ملخص
على المستوى الثقافي والأدبي، ماذا لو أن الجزائر أقدمت على تقديم ملف تسجيل رواية "الحمار الذهبي" لأبوليوس بوصفها أول نص سردي روائي في العالم على لائحة التراث العالمي لـ"اليونيسكو" باسم الجزائر؟ لا أحد من نقاد تاريخ السردية ولا من منظري الرواية في العالم ينكر ريادية أبوليوس دي مادور (أفولاي) المداوروشي الجزائري لهذا الجنس الأدبي الذي أضحى اليوم ديوان العصر بامتياز.
عندما يملك البلد في تاريخه الأدبي العريق كاتباً وروائياً من طينة أبوليوس دي مادور، فإن عليه أن يفتخر بهذا الجد الأدبي العتيق والعريق، تلك هي الجزائر، أرض الكاتب أبوليوس دي مادور أو أفولاي وهو اسمه البربري الأصيل صاحب الرواية الشهيرة "الحمار الذهبي".
ولد أفولاي عام 125 في مداوروش شمال شرقي الجزائر وهي اليوم تابعة إدارياً لولاية سوق أهراس، وهي مدينة اشتهرت بجامعتها التي كانت أكبر جامعة في أفريقيا. وتوفي ما بين عامي 175 و180، وهو ينتمي إلى عائلة ميسورة الحال، مما سمح له بالسفر إلى قرطاج واليونان ومصر وروما، وكان يتقن إضافة إلى لغته المحلية الأمازيغية اللغتين اللاتينية والإغريقية، وهو بإجماع المتخصصين يمثل، بامتياز، نموذج مثقف القرن الثاني الميلادي.
وتعد روايته العالمية "الحمار الذهبي" الرواية الفريدة التي وصلتنا كاملة باللغة اللاتينية، وهي نص فلسفي ساحر ومثير مليء بالمغامرات الساخرة وجريء في طرحه للقضية الجنسية والدينية ونقد المجتمع، كل هذا من خلال تتبع حياة الشاب لوكيوس البطل الرئيس في الرواية الذي مسخ حماراً عن طريق الخطأ بعد تناوله خلطة سحرية.
اليوم، شيئاً فشيئاً تتصالح الجزائر المعاصرة مع هويتها الأمازيغية الأصيلة، ويحدث ذلك برؤية سياسية متفتحة وشجاعة في التعامل مع مسألة الهوية، إذ إضافة إلى اللغة العربية ينص الدستور الجزائري الأخير والجاري العمل به منذ ديسمبر (كانون الأول) عام 2020 وفي مواده الصماء، على أن اللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية، مما جعل المواطن الجزائري يراجع علاقته بماضيه العريق من دون خوف أو تنكر، وكي تكون مصالحة الجزائر مع ذاكرتها العريقة وتاريخها الضارب في القدم معافاة وقوية يجب على هذا الجيل الجديد أن يتأمل كثيراً سلسلة رموز هذا الماضي المثمر بما يحتويه من أسماء لامعة من الأدباء والفلاسفة والعلماء والقادة السياسيين والعسكريين من أمثال أبوليوس وسانت أوغسطين ويوبا الثاني وماسينسا ويوغرطة وديهيا الكاهنة وغيرهم، مروراً بالأمير عبدالقادر والشيخ الحداد ولالة فاطمة نسومر وبوبغلة والعربي بن مهيدي ومصالي الحاج وآيت أحمد وسليمان عميرات وبن بلة وهواري بومدين وعبان رمضان وزيروت يوسف وصولاً إلى جميلة بوحيرد أطال الله في عمرها.
إن حضور الرموز المؤسسة لتاريخ الجزائر العريق يسبق، بقرون، وصول الثقافة العربية والدين الإسلامي إلى الجزائر وشمال أفريقيا اللذين جرى احتضانهما من قبل الساكنة الأصلية وإدماجهما في المصفوفات الثقافية والعقائدية لهذا البلد. وعلى رغم قوة الثقافة العربية والإسلامية في القرون الوسطى التي مثلت رافداً أساسياً وعالمياً أثّر في صياغة العقل الإنساني في منطقة البحر الأبيض المتوسط، فإن السكان الأصليين لهذه الأرض، وعلى رغم اندماجهم وتبينهم الإسلام ديناً فإنهم لم يتنازلوا عن ثقافتهم ولغتهم الأصلية، فقد ظلت لغة الحياة اليومية ولغة الأمهات ولغة الثقافة الشفوية تقاوم النسيان وخطر الاندثار جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن، وحرباً بعد حرب، وقمعاً بعد قمع...
اليوم والجزائر تستعيد ذاكرتها التاريخية كاملة من دون خوف وخجل ونكران، حتى إن كنا بين الحين والآخر نسمع بعض الأصوات المتطرفة التي تتنكر لماضيها الأمازيغي من جهة أو أصوات متطرفة أخرى تريد للجزائر أن تعيش داخل غطاء هوياتي متطرف من جهة ثانية، لكن هذه الأصوات تنسحب شيئاً فشيئاً من الساحة تاركة العقل سيد الخطاب، واليوم ماذا يمكن لنا القيام به كي نجعل هذا البلد يفتخر بماضيه من دون أن يقطع علاقته مع محيطه العربي والعالمي؟
يمثل أبوليوس من ناحية حياته ورمزيته الأدبية العالمية مدخلاً إلى تكريس مصالحة الجزائري مع هويته الأصلية ومع تاريخه العريق الضارب في أعماق الأزمنة، والتفكير بجد وبعمق في استثمار هذا الرأسمال الرمزي هو ما يمكّننا من مواجهة "قلق الهوية" و"ثقافة الخوف من المرآة "، ولن يكون ذلك إلا عن طريقين اثنين هما طريق التربية والتعليم وطريق الثقافة والفنون.
ويدفع هذا التلاحم الوطني الكبير والحماسي الذي تجلى في الاحتفالات الشعبية والرسمية بعيد رأس السنة الأمازيغية في الـ12 من يناير (كانون الثاني) عام 2976 التي شارك فيها جميع الجزائريين من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، الأمازيغي والعربي، والقبائلي والمزابي والتارقي والوهراني والقسنطيني والنايلي، إلى التفكير في طرق تثمير هذه المصالحة مع الذات الوطنية على نحو أعمق حتى تتحول إلى فعل سياسي واقتصادي وثقافي يكرس ثقافة التعددية ويتبنى فلسفة قبول الآخر والدفاع عن حقوق المختلف لغة وعقيدة وهوية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على المستوى الثقافي والأدبي، ماذا لو أن الجزائر أقدمت على تقديم ملف تسجيل رواية "الحمار الذهبي" لأبوليوس بوصفها أول نص سردي روائي في العالم على لائحة التراث العالمي لـ"اليونيسكو" باسم الجزائر؟ لا أحد من نقاد تاريخ السردية ولا من منظري الرواية في العالم ينكر ريادية أبوليوس دي مادور (أفولاي) المداوروشي الجزائري لهذا الجنس الأدبي الذي أضحى اليوم ديوان العصر بامتياز، إذ أصبحت الرواية الجنس الأدبي الأكثر مقروئية في العالم وفي كل اللغات بما فيها اللغة العربية والأمازيغية اللتان كانتا إلى أعوام قريبة لغتي الشعر في المقام الأول.
ثم ماذا لو عملنا وبهدوء حضاري، وفي ظل هذه الحماسة الوطنية التي توحد جميع أطياف المجتمع الجزائري حول الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية، على تأسيس متحف خاص بتاريخ الأدب الجزائري منذ أب الرواية العالمية والإنسانية أبوليوس إلى الآن؟ ألا يستحق الأدب الجزائري على غرار الفنون التشكيلية والسينما والبريد والبحر والآثار الإسلامية متحفاً توثيقياً علمياً جاداً يشرف عليه متخصصون في هذا الشأن من الجزائريين بالتعاون والاستعانة بالخبرات العالمية التي لها باع في هذا الشأن؟ ألا يحق لأبوليوس أن يرفع كاسم يطرز هذا المتحف والذي من دون شك سيجلب كثراً من فضوليي الآداب واللغات والتاريخ لزيارة الجزائر؟
ألا يحق للجزائري أن يحلم، والحلم طاقة الإنسان الإيجابي، ونحن نرى هذه الالتحام الوطني بين جميع أبناء الجزائر يتأكد من خلال عيد رأس السنة الأمازيغية، أن نفكر في تخصيص سنة ثقافية أدبية كاملة على شرف أبوليوس دي مادور، نطلق عليها اسم "سنة أبوليوس الأدبية"، فنعود لقراءة تاريخ أدبنا العريق بكل لغاته وبكل جمالياته وبكل حساسياته الفلسفية، سنة من النشاطات الأدبية وما يدور حولها من موسيقى ومسرح وفن تشكيلي وسينما، كلها حول الذاكرة الأدبية الجزائرية وفي مركزها تجربة أبوليوس، وهي فرصة لدعوة كبار الروائيين العالميين ونقاد الرواية إلى تداول الحديث حول هذا الهرم السردي العالمي، وفي ختام فعاليات هذه السنة نطلق جائزة عالمية للرواية باسم "أبوليوس" بالتعاون مع "اليونيسكو"، أليس هذا أيضاً باباً من أبواب تسويق صورة حضارية نبيلة عن الجزائر الجديدة؟