها على الإطلاق، في عصر تدير فيه التكنولوجيا معظم جوانب حياتنا، لكن الخروج من هذا الفخ لا يعني اعتزال الأدوات التكنولوجية، بل يعني استعادة السيادة على الانتباه (عملة اقتصاد المحتوى) واسترداد هويتنا البشرية الأصلية التي تعتمد في جوهرها على الفهم الشامل والربط الواعي بين أجزاء الحقيقة، وأن نختار بوعي العمق على حساب السطحية، والبطء على حساب السرعة المحمومة، وأن نوازن في مكان ما بين السرعة والتعمق تبعاً للأولويات الفكرية، وأن نخصص فترات يومية خالية من الشاشات، ونعود لإجراء محادثات عميقة مباشرة، وأن يكون لدينا ما يمكن تسميته "الديتوكس الرقمي" (Digital Detox).

فالتفكير المجزأ ليس ظاهرة عابرة، بل انعكاس لتحول حضاري عميق في طريقة تفاعل الإنسان مع المعرفة في عصر السرعة، وهو خلال الوقت ذاته اختبار لقدرتنا على التكيف دون التفريط بعمق الفهم.

وفي نهاية المطاف، سيظل "التفكير المجزأ" سمة أصيلة لهذا القرن، وأداة لا غنى عنها للملاحة في بحر البيانات المتلاطم. وبين التقاط الفتات المعرفي والتفكير المتأني، يبقى الرهان الحقيقي على وعي الإنسان بخياراته الذهنية وقدرته على استعادة التوازن في عالم لا يتوقف عن الحركة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات