Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل حقا نعيش زمن التفاهة؟

شملت الكتب والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي والثقافة والفنون والتصرفات الساذجة التي مست كل الطبقات ووصلت إلى السياسة والسلطة

أهل كل زمن يعتقدون أنهم وحدهم الذين يعانون التفاهة (رويترز)

ملخص

اكتسبت التفاهة شعبية جارفة بين الملايين، ربما لا تشكل كل المخزون المعرفي، أو تهيمن على كامل الاهتمام، لكنها بكل تأكيد حفرت لنفسها مكانة غير مسبوقة في العرف الشعبي. والغريب أنها مستمرة في توسعها، ومتنامية في تأثيرها، ومحققة نجاحات في القدرة على النفاذ إلى كل الطبقات والأعمار.

تقول المعاجم إن التفاهة من "تفه" هي نقص في الأصالة أو الإبداع أو القيمة، وإن فلاناً حين ينشغل بالتفاهة، فهذا يعني أنه ينشغل بما لا أهمية له، وتشير معاجم أخرى إلى أن تفه شيء أو شخص ما يعني قلت قدرته أو خف وزنه أو ذهب طعمه. ويتخذ كثير من المنظرين والمثقفين والحكماء من التفاهة موضوعاً لهم، يكتبون عنه، ويفردون الفكر والنقاش والجدال حوله، ويعتبرونه نقطة انطلاق نحو اللحاق بزمن يصفونه بأنه "زمن التفاهة".

وتشير "إفيهات" الأفلام إلى قيمة التفاهة المتغيرة، فمن "إديني في الهايف" التي قالها الفنان المصري الراحل محمود عبدالعزيز في فيلم "الكيف" (1985) في أثناء بحثه عن كلمات أغنية يشدو بها ويجذب الجماهير إليه، وهو يشرح للمؤلف ما يريد بقوله: "عايز (أحتاج) كلمات خفيفة، كلمات رشيقة، كلمات تافهة"، إلى الفتى الذي عرف نفسه للفنان محمد هنيدي في فيلم "بلية ودماغه العالية" (2000) معرفاً اسمه "تفاهة" بكل فخر، إلى الفنان حسن حسني وهو ينعت ابنه في فيلم "زكي شان" الفنان أحمد حلمي بـ"يا هايف يا تافه"، تمضي معاني التفاهة وقيمتها في المحتوى الدرامي الذي لا يخلو من انعكاسات لما يجري على أرض الواقع.

أرض الواقع عامرة بالتفاهة منذ بدء الخليقة، المثير أن أهل كل زمن يعتقدون أنهم وحدهم الذين يعانون التفاهة، والمنتمين إلى كل جيل يظنون أن الأجيال التالية لهم وحدها التافهة، كذلك فإن للتفاهة منظوراً طبقياً لا تخطئه عين، وإن تحاشت الغالبية التطرق إليه خوفاً من الوصم بالطبقية أو العنصرية أو الفوقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم ذلك، يهيمن شعور لدى بعض المصريين مفاده أن التفاهة تعيش أزهى عصورها، فبين عناوين رئيسة لما تبقى من صحف وكذلك مواقع إخبارية تقوم على "طلع الهدوم الشتوي ولم الغسيل"، و"الأبراج المحظوظة والمنكوبة في 2026"، و"عاجل: طلاق الفنانة فلانة واكتشاف زوجة ثانية للمشهور علان"، والأكثر قراءة "مطرب المهرجانات فلان من عامل في محطة بنزين إلى مقتني سيارة بـ17 مليون جنيه" أو "شاهد لحظة سقوط فستان الفلانة علانة".

وكذلك الفتوى الأكثر بحثاً تدور حول سبب تأخر الزواج على رغم كثرة الصلاة والدعاء، والمحتوى الأكثر رواجاً على الـ"سوشيال ميديا" يراوح ما بين فيديوهات ترفيهية، ودروس تعليمية لكيفية وضع المكياج وإزالته والكريمات المرطبة والأزياء الغالي منها والرخيص، وأيضاً المحتوى الذي يعرض التفاصيل الكبيرة والصغيرة لصناع المحتوى الذين يحولون حياتهم اليومية إلى مادة خام لتوليد الربح، بدءاً بغرفة النوم وماذا يحدث حين يستيقظ المؤثر من النوم، مروراً بتجهيز الطعام وتنظيف الحمام، وانتهاء بطقوس يتبعها المؤثر قبل أن يخلد إلى النوم، والفيديوهات الأكثر متابعة التي يصنعها "دعاة" و"رجال دين" ومؤثرون متدينون قرروا أن يقدموا محتوى يصفونه بـ"الديني" وهو في أغلبه يتلاعب بوعي وثقافة وفكر المتلقين، وأعدادهم بالملايين.

شعبية التفاهة

اكتسبت التفاهة شعبية جارفة بين الملايين، ربما لا تشكل كل المخزون المعرفي، أو تهيمن على كامل الاهتمام، لكنها بكل تأكيد حفرت لنفسها مكانة غير مسبوقة في العرف الشعبي. والغريب أنها مستمرة في توسعها، ومتنامية في تأثيرها، ومحققة نجاحات في القدرة على النفاذ إلى كل الطبقات والأعمار.

أدبيات التفاهة في العالم تتطرق بين الحين والآخر إلى شرح أعراضها، والتطرق إلى أسبابها، فبين الإصرار تارة على أنها سلوكيات فردية واختيارات شخصية، والتأكيد تارة أخرى أنها نظام عالمي ممنهج تغذيه وتقوي شوكته التقنيات الرقمية متمثلة في الخوارزميات والتقنيات الحديثة التي تدفع المستخدم من دون أن يدري نحو الإبحار في محتوى تغلب عليه السطحية، تختلف الشروح وتتغير الأعراض، وتبقى التفاهة ماضية قدماً في طريق الهيمنة.

وتشير كتب ومراجع ألفها مهتمون بتقفي آثار التفاهة أو السطحية إلى أن التاريخ حافل بجهود الترويج لقصص غريبة أو أكاذيب أو أساطير يرويها قصاصون (أدباء) محترفون لإلهاء الناس، ويتطرق آخرون إلى قرارات واعية يتخذها بعضهم للغوص في التفاهات وسفاسف الأمور وسيلة دفاعية في وجه الإحباط أو قلة الحيلة، أو وسيلة هجومية ضد الظلم أو فقدان البوصلة أو ضياع الهدف.

عالمياً، يتبنى كتاب ومفكرون نظرية التفاهة المنظمة، التي يقصدون بها الخوارزميات التي تكافئ أو تروج للمثير، حتى لو كان سطحياً، والجذاب مهما كان منزوع القيمة، والحسي ولو كان غرضه الوحيد الاتجار بالمشاعر ودغدغتها، والأدهى من ذلك أن منه ما يعرض نفسه على المتلقي مرتدياً عباءات الالتزام ومتنكراً في صورة فتوى.

 

باب، أو بالأحرى أبواب، فتاوى المرأة، وجسد المرأة، ونشاط المرأة الجنسي، وبلوغ الأنثى، وأوضاع الجماع، والنكاح والحيض والنفاس، ومعاشرة الزوجة الميتة، وأحياناً البهيمة، وعرض كتاب "الجائز وغير الجائز في نكاح العجائز" تلقى اهتماماً ضخماً من قبل ملايين في الربع الثاني من القرن الـ21، وهو اهتمام غير مسبوق، وكأن المرأة اختراع فاجأ مصر والعالم.

الولع بمتابعة البرامج والفتاوى الدينية التي تتطرق إلى التفاصيل البيولوجية والاجتماعية والثقافية الخاصة بالنساء، وهي البرامج التي تفوق في حجمها مجموع المخصص لبرامج تتعلق بالتعليم أو التربية أو العمل أو الأخلاق أو الفن، يعتبره مهتمون برصد ظاهرة التفاهة المتنامية، قمة التفاهة، لكن محصنة بغلاف ديني.

التفاهات كثيرة، والحصانات عدة، والتراشقات بتهمة التفاهة أيضاً عدة. الأجيال الأكبر تعتبر الأصغر عنوان التفاهة، والأجيال الأصغر ترى أن عين التفاهة هو ما يشكل أولويات الأجيال الأكبر. المثقفون والمتعلمون تعليماً متميزاً يعتقدون أن التفاهة سمة لصيقة بمتواضعي الثقافة والحاصلين على تعليم متوسط أو حُرموا منه.

متواضعو الثقافة والتعليم يرون الواقفين على طرف النقيض تافهين، إذ تقتصر رؤاهم على توافه الأمور ويتناسون مشكلات الحياة الحقيقية. والأثرياء يتعاطفون مع الفقراء الذين ضربهم فقرهم في مقتل فأصبحوا تافهين لا يشغلهم سوى البحث عن قدر إضافي من المال، والفقراء ينظرون إلى الأغنياء بعين ملأها الوصم بالتفاهة حيث أولويات إنفاقهم سفيهة.

