ملخص
تكشف فضيحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي على منصة إيلون ماسك هشاشة قدرة الحكومة البريطانية على ضبط شركات تكنولوجية عملاقة، إذ تصطدم تشريعات ستارمر باعتبارات سياسية ودبلوماسية واختلال عميق في توازن القوة، ما يجعل المساءلة الفعلية رهناً بالتنسيق الدولي أكثر من القرار الوطني وحده.
كانت وتيرة ونطاق استغلال أداة إنشاء الصور بالذكاء الاصطناعي التي طورها إيلون ماسك، وهي "غروك"، خلال الأسبوع الماضي أو نحوه لإذلال الناس والتحرش بهم، صادمة. وقوبلت ردود الفعل العامة بإجراءات حكومية. فقد أجبر الوزراء الهيئة البريطانية لتنظيم الاتصالات والمعلومات المعروفة باسم (أوفكوم) على التحقيق في منصة "إكس" التابعة لماسك، وسرعوا تنفيذ التشريع الذي أقر العام الماضي لتجريم إنشاء مثل هذه الصور.
وقال كير ستارمر "لأكون في منتهى الوضوح: لن نتسامح مع ذلك، لأنه مهما أصبح العالم مضطرباً أو معقداً، فإن هذه الحكومة ستسترشد بقيمها"ـ مضيفاً "سوف ندافع عن الضعفاء في مواجهة الأقوياء".
ومع ذلك، فإن موقف بريطانيا في مواجهة عمالقة التكنولوجيا يقترب من نقطة حرجة.
وقال الرئيس السابق لقسم السلامة الدولية على الإنترنت في "أوفكوم" أوين بينيت: "لم يتوقع أحد أبداً حدوث مثل هذه الحالة، إذ توظف خدمة يستعملها ملايين الأشخاص في المملكة المتحدة كل يوم بهذه الطريقة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقال بينيت إن الصلاحيات الممنوحة لـ"أوفكوم" بموجب قانون "السلامة على الإنترنت"، التي تتيح لها حظر أو تغريم منصات التكنولوجيا في حالة ارتكابها مخالفات، صممت لتكون "خياراً اضطرارياً" أخيراً. ويستند القانون نفسه إلى سلسلة تصاعدية من الإجراءات التنفيذية، تهدف إلى حمل المنصات على الامتثال قبل فرض العقوبات. والمشكلة أن هذه المقاربة تتطلب من المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا الاعتراف بالضغوط التي تمارس عليهم وخفض حدة التوتر. وهي خطوة أظهر ماسك مراراً وتكراراً أنه غير مستعد لاتخاذها.
ويعتقد بينيت أن ماسك يراهن على أن حظر المملكة المتحدة لمنصة "إكس" سيكون خطراً من الناحية السياسية ومحفوفاً بالأخطار الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، مما يجعل من الصعب على الحكومة البريطانية أو هيئة "أوفكوم" مواجهته بحزم. وقال بينيت "إن سياسة الحظر معقدة للغاية لدرجة أنني أعتقد أنه [ماسك] يستند إلى افتراض أن ’أوفكوم‘ أو الحكومة البريطانية لن تتمكنا أبداً من فرض حظر"، مضيفاً "سيكون ذلك بمثابة قنبلة سياسية، ومن المرجح أن يخلق توترات دبلوماسية كبيرة مع الإدارة الأميركية".
وتزداد هذه الحسابات الدبلوماسية تعقيداً بسبب العلاقة المتغيرة بين ماسك ودونالد ترمب. فبعد أعوام من الخلافات، يبدو أن العلاقة بينهما تشهد الآن فترة من الانسجام، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى شركة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التابعة لماسك، ’ستارلينك‘، التي تدخلت لتوفير الاتصال للناس في إيران أثناء محاولتهم إطاحة حكومتهم. في حين أن إندونيسيا وماليزيا اتخذتا خطوات بالفعل لحظر "غورك" رداً على الفضيحة، فإن المملكة المتحدة حليف أقرب بكثير للولايات المتحدة، ومن المحتمل أن تكون الحكومة الأقل رغبة في إغضاب ترمب.
وثمة مشكلة أعمق وراء خطر إغضاب الرئيس الأميركي. فغالباً ما تكون شركات التكنولوجيا أكبر وأقوى من الحكومات التي تزعم أنها تحاول ضبطها. وهذا الخلل في التوازن شديد إلى درجة أن رؤساء الوزراء السابقين وكبار وزراء الحكومة، بمن فيهم ريشي سوناك وجورج أوزبورن ونك كليغ، تولوا جميعاً مناصب تنفيذية في شركات التكنولوجيا الكبرى بعد مغادرة مناصبهم.
وقال بينيت "علينا ألا ننسى بأن هذه القوانين لا تزال جديدة نسبياً، ولم يتوافر حتى الآن كثير من التوضيح للمعايير والاختبارات القانونية اللازمة لدعم إجراءات إنفاذها". ومع ذلك، يعتقد بعض الخبراء أن هناك إمكانية - من الناحية النظرية، إن لم يكن من الناحية العملية - لأن تتخذ "أوفكوم" والحكومة إجراءات حاسمة.
وقالت الأستاذة المشاركة في القانون الخاص والتكنولوجيا بجامعة أوتريخت كاتالينا غوانتا: "لا يزال اختلال توازن القوى، بصورة عامة، يمثل مشكلة بالنسبة إلى المساءلة"، مضيفة "لكن هذه الإصلاحات توفر أطراً قانونية قوية". ورأت أنه إذا ما استخدمت هذه الإصلاحات بشجاعة وخبرة، "فإنها يمكن أن تحدث فارقاً حقيقياً".
ويعتقد بينيت أن "أوفكوم" هي الجهة التنظيمية الوحيدة القادرة على إظهار قوتها. ويقول إنها "من بين، إن لم تكن الأفضل موارداً" بين الجهات التنظيمية المعنية بالسلامة على الإنترنت على الصعيد الدولي من ناحية التمويل، ويشير إلى أن الحكومة استثمرت مسبقاً قبل صدور قانون السلامة على الإنترنت لتوظيف خبراء متخصصين وبناء إطارها التنظيمي.
ومع ذلك، قد لا يكون كافياً التحرك بمفردها، إذ يوضح بينيت أن "التنسيق الدولي بين الدول والهيئات التنظيمية ذات التفكير المماثل التي تهتم بالسلامة على الإنترنت أمر بالغ الأهمية"، مضيفاً "من الصعب جداً على الدول منفردة إحداث تأثير فعلي".
© The Independent