ملخص
يعد إجبار الأوكرانيين في الأراضي المحتلة على الحصول على جوازات سفر روسية أمراً بالغ الأهمية أيضاً في ما يتعلق بما يشير إليه التقرير باسم "خط التجنيد الإجباري"، إذ يعد الأطفال بصورة منهجية للخدمة العسكرية في المستقبل. وبإجبارهم على الحصول على الجنسية الروسية، يصبح الفتيان مؤهلين للتجنيد الإجباري فور بلوغهم سن الـ18، لذلك فإن هناك أدلة واضحة على أنهم لا يؤدون الخدمة العسكرية النظامية فحسب، بل يرسل كثير منهم إلى جبهات القتال، إذ لقي عدد منهم حتفه.
لا ينبغي لأية حرب أن تتحول إلى لعبة مدمرة للإنسان والذاكرة والمكان، لذلك لا يقع كل الضحايا في حرب روسيا وأوكرانيا في صفوف من يقتلون بالرصاص أو بسلاح المسيرات أو بالصواريخ، فقبل أن ينقشع غبار المعارك بين روسيا وأوكرانيا بدأ كثير من فظائع هذه الحرب النفسية بالخروج إلى العلن. فهذه الحرب هي حرب شاملة ذات أهداف استعمارية وأطماع توسعية، والأسوأ والأكثر ألماً في مثل هذه الحروب كون كثير من الضحايا من الأطفال.
في هذا السياق دققت مواقع إخبارية وعلمية بريطانية في حقيقة ما تقوم به روسيا من انتهاكات لحقوق الأطفال الأوكرانيين في المناطق التي تخضع لسيطرتها، وكانت نتائج التحقيق صادمة أكثر من المتوقع، إذ أكدت البعثة السادسة التي أنشأتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا منذ عام ٢٠٢٢ للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالهجوم الروسي على أوكرانيا التي تركز تحديداً على الأطفال، أن روسيا تسعى بكل الطرق إلى طمس هوية الأطفال الأوكرانيين الخاضعين لسيطرتها.
وقال أحد تلك المواقع "لقد حققنا في عملية التلقين العسكري الروسي للأطفال الأوكرانيين في الأراضي المحتلة، وكانت النتائج التي توصلنا إليها أكثر إثارة للصدمة مما تخيلنا".
من هم المحققون؟
طبيعة الأشخاص الذين قاموا بنقل الصورة إلينا لها أهميتها، فالمحققون الأساسيون في هذا التقرير هم: ستيفان وولف أستاذ الأمن الدولي في جامعة "برمنغهام"، وإلينا شتاينرت وهي باحثة زائرة لدى مركز حقوق الإنسان في جامعة "بريستول"، وهيرفيه أسينسيو المتخصص في مجال القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة "السوربون".
وجاءت أقوال وشهادات هؤلاء في مقالة نشرت على موقع الحوار البريطاني بتاريخ الـ31 من يوليو (تموز) عام 2026 وجاء فيها "عندما طلب منا التحقيق في عمليات التلقين والعسكرة الروسية للأطفال المقيمين في الأراضي الأوكرانية التي تحتلها موسكو منذ عام 2014، كانت لدينا فكرة عامة عن سياسات الاحتلال التي يتبعها الكرملين، فقد نشأ اثنان منا في لاتفيا وألمانيا الشرقية، اللتين كانتا آنذاك تحت الاحتلال السوفياتي، وكنا على دراية مسبقة بالنهج السوفياتي في التربية".
أضاف الباحثون الثلاثة "لكن عندما ذهبنا إلى أوكرانيا، صدمنا بما وجدناه، فقد كانت هناك أدلة كثيرة على الطبيعة المنهجية والقسرية لسياسات الاتحاد الروسي التي تسعى إلى طمس هوية الأطفال الأوكرانيين الخاضعين لسيطرته".
وكان تحقيق هذه البعثة وهي السادسة التي أنشأتها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا منذ عام 2022 للتأكد من انتهاكات حقوق الإنسان المتعلقة بالهجوم الروسي الشامل على أوكرانيا. وكانت البعثة هي الثانية التي تركز تحديداً على الأطفال، وتناولت البعثة الأولى من هاتين المهمتين مسألة نقل الأطفال قسراً إلى الاتحاد الروسي.
ولفت الباحثون إلى أن مهمتهم كانت البناء على المهمة الأولى وتقييم ما إذا كان سلوك روسيا خلال الحرب ضد أوكرانيا ينتهك القانون الدولي المعمول به، مثل اتفاقات جنيف واتفاق حقوق الطفل.
كم هائل من البيانات
كعادتهم، يتعامل أساتذة العلوم والأكاديميون مع كم هائل من المعلومات، ويفضلون أيضاً تنويع مصادرهم، فخلال الأسابيع الثلاثة لمهمتهم، جمع الباحثون وحللوا "كماً هائلاً من البيانات"، وشملت تلك البيانات تقارير مكتوبة وتعليقات وبيانات صادرة عن منظمات دولية كالأمم المتحدة، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومجلس أوروبا، والاتحاد الأوروبي. وجمعوا شهادات من شباب تعرضوا للتلقين والتجنيد العسكري في طفولتهم في الأراضي الأوكرانية التي احتلتها روسيا سواء عبر الإنترنت أو شخصياً، واستمع هؤلاء أيضاً إلى شهادات معلمين قضوا فترة من الزمن تحت الاحتلال قبل فرارهم إلى مناطق تسيطر عليها الحكومة الأوكرانية.
زيارة إلى كييف
وخلال زيارة إلى كييف، أجرى الباحثون أيضاً سلسلة من المقابلات مع ممثلين عن مؤسسات حكومية أوكرانية ومنظمات المجتمع المدني، لذلك قدم تقريرهم، الذي قدم إلى المجلس الدائم لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا في التاسع من يوليو، تفاصيل مؤلمة وشهادات مروعة. وعلى سبيل المثال، وثق الباحثون في إحدى الشهادات المكتوبة التي اطلعوا عليها ما أوضحه شاهد شرح لهم كيف قام مدير المدرسة المحلية، برفقة جنود مدججين بالسلاح، بالتجول من منزل إلى آخر لاستجواب أولياء الأمور الذين لا يرسلون أبناءهم إلى المدرسة، ولم يتقدموا بعد بطلبات للحصول على جوازات سفر روسية، إذ هدد مدير المدرسة بسحب حقوقهم الأبوية، كما أكد للآباء أن أطفالهم سيودعون في مؤسسات رعاية "إذا لم يستجيبوا لهذه الضغوط"، وأكد الباحثون بدورهم أنه "أمام هذا الاستعراض للقوة الحكومية رضخ أولياء الأمور في نهاية المطاف لما يطلبه الجنود".
في هذا الصدد قال الباحثون "هذه الحادثة تحديداً، التي لا تعد حالاً معزولة وفقاً للأدلة التي جمعتها الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، تبين مستوى الإكراه الممارس ليس فقط على الأطفال، بل على أسرهم بأكملها، وتظهر الحادثة المذكورة مدى تواطؤ مختلف الأجهزة الحكومية في هذا الأمر".
جوازات سفر روسية
يعد إجبار الأوكرانيين في الأراضي المحتلة على الحصول على جوازات سفر روسية أمراً بالغ الأهمية أيضاً في ما يتعلق بما يشير إليه التقرير باسم "خط التجنيد الإجباري"، إذ يعد الأطفال بصورة منهجية للخدمة العسكرية في المستقبل. وبإجبارهم على الحصول على الجنسية الروسية، يصبح الفتيان مؤهلين للتجنيد الإجباري فور بلوغهم سن الـ18، لذلك فإن هناك أدلة واضحة على أنهم لا يؤدون الخدمة العسكرية النظامية فحسب، بل يرسل كثير منهم إلى جبهات القتال، إذ لقي عدد منهم حتفه.
منظمة "حركة الأول"
في سبيل تنشئة هؤلاء الأطفال كجنود يقاتلون ضد بلادهم، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أعادت منظمة "حركة الأول" الشبابية الوطنية، التي أنشأها فلاديمير بوتين في ديسمبر (كانون الأول) عام 2022، إحياء لعبة حرب عسكرية تعود إلى الحقبة السوفياتية، التي تم تطبيقها في الأراضي المحتلة منذ بداية العام الدراسي 2024. وكجزء من الأنشطة العسكرية في اللعبة، يقسم الأطفال إلى جيوش، ويتدربون على تجميع الأسلحة، وتشغيل الطائرات المسيرة، والعمل كقوات اقتحام، وإكمال دورات تدريبية على العوائق العسكرية التكتيكية، كذلك يتدربون على الحرب السيبرانية.
وهنا أشار الباحثون أيضاً إلى أن "معهد دراسات الحرب يصف هذه اللعبة بأنها جزء من منظومة روسية أوسع نطاقاً تعمل في كل أنحاء أوكرانيا المحتلة بهدف صريح هو عسكرة الأطفال الأوكرانيين، وتلقينهم أفكاراً مناهضة لهويتهم الأوكرانية، وتدريبهم على القتال في صفوف الجيش الروسي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أطفالنا!
أصبح السؤال الكبير الآن لهؤلاء بعد كشف هذه التلاعبات الخطرة هو عن هوية هؤلاء الأطفال؟ فهل يظلون أطفالاً أوكرانيين أم أن فكرة طمس الهوية تجعلهم جنوداً روساً أشداء بالفعل؟
في هذا السياق أكد التقرير أن "روسيا لا تنكر حدوث ذلك"، بل إنها بررته علناً، فقد قال مسؤولون روس رفيعو المستوى منهم يانا لانتراتوفا، وهي نائبة رئيس لجنة التعليم في مجلس الدوما سابقاً، والمفوضة الحالية لحقوق الإنسان في روسيا، في إشارة خاصة إلى الأطفال في أوكرانيا المحتلة، إلى أن الاتحاد الروسي "يجب أن يهتم أولاً وقبل كل شيء بالأمر الأهم وهو أطفالنا"، ورأت المسؤولة أن على روسيا أن "تنميهم وتنير عقولهم، وأن تغرس فيهم الشعور بالانتماء إلى الوطن؟".
وهنا، احتج الباحثون بشدة وقال تقريرهم بكل وضوح مخاطباً الرأي العام العالمي والضمائر الحية "إلا أن هؤلاء ليسوا أطفالاً روساً، بل هم أوكرانيون"، مضيفين "لم يترك لنا الدليل الذي جمعناه لتقريرنا أي شك في أن سياسات الاحتلال الروسي تشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي في ما يتعلق بتلقين الأطفال الأوكرانيين المقيمين في الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية وعسكرتهم". ولفت الباحثون هنا إلى دور التعليم، إذ يعد التحويل غير القانوني للنظام التعليمي في الأراضي الأوكرانية المحتلة انتهاكاً صريحاً للمادة 43 من لوائح لاهاي والمادة 50 من اتفاقية جنيف الرابعة. وهذا ما دفع اللجنة إلى دعوة جميع الأطراف إلى الاعتراف الفوري والفعال بمعاناة الأطفال الأوكرانيين وتدارك الخطر على سلامتهم وهويتهم وحياتهم الأسرية في ظل الحرب الدائرة وفي كل المفاوضات.
غزو العقول الشابة
وسأل الباحثون "إذاً، كيف يبدو نظام التلقين والعسكرة، وكيف يعمل؟"، وهنا أجاب الأساتذة الجامعيون "يحظر استخدام اللغة الأوكرانية في المدارس، ويعرقل استخدامها بصورة كبيرة في الحياة العامة والخاصة، ويخضع الأطفال الأوكرانيون للتعليم وفقاً للمناهج الدراسية الروسية الرسمية، التي تتضمن الآن مستويات عالية من تزييف التاريخ والتلقين الأيديولوجي".
في هذا السياق كشفت وسائل إعلام واكبت الحدث أن "كتاب التاريخ للصف الـ11 يخصص 29 صفحة لما يسمى العملية العسكرية الخاصة، إذ يصور كتاب التاريخ غزو أوكرانيا على أنه رد دفاعي على عدوان غربي"، وقد استخدمت نسخ من هذا الكتاب للمراحل الدراسية الأدنى، بدءاً من الصف الخامس، وفي كل مدارس تلك الأراضي المحتلة منذ بداية العام الدراسي 2025-2026.
من جهة ثانية، صنفت منظمة العفو الدولية هذا الكتاب المدرسي بأنه محاولة سافرة لتلقين أطفال المدارس في روسيا والأراضي الأوكرانية المحتلة أيديولوجيات غير مشروعة. ووفق المنظمة ذاتها "يتعرض الأطفال الأوكرانيون لكامل أدوات العسكرة الروسية"، فعلى سبيل المثال ومنذ بداية العام الدراسي 2023-2024، أصبح مقرر أساسات أمن الوطن والدفاع عنه إلزامياً في كل مدارس الأراضي المحتلة. وتفيد تقارير إعلامية روسية بأن هذا يعني عودة التدريب العسكري الأولي كجزء من دروس السلامة العامة.
بدورها بينت الأمم المتحدة أن هذا يشمل "170 ساعة من التدريب العسكري، بما في ذلك التدريب على الأنواع الرئيسة من القنابل اليدوية، والأسلحة الصغيرة، وقاذفات القنابل اليدوية المضادة للدبابات، وبنادق القنص".
نبذة تعريفية
في نبذة تعريفية عن الباحثين الثلاثة في هذا التقرير قال الموقع البريطاني إن الأستاذ في الأمن الدولي في جامعة "برمنغهام" في المملكة المتحدة، ستيفان وولف، هو مؤلف ومحرر 24 كتاباً وأكثر من 100 مقالة في دوريات علمية، وهو عالم سياسي متخصص في إدارة التحديات الأمنية المعاصرة، لا سيما في منع وتسوية النزاعات العرقية والحروب الأهلية، وفي إعادة الإعمار بعد النزاعات، وبناء السلام، وبناء الدولة في المجتمعات المنقسمة بشدة التي مزقتها الحروب. وتشمل خبرة ستيفان أيضاً الجغرافيا السياسية، بخاصة التنافس بين القوى العظمى في أوراسيا، ولديه خبرة واسعة في إيرلندا الشمالية، والبلقان، ووسط وشرق أوروبا، والاتحاد السوفياتي السابق، وعمل على مجموعة واسعة من النزاعات الأخرى في أماكن من العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط، وأفريقيا، ووسط وجنوب وجنوب شرقي آسيا.
أما الباحثة الزائرة في مركز حقوق الإنسان في جامعة "بريستول" إلينا شتاينرت فهي حاصلة على ماجستير في القانون، وهي أكاديمية ومحامية في مجال حقوق الإنسان، وتتمتع بخبرة تزيد على 20 عاماً في هذا المجال. وهي عضوة في اللجنة الفرعية للأمم المتحدة المعنية بمنع التعذيب 2023-2026، وعضوة سابقة ورئيسة مقررة في فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي 2016-2022. وفي أبريل (نيسان) عام 2023، عينت شتاينرت متخصصة مستقلة لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والمعنية بمسألة النقل القسري للأطفال داخل أجزاء من الأراضي الأوكرانية الخاضعة لسيطرة روسيا أو احتلالها موقتاً، أو ترحيلهم إلى الاتحاد الروسي.
بدوره عمل المتخصص في مجال القانون الدولي في كلية الحقوق بجامعة "السوربون" هيرفيه أسينسيو محامياً في كثير من القضايا أمام محكمة العدل الدولية، وعمل أيضاً متخصصاً أمام عدد من هيئات التحكيم الاستثماري وفي محكمة التوفيق والتحكيم التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وله عدد من المؤلفات في القانون الدولي العام، والقانون الجنائي الدولي، والقانون الاقتصادي الدولي.