الرجال يعتبرون النساء عنوان التفاهة، مع العلم أن النساء على يقين بأن التفاهة رجل يرتدي ملابس الجدية والعبوس. أعداء العصر الرقمي و"السوشيال ميديا" يحملون القابعين في هذا العالم الافتراضي مسؤولية نشر فيروس التفاهة، وسكان الواقع الافتراضي يعرفون في قرارة نفسهم أن أهل الواقع تافهون لأنهم اختاروا الطريق الصعب في الحياة، ورفضوا خيار التلطيف والتخفيف.

التافهون و"أذواقهم المنحطة"

دراسة مصرية نادرة عن التفاهة والتافهين انطلقت من فرضية اعتبار الشباب و"السوشيال ميديا" عنوان التفاهة، اعتبرت أن البشرية تعيش مرحلة غير مسبوقة بعد ما سيطر التافهون على جميع مفاصل الدولة الحديثة، وهي السيطرة التي تأتي مصحوبة بوضع قواعد تتسم بالرداءة والانحطاط المعياري.

وسلمت بأن التفاهة أصبحت ظاهرة إنسانية منتشرة في العصر الحالي، وأنها سيطرت على كل مجالات الحياة، فشملت الكتب والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي والثقافة والفنون والتصرفات الساذجة التي مست كل الطبقات، ووصلت إلى السياسة والسلطة، وأنها انتشرت كالوباء، وسيطرت على عقول البشر، وأخضعتها لسيطرتها، وأرجعت قدرة التفاهة على غزو المجتمعات إلى قدرة التافهين، وذلك عبر دعمهم بعضهم بعضاً ومن خلال "السوشيال ميديا".

ورأت الدراسة أن التافهين اصطحبوا معهم "أذواقهم المنحطة"، وفرضوا أنفسهم على المتلقين، وأصبح التافهون أمثالهم يقضون معظم الوقت في مشاهدة المحتوى التافه الذي يقدمه التافهون، فأصبح المشهد تافهاً يتحكم فيه تافهون، ويتلقاه تافهون.

وعلى رغم أنها تقر بأن التفاف الجماهير حول الخرافي واللاهي والتافه والغرائبي والمضحك والفوضوي والمسلي في مقابل ضآلة الجمهور الجاد والعقلاني أمر تاريخي، وعلى رغم استشهادها بأفكار عالم النفس الاجتماعي والطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون وصاحب كتاب "سيكولوجية الجماهير" الشهير (1895) الذي رأى أن الجماهير تنفر من العقلاني والجدي والصادق، وتنجذب بشدة إلى الخرافي واللاهي والغريب، أي إن التفاهة ليست قاصرة على الزمن الحالي، فإنها رأت في تحول صناع المحتوى الذين تهيمن عليهم أفكار سطحية وتافهة على "السوشيال ميديا" إلى قدوة للأجيال الصغيرة والشابة، لا سيما في ما يتعلق بالخروج على تعاليم الدين الإسلامي سمة خطرة حالية متفردة، تستوجب الدراسة والتدخل بغرض الإنقاذ.

 

وفي إطار مقارنتها بين التفاهة في ما مضى، وتحديداً في عشرينيات وحتى ستينيات القرن الماضي، وقت كانت التفاهة فشلاً في تفسير ما هو رصين إما لضعف لدى التافه أو لعدم رغبته للعودة إلى الجذور بطريقة أكاديمية أو علمية، وبين التفاهة المعاصرة التي لا تهدف إلا إلى تحويل الأمور الجادة إلى حال من التفاهة والسطحية، تشير إلى أن انتشار الشاشات الذكية بين أيادي الشباب و"أنصاف المثقفين" المنبهرين بهذه التكنولوجيا، جعلهم يتلذذون بإنهاء دور المثقف الأكاديمي الجاد، كذلك تطرقت إلى "التافهين" من صناع المحتوى التافه الذين لا يبتغون إلا الشهرة وتحقيق الربح المادي، والجمهور الذي لا يبحث إلا عن التفاهات، والملهيات للهرب من الواقع عبر بوابات الترفيه والتسطيح والابتذال.

وبعيداً من أن الباحثة لم تتطرق إلى جمود وخمول وتقوقع النقيض الآخر "الجاد الأكاديمي المثقف الملتزم صانع المحتوى الهادف"، واكتفائه بالتنظير وتوزيع الاتهامات، مع الدوران في حلقات مفرغة عاجزة عن رؤية أو مواكبة أو استشراف ما يحدث حولها، فإن رؤية الدراسة للحلول تمثلت في تغليظ العقوبات القانونية لمن ينتهك معايير المجتمع على "السوشيال ميديا" بنشر محتوى تافه يسيء لقيم المجتمع وتقاليده، وتفعيل القوانين التي تحافظ على الذوق العام، والاهتمام بالتعليم، وإنهاء البطالة، وتفعيل دور الدولة في إعادة أنشطة قصور الثقافة والاهتمام بأدباء الأقاليم ورفع الوعي... إلخ، وغيرها من الأساليب التي لا يعتبرها بعضهم قاصرة، أو منتهية الصلاحية، أو مستمرة في درب تجاهل المتغيرات والتغافل عن تركيبة الأجيال الأصغر سناً.

الملاحظ أن التفاهة انضمت إلى قائمة الأدوات التي يتراشق بها كل من الإسلاميين وغير الإسلاميين، إذ يعتبرها هذا الفريق نتيجة طبيعية لتوليفة البعد عن الدين، وكراهية المتدينين، مطالبين بمزيد من تديين الدولة والمجتمع، بينما يرى الفريق الآخر أن ترك الدولة متأرجحة بين الدولة الدينية والدولة المدنية أدى إلى جهود ضارية يبذلها الإسلاميون لترجيح الكفة لصالح الدولة الدينية، مستخدمين سلاح التفاهة الدينية من موضوعات عقيمة، لا سيما تلك المتعلقة بالجنس والنساء وسفاسف الأمور، التي تجذب البسطاء وتدغدغ مشاعر العامة.

اختيار السطحية

الكاتب والطبيب حسام بدراوي كتب عن "التفاهة" (2024) معرفاً إياها بأنها توجه نحو الأمور السطحية، الخفيفة، والمفرغة من القيمة الحقيقية التي تميل نحو اللاجدية، وترك القضايا العميقة والموضوعات المهمة لصالح ما هو سهل ومُستهلك، وأنها باتت ظاهرة تشكل مكوناً رئيساً من مكونات الحياة لكثر.

واعتبر بدراوي انتشار وسائل الإعلام المرئي و"السوشيال ميديا"، حيث الفيديوهات القصيرة والمحتوى السطحي الذي لا يتطلب تفكيراً عميقاً، السبب الرئيس لانتشار التفاهة، وأضاف: "منصات مثل ’إنستغرام‘ و’تيك توك‘ تمجد البساطة الفارغة على حساب المعرفة والتحليل على رغم إمكان استخدامها لتعميق الثقافة، وهناك من يقوم بذلك"، "لكن عندما تصبح التفاهة هي المعيار السائد، يقل الميل لدى الأفراد لممارسة التفكير النقدي والتعمق في القضايا، يفضلون التلقين السريع والآراء السطحية من دون أية محاولة للفهم أو التحليل، وينتج من ذلك تراجع في مستوى الحوار الثقافي والمجتمعي، وبدلاً من مناقشة القضايا الجوهرية مثل العدالة والحرية والتنمية، ينشغل الناس بالقضايا الهامشية والفضائح والمحتوى الترفيهي الذي لا يضيف شيئاً إلى الوعي الجماعي، بل ينتقص منه".

يكمن الحل، في نظر بدراوي، في توافر وتمكين قيادات سياسية واجتماعية لديها العمق الثقافي لتفهم خطورة التفاهة وانتشارها، كذلك يمكن للتعليم الجيد الحديث القائم على التفكير النقدي أن يؤدي دوراً كبيراً في مواجهة التفاهة عن طريق تعزيز مهارات التفكير النقدي والتشجيع على القراءة والبحث العلمي، على أن تكون الحياة المدرسية والجامعية مشجعة على الاستقصاء، والفضول الفكري، والمشاركة المجتمعية، والرياضة والفن، والتشجيع على الحوار العميق.

 

وبعيداً من أن هذا النوع من التعليم غالباً يصطدم بحدود وقيود وعراقيل سطوة المؤسسات الدينية وتغلغل المفاهيم الرجعية والمقيدة للعقل المتصلة بالدين في المجتمع، تبقى حرية اختيار المتلقي للتفاهة أو الجدية قائمة، لا سيما أن هناك إجماعاً على أن التفاهة قديمة قدم التاريخ.

يعتقد بعضهم أن التفاهة حكر على مجتمع دون آخر، أو فئة عمرية أو طبقة اجتماعية أو اقتصادية أو تعليمية أكثر من غيرها، لكن واقع الحال يشير إلى أن التفاهة لم تعد حالاً فردية، أو قاصرة على مجتمع دون غيره أو مرحلة ثقافية واجتماعية طارئة، بل صارت أسلوب حياة. تكمن الاختلافات فقط في نسب تبني التفاهة (مقارنة بالجدية والقيمة) بين الأفراد وبعضهم بعضاً، وكذلك في مقدار اهتمام المؤسسات الرسمية بالعمل على مجابهة التفاهة، وربما استباقها بتقوية مناعة المواطنين عبر جرعات الثقافة والوعي والمعرفة، وكذلك جودة التعليم ونشر قيم العدل والمساواة والفرص، لتقليص هوامش الهرب من مقلاة الظلم والحرمان والفقر إلى نيران التفاهة.

التفاهة تحيط بالكوكب

على رغم انتشار التفاهة في المجتمع، بدءاً بالموضوعات الأكثر قراءة والفيديوهات الأكثر مشاهدة والكلمات الأكثر بحثاً، مروراً بالتساهل والتهاون في اتباع معايير موضوعية في اختيار الكفاءات وتفضيل الممثلين لا القادرين، وانتهاء بتحصين التفاهة عبر تمويهها بخطاب ديني غارق في تفاصيل لا تقدم ولكن تؤخر، أو عبر إضفاء هالة من العمق عليها، فإن التفاهة تحيط بالكوكب كله من دون استثناء.

المرجعية في تأصيل النظام العالمي الغارق في التفاهة هو أستاذ الفلسفة والكاتب الكندي آلان دونو صاحب الكتابات العديدة عن التفاهة والسطحية والأنظمة الرأسمالية، أحد أشهر كتبه "نظام التفاهة" (2018)، الذي وضع فيه أسس نظريته عن تحول "المتوسطية" والمقصود بها تمكين القدرات والمهارات المتوسطة لدرجة التواضع وأصحابها من الهيمنة الاجتماعية والسياسية من السلطة بأنواعها، هؤلاء يعملون على تثبيط السعي نحو التميز والتفكير النقدي لصالح القبول الجماعي للمعايير والقيم والأشخاص "العاديين" المائلين للتفاهة.

ويصف دونو ملامح عصر التفاهة في حكم الشخص المتوسط أو العادي القدرات، إذ السباق لا يكون صوب القاع، بل في اتجاه المنطقة الوسط، وهو عصر يستبدل بالكفاءة الامتثال، وفيه يجري ترجيح كفة الأشخاص ذوي الكفاءة المتوسطة الذين يجارون القيم والمعايير المتوسطة، بدلاً من الأفراد ذوي المهارات المتفردة والقادرين على التشكيك في جودة الوضع الراهن.

 

ويتسم هذا العصر كذلك بالغباء الوظيفي، إذ يجري بسط سطوة "ضرورات أيديولوجية" (مثل الدين السياسي، أو اليمين المتطرف، أو القومية المتطرفة) وتصبح أسلوب حياة وتفكير وسلوك.

وفي نظام التفاهة الراهن كما يراه دونو، تهيمن الحوكمة، التي يعرفها بأنها نهج إداري يركز على تلبية التوقعات المحددة سلفاً والمدفوعة بقوى السوق، بدلاً من السياسة بمفهومها الشامل والمرن والمتحرك والمبدع، وكل ما سبق يؤدي إلى تسطيح الحياة العامة وتجريد العقل من حسه الفكري، وانتشار اللامبالاة الثقافية والسياسية، والإغراق في التفاصيل الفرعية والموضوعات السطحية.

محلياً، يعتبر كثر التفاهة نتاج ثقافة غربية مستوردة، تهدف إلى هدم القيم الأصيلة، وتفتيت الأساسات الإسلامية الراسخة، ويتجاهل أصحاب هذا الاتجاه شكوى الغرب نفسه من انتشار التفاهة، لكن بأشكال ودرجات مختلفة، وكذلك بدرجة وعي وإقرار مغايرة بوجود مشكلة في ما يتعلق بهيمنة التفاهة، وكذلك في ظل وجود حوائط صد وهوامش حماية إضافية تتمثل في علم وتعليم وحقوق وتعدد مصادر المعرفة وغيرها.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات