Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دنيا ميخائيل تُحيي نقوش السومريين بقصائد مرسومة

ديوانها الجديد "ألواح: أسرار الطين" مشحون بخميرة الإنسان البدائي

لوحة نقوش سومرية (متحف بغداد)

ملخص

صدر حديثاً ديوان "ألواح: أسرار الطين" للشاعرة دنيا ميخائيل، وفيه تقترح تجربة جديدة، إذ تأتي النصوص المكثفة، المتفجرة بالدلالات، مصحوبة بالرسوم البدائية، التي تحيل إلى النقوش السومرية القديمة.

لا تتوقف قصيدة النثر العربية عن خوض غمار التجريب بمغامرات فنية تفتح فضاءاتها وآفاقها على إمكانيات جمالية وتعبيرية متسعة، وصيغ مبتكرة، ومعالجات مدهشة، لا سيما على الصعيد البصري والتشكيلي، بما يعزز الحضور القرائي للقصيدة، ويثري مستويات التلقي.

وفي ديوانها "ألواح: أسرار الطين"، الصادر عن دار الرافدين للنشر (بغداد - بيروت)، تشحن الشاعرة العراقية دنيا ميخائيل، المقيمة في الولايات المتحدة، قصيدتها الخاصة بمجموعة من التفاعلات الحيوية التي تكسبها تدفقاً. فمن جهة، تمزج بين القول والصورة، إذ تتجاور على امتداد صفحات الديوان المئة والخمسين عشرات النصوص النثرية الومضية، وعشرات الأشكال والعلامات المرسومة على نحو بدائي، يحاكي تلك التصاوير والرموز السومرية الأولى المنقوشة على ألواح الطين.

ومن جهة أخرى، إلى جانب تفاعلات الحرف والرسم، تتبلور تفاعلات المكان والزمان، بين الماضي المزدهر للحضارة السومرية في بلاد الرافدين منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد، والحاضر الراهن في العراق، وبين الإنسان البدائي في زمن ما قبل الكتابة الذي يسجل ما يجول بخاطره من دون أبجدية على ألواح الطين، والإنسان العصري الذي تجاوز الكتابة بالقلم ليستخدم الألواح والوسائل الإلكترونية والتطبيقات الرقمية في تدويناته القصيرة اللاهثة.

تحرير النصوص والصور

ولا تنتهج دنيا ميخائيل، أستاذة اللغة العربية وآدابها في جامعة أوكلاند الأميركية، في رسومها المصاحبة للقصائد نهجاً مدرسياً، رغبة منها في تحرير الصور من القوالب والأطر، شأن النصوص الشعرية ذاتها. وهي ترى أن ذلك الأمر يخدم تجانس التجربة وانسجامها "عدم تعلمي الرسم أكاديمياً جاء في مصلحتي، لأن هذه الرسومات ينبغي أن تكون بدائية لتنسجم مع روح تلك العلامات البسيطة في تواصلها الأول مع العالم. أسلافي أولئك لم يكونوا كلهم رسامين، بل أناساً عاديين عبروا عن أنفسهم برموز خطوها على جدران الكهوف وألواح الطين. كثيراً ما استهوتني شيفراتهم تلك لأنها شعرية ولو من دون قصد"، بحد قول الشاعرة في مفتتح الديوان. وتعد الكتابة السومرية، إلى جانب الهيروغليفية المصرية الأولى، أقدم تمثلات النصوص المكتوبة في التاريخ.

وعلى غرار مجموعاتها الشعرية السابقة، ومنها: "الحرب تعمل بجد"، و"يوميات موجة خارج البحر"، تخلص دنيا ميخائيل نصوص "ألواح: أسرار الطين" من الزوائد والشوائب والزخرفة، بل إنها تستلهم في عملها الجديد طبيعة السومريين في اختزال نصوصهم التصويرية إلى أقصى حد ممكن. وتقسم كتابها إلى عشرة "ألواح" بالترقيم اللاتيني، ويتضمن كل لوح مجموعة من القصائد القصيرة، وقصيرة القصيرة، ومع كل قصيدة نقشها الملائم. وقد صدر الديوان أيضاً في نسخة إنجليزية في أميركا وبريطانيا بعنوان: "Tablets: Secrets of the Clay".

