ملخص
أمس بدت الوجبة الإخبارية والتحليلية التي صنعت خصيصاً لك وكأنها غاية المنى وكل المراد، واليوم ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، فهذه الصوامع أو الفقاعات أو الغرف المعرفية المنفصلة المصممة خصيصاً لصاحبها، هل صنعت مجتمعات أكثر وعياً وإدراكاً، أم أفراداً في مجتمعات يحمل كل منهم وعياً خاصاً به، وإدراكاً ذاتياً لا يشاركه فيه سوى المتطابقين معه فكرياً؟
تطبيق يقدم توليفة من الأخبار التي يفضلها المستخدم من المصادر التي يختارها، منصة تقدم وجبات يومية من التحليلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المصنوعة خصيصاً لتناسب اختيارات وتوجهات كل على حدة، صفحات وحسابات الـ"سوشيال ميديا" مصممة بصورة تجعل صاحبها متحكماً – إلى حد ما - في حذف وإضافة ما ومن يناسب هواه ويتواءم مع رؤاه للعالم كما ينبغي أن يكون، أو لا يكون.
فقاعات وصوامع ومليارات
هذه المنصات الرائعة تتعرف إلى تفضيلات المستخدم، ترصد ما يحب، وتتتبع ما يهوى، وتتعرف إلى ما يستفزه ويغضبه، تقترح عليه قصصاً وموضوعات، وتقدم له مجموعة من المصادر والقنوات والحسابات تناسبه ولا تعكر صفوه.
وهذه التطبيقات المبدعة لديها من التقنيات الذكية والأدوات المبدعة ما يمكنها من تقديم خدمات موجز الأخبار، أو روابط لها، وتحليلات المتخصصين، ولكن بحسب انتماءات وأيديولوجيات تناسب المستخدم.
إنه المحتوى الخبري والتحليلي والمعرفي، وكذلك الترفيهي، المختار بعناية، وسواء يختاره محررون تحولوا من العمل الصحافي التقليدي إلى العمل الصحافي "الجديد"، أو عبر خوارزميات تنتقي الأخبار والمقالات والفيديوهات المفصلة لكل "مستهلك" على حدة، يبقى المنتج النهائي "صنع خصيصاً لك".
أمس، بدت الفكرة، وجبة إخبارية وتحليلية صنعت خصيصاً لك وكأنها غاية المنى وكل المراد، اليوم، ذهبت السكرة وجاءت الفكرة. هذه الصوامع أو الفقاعات أو الغرف المعرفية المنفصلة المصممة خصيصاً لصاحبها، هل صنعت مجتمعات أكثر وعياً وإدراكاً بصورة عامة؟ أم صنعت أفراداً في مجتمعات يحمل كل منهم وعياً خاصاً به، وإدراكاً ذاتياً لا يشاركه فيه سوى المتطابقين معه فكرياً؟
بدأ مفهوم "الصوامع" أو "القاعات" الإخبارية والمعرفية قبل عقود، الدول التي فرضت سيطرة معرفية كاملة وبسطت هيمنة كلية على الإعلام لا سيما في النصف الأول من القرن الـ20، سواء عبر حكم شمولي، أو شيوع نظام الحزب الواحد، أو الأيديولوجيا الواحدة، أو عبر فرض رقابة صارمة نجحت في صناعة صومعة أو فقاعة خبرية ومعرفية واحدة على شعوبها، صحيح أن بعضهم كان ينجح في التسلل إلى إذاعة أجنبية هنا، أو التعرف إلى وجهة نظر مختلفة عبر مسافر أو زائر هناك.
محطات تلفزيونية وإذاعية وصحف تملكها الدولة، يسيطر النظام على المحتوى، القصة واحدة، والسرد متطابق، والخطوط الفاصلة بين البروباغندا والإعلام ضبابية، والنتيجة كانت صومعة واحدة تجمع الكل، إلا قليلاً.
وهناك من يرى أنه حتى في الدول التي تمتعت بالتعددية السياسية، وكذلك الإعلامية، لعبت وسائل الإعلام بتوجهاتها المختلفة والمتدرجة بين أقصى اليمين وأقصى اليسار وما بينهما، بدور صناعة الصوامع أو الفقاعات نفسها، ولكن عبر اختيار القارئ أو المشاهد أو المستمع لما يتابع منها، بناءً على أفكار وأولويات مسبقة.
وعلى رغم ذلك تبدو هذه الفقاعات أو الصوامع مختلفة في تركيبتها وقواعدها وأهدافها عن تلك الفقاعات المليونية، وربما المليارية التي تغزو دول الأرض بثقة وسرعة وهدوء، إذ يحمل كل من هذه المليارات من البشر مخزوناً خبرياً وتحليلياً ومعرفياً يختلف عن الآخر.
قد تكون الأخبار واحدة ومتطابقة، لكن التناول يختلف بحسب الانتماء، والتحليل يراوح بناءً على الرغبة، حتى ترتيب الأهمية قابل للاختلاف والخلاف.
الأرقام المتوافرة عن عدد المستخدمين الناشطين على "أبل نيوز" على سبيل المثال، أشارت إلى نحو 125 مليون مستخدم (2020)، ونحو 150 مليوناً على "غوغل نيوز"، ولدى "فليب بورد" نحو 145 مليون مستخدم نشط، وهلم جرا.
ملايين المستخدمين حول العالم باتت لديهم "بدقة زر" وجبة خبرية وتحليلية وترفيهية فيها الموضوعات والقضايا والزوايا التي يفضلونها، والتفضيل لا يعني بالضرورة أهم أو أخطر أو أبرز أحداث الكوكب، بل ما يظن المستخدم أنها كذلك.
زوجان وجزيرتان وهوة
زوج وزوجة يعيشان تحت سقف واحد، يأكلان الطعام نفسه، ويجمعهما الأبناء والأحفاد أنفسهم، لكن لكل منهما وجبته الإخبارية المختلفة على التطبيق ذاته، هو يفضل أخبار أميركا والصين ومناطق الصراعات ومستقبل العملات الرقمية ونتائج مباريات كرة القدم والجديد في مجال علاج أدوار البرد والإنفلونزا، وهي تختار أخبار منطقة الشرق الأوسط، والصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وقضايا المناخ والبيئة والحيوانات الأليفة. هو يظن أن حاضر ومستقبل العالم يتوقفان على العلاقة بين أميركا والصين، ومآلات الصراعات الدولية التي ستحدد مصائر أمم ومستقبل دول، وهي تعتقد أن الكوكب كله يتمحور حول حرب غزة وانعكاساتها، والصراع المتمدد في الشرق الأوسط، وفي القلب من كل ذلك قضايا المناخ التي تهدد الجميع بالفناء. هو يعتقد أن سكان الأرض ينامون على وقع أخبار أميركا والصين، ولا يستوي يومهم من دون الاطلاع على موقف العملات الرقمية ونتائج المباريات الأوروبية، وهي تعتقد أن حياة سكان الكوكب متوقفة على مآل حرب غزة، وقلوبهم لا تنبض إلا اهتماماً بقضايا المناخ ومصير الوقود الأحفوري وأثر التغيرات في موجات النزوح.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعيداً من الهوة السحيقة بينهما في البيت، حيث يتهم كل منهما الآخر بالانفصال عن الواقع والابتعاد عن الأخبار الحقيقية، فإن مسافات أخرى شاسعة تفصل بين كل منهما وغيرهما من دوائر الأهل والأصدقاء والمعارف والجيران، إذ كل واحد من هؤلاء له صومعته أو فقاعته الخبرية والمعرفية التي يعتقد أنها تمثل أخبار العالم واهتماماته.
على رغم هذه الفقاعات