Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ديرك والكوت شاعر الكاريبي قاوم الاستعمار بغنائية عالية

مختارات جديدة بالعربية تضيء زوايا من عالمه الرحب وتجربته الملحمية

الشاعر الكاريبي ديرك والكوت (رويترز)

الشاعر الكاريبي ديرك والكوت (1930-2017) الحائز نوبل للآداب عام 1992، يحضر مرة جديدة في ترجمة عربية لمختارات من أشعاره، بعد ترجمات سابقة صدرت في القاهرة. المختارات الجديدة ترجمها من الإنجليزية الشاعر والمترجم السعودي شريف بقنة، وصدرت في كتاب عن دار روايات- الشارقة. قد تكون هذه المناسبة فرصة لأمرين معاً؛ التعرف إلى عالم والكوت (والكت) الشعري الغني، وإلى محيطه وعالمه وزمنه ومواقفه منهما، ومن ثم الحديث عن الكتاب المترجم موضوع العرض، وسبر أعماق لغة الشاعر الشعرية، وأهم التمايزات التي صنعت شهرته في العالم الأنكلوفوني.

قبل أن يلمع نجم ديرك في سماء الأدب، وهو سليل طبقة فقيرة من مواليد كاستريس، عاصمة جزيرة سانتا لوسيا، في البحر الكاريبي، لوالدين فقيرين، وأم عاملة مياومة، تنقل الفتى في مدارس المدينة، وعمل كثيراً لكسب لقمة عيشه، من دون أن يهمل نظم الشعر الذي واتاه صغيراً، على الأوزان التقليدية الإنجليزية، في البدء، وبغير الأوزان والقوافي لاحقاً. ولما بلغ، وصارت له نظرة مبدئية إلى عالم الجزيرة وما بعدها، في زمن انتفاض الشعوب على مستعمريها، في الخمسينيات من القرن العشرين، عزم على النفي الإرادي إلى الولايات المتحدة الأميركية، شأن زملائه الأدباء جورج لامينغ، وسامويل سيلفون، وف. س. نايبول، لرفضهم العيش في ظل مجتمعات لا تجهد نفسها من أجل أن تنال مكانتها تحت الشمس، وتنكر في المقابل على أدبائها وشعرائها مكانتهم التي سوف تعيد لها الألق وتزيدها حضوراً بين الأمم.

وفي السياق نفسه، يجدر بالمراقب أن يشير إلى أن جزءاً من أعمال والكوت، لا سيما المجموعات الشعرية الثلاث الأولى ("في الليلة الخضراء"، و"الخليج"، و"المنبوذ")، تزامن مع الاضطرابات السياسية في الجزر الكاريبية التي كانت قد انتقلت من السيادة الفرنسية، إلى السيطرة الاستعمارية البريطانية، في حقبة شهدت بروز نزعة استقلالية عارمة (في كل من ترينيداد، وبرباد، وجامايكا، وفي الكاريبي) والتي تنازع فيها اتجاهان هما، تحقيق المثل أو إبطالها. وفي موازاة ذلك، راحت تتنامى لدى الشعراء والكتاب المحليين الميول إلى العناية بجمالية الجزر الكاريبية على الصعيد الأدبي.

وجدانية الجزر

وعلى هذا كانت المجموعات الشعرية الثلاث الأولى للشاعر المشار إليها أعلاه شديدة الدلالة على صلته الوجدانية بهذه الجزر، مصحوبة بانتقاد صارخ لشعوبها بسبب تخليها عن هويتها، وخضوعها الميسر لاستلاب المستعمر إياها، حتى تجريدها من جماليتها ومن استعاراتها، وفي هذا يقول "إنها عالم أخضر من دون استعارات"، ويروح يصف حال سكانها، مستحضراً قمع ذوي البشرة السمراء الأفارقة في الجزيرة: "ريح تقشعر جلدة أفريقيا/ السمراء كيكويو. بسرعة كذباب/ يسبح في حمام دم فوق السهاب/ الجثث مبعثرة في الجنة/ وحدها الدودة، كولونيل الجيفة، تبكي:/ لا تضيعوا أية رأفة على هؤلاء/ القتلى الانفصاليين!".

ومثل ذلك، تسليط الشاعر الضوء على مظالم قديمة، للحاكم والمستعمر البريطاني، سلاحه الوحيد فيه استعارة نفاذة وحية، ومشهد صادم، كقوله: "من ناحية، إنجلترا المروعة/ الحديد، وحل مدارج المطار، من الناحية الأخرى، أنقاض أشجار/ محترقة، يد تعبث بنوافذ العربة... من أين جاء جدي الأبيض الشبق؟/ غادر من هنا قبل قرن/ ليجد مزرعته،/ ومثل آلاف آخرين،/ بذروا أرخبيلهم مخمورين. / أسود ويائس/ وضع لحمه على النار..." .

بيد أن ميل والكوت الاحتجاجي، بل الثوري حيناً والناقم أحياناً على خنوع أهليه حيال الاستعمار واستلاب هويتهم وأرضهم، لا يلبث أن يستكين، فينحو إلى تعديل رؤيته، ويقرر أن ينقل جمالات جزيرته، ويبتدع سبيلاً كان سبقه نفر قليل إلى اتباع شبيه به، عنيت استثمار الشعر والكتابة، على نحو يكفل تخلص الكائنات ومناظر الطبيعة، في بلاده من مسمياتها القديمة، بأن يخلع عليها أسماء جديدة، مستمدة من لغات دهرية سابقة للغات الاستعمار، وأدل على جوهرها، وأقدر على إحيائها وتحريرها من غفليتها السالفة. ولا ضير إذاً من استخدام خليط اللغات القديمة، وتلك التي عرفتها البلاد، كالفرنسية واللاتينية، ولغات السكان المحليين والأميرانديين، إلى الإنجليزية التي لم يتوان عن تطويعها وبثها قدراً من الروحانية تفتقدها بحسبه. وفي هذا يقول الشاعر: "إن خير ما أعطي لآدم سلطان تسمية الأشياء متى تسنى له فهم كتاب البلاد الحي. أما الشاعر فله أن يجدد، كل صباح، لغته واستعاراته لتصير حية، بعد أن تكون لغته الأولية قد أصابها الوهن والتحلل وهي تعبر ضباب المحيط".

"البحر هو التاريخ"

يواصل الشاعر إعادة تسمية البحر والكائنات الطبيعية، والشواطئ الممتدة على مد نظره وخياله، فيضفي عليها ما يحررها من أسمائها الأولى، وما يديم ألقها وحياتها عبر الدهور. ويقول الشاعر والكوت، في هذا الشأن، لدى تسلمه جائزة نوبل: "لا يمحي التاريخ عند طلوع الشمس، فالتاريخ ماثل هنا، في الجغرافيا الأنتيلية (نسبة إلى جزر الأنتيل)، وفي نباتها. والبحر إذ يتنهد فتحسراً على غرقى العبور، ويحتضر مع مجازر الهنود المحليين، في الجزيرتين الكاريبيتين أراواك وتاينوس، مثلما تدمى الزهرة الخالدة لتلك الفواجع. وحتى الموجة الدفاقة أبداً لا يسعها أن تمحو ذلك من ذاكرتها".

وفيما يجدد الشاعر لغته، ويبتدع لها استعارات حية بديلاً عن الصور الشعرية المتداولة في التراث الغربي، اهتدى ديرك والكوت إلى التراث اليوناني، وإلى الإلياذة تحديداً، فاختار أن يحوك حول شخصية هوميروس أسطورة بحرية تتوافق مع رؤاه باعتباره شاعراً خلاقاً ونافحاً الحياة في أسماء كائنات بلاده وبحرها وما نسجته مخيلات الأوائل من أساطير وحكايات جديرة بالخلود. ومن هذا القبيل كان إطلاق اسم هوميروس على الملحمة التي يحاكي فيها ملحمة الإلياذة، ويختلق فيها رحلات يقوم بها أوليس إلى الجحيم، ولكن مستهدياً بطير السنونو يعبر به المفازات، ناسجاً رباطاً متخيلاً بالطبع بين أفريقيا، موطن أوليس الأول، بحسب والكوت، وبين جزر البحر الكاريبي، أسطورة تزاد إلى الخزين الأدبي، وتديم صور الرحلة إلى أعماق الذات حتى المنتهى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإن صح أن الكتاب المترجم هنا ليس فيه اقتباس من ملحمة "هوميروس"، فإن فيه قصائد منتقاة من مجموعات شعرية متأخرة، من مثل "الهبة" (1997)، ومنه القصيدة ذات عنوان "2 علامات" والمهداة إلى الشاعر البولندي آدم زاغايفسكي: "رسمت أوروبا ظلها في القرن التاسع عشر/ بمحطات القطار البخارية، ومصابيح الغاز، والموسوعات/ تمدد خصر الإمبراطوريات يفتح شهية البشر/ رواية تعج بالأفكار والشتات... بعيداً عن الشوارع تغلي الروايات بحزن القرن/ من رسومات الفحم لكولفتز، ألم المهاجرين/ تلك هي المشاعر التي تترجمها، هالة اصطناعية/ لتركيبة غريبة، بناء متغير من شأنه تدوين/ أدق التفاصيل للكآبة: لصرير أشعة الشمس..." .

واستكمالاً للنظرة البانورامية إلى شعر والكوت، ينقل المترجم شريف بقنة، آخر قصيدة في الكتاب، تعود إلى مجموعة شعرية صادرة لوالكوت عام 2010، وهي بعنوان "البلشون الأبيض"، يقول فيها: "هذا ما يفعله الآخرون، يموتون، حتى الأقربون/ في صباح مجيد ومختال وكما تذهب الأغنية/ النخيل الأصفر البهيج أو الذهبي وكل البقية يرحلون/ النخيل الأصفر البهيج أو الذهبي وكل البقية يرحلون/ بروعة فاترة، يموتون، يرتجلون كاليبسوس الهندية/ ينصبون الخيام ويشدونها، يقطعون رؤوس/ جوز الهند حول السافانا، يتكئ الرجال/ ثم يقفزون في القوارب، يظهر الناموس/ ويبزغ القمر في نفس المكان فوق جبال/ مورن كوكو، عندها يضربني الحزن الفظيع..." (ص:19)

ولا ننس أن للشاعر ديرك والكوت عشرين مجموعة شعرية، مما استخلص المترجم قصائده، وأكثر من عشرين مسرحية مترجمة إلى لغات العالم قاطبة.

المزيد من ثقافة