عقيدة الحب

يحمل الديوان ما يمكن تسميته "انحيازاً عضوياً" إلى خميرة الطمي الإنساني النشطة، وإلى كل ما هو خام وبكر وطازج وفطري في الأحاسيس والعلاقات والممارسات اليومية، وفي مقدمة ذلك كله "الحب"، الذي يكاد يرتقي إلى درجة العقيدة. وهي توصي في أحد نصوصها بأن يكون هذا الحب "هو النظام العالمي الجديد"، كما تستدعي بشأنه مقولة أمها خاتون "الحب وحده ينقذ العالم"، وهي ترى أيضاً أن الحب إجابة عن كل الاحتمالات في قصيدة أخرى موجزة "أسأل القمر: أيهما أجدر بالحب؟/ ضوءك أم عتمتك؟/ يجيبني: الحب الحقيقي يتقبل كلا الوجهين".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم أن كل رسم من الرسوم الترميزية التي تصاحب قصائد ديوان "ألواح: أسرار الطين" يقترن على نحو ما بدلالات القصيدة المثبتة معه في الصفحة نفسها، فإن الرسم يمكن اعتباره قيمة تصويرية وتعبيرية مستقلة بذاتها. فهو حتى إن كان ترجمة مقصودة للقصيدة وما تنطوي عليه من معانٍ وتأويلات، فإنه لا يستخدم الأبجدية اللغوية، وبالتالي فإنه يظل دائماً بمثابة لوحة منفردة مكتملة الأدوات والخطوط والظلال. وهكذا، تكون للصفحة الواحدة في الديوان قراءتان: قراءة شعرية، وأخرى تشكيلية، ويحقق البحث عن الدوائر المشتركة بين هاتين القراءتين متعة إضافية للمتلقي.

الهوية ولغة العصر

وقد تأتي القصيدة المكتوبة قصيرة جداً، مثل "قلبي صغير جداً، لذلك يمتلئ بسرعة"، في حين يبدو التصوير المصاحب لها أكثر زخماً (نحو 20 رمزاً وعلامة بين بشر ونهر وشمس ونخل وزرع وآنية وغيرها). وقد يحدث العكس، فيكون النص الشعري طويلاً نسبياً، ويأتي الرسم المصاحب بسيطاً، يتألف من عنصر واحد أو عدد محدود من العناصر.

وتتناول القصائد إشارات إلى ما هو عصري في حياة الإنسان المتمدن، وإحالات إلى مبتكرات العصر ومفرداته (الكاميرا، التلفزيون، الساعة، جواز السفر، الرسائل الإلكترونية، الخ). وعلى عكس المتوقع من النقوش السومرية القديمة، فقد تنقل نقوش الديوان معطيات العصر الحالي من خلال التصوير الذي يأخذ طابعاً بدائياً في أسلوبه، كما في القصيدة التي تقول كلماتها "ماتت وتغيرَ الوقت لدى أحبائها، ولكن ساعتها ما تزال تشتغل"، ففي النقش المصاحب لها يظهر رسم تعبيري لساعة اليد المألوفة، وإن كانت من غير عقارب في مينائها المضيء.

وتمثل تجربة الديوان برمتها انغماساً عميقاً للشاعرة في تربة الهوية، ليست فقط الهوية الحضارية والوطنية العراقية، وإنما الهوية الإنسانية بمعناها الأعمق، تلك الهوية المجبولة على الخير والمحبة والدفء والطمأنينة والسلام، والنافرة من الشرور والآثام والكراهية والشتات والخوف والحروب "عندما بدأت الحرب، صار الخوف عملاقاً/ لم يعد بالإمكان، رسم دائرة حوله/ ولكننا أحطنا صوت الانفجارات، بالغناء".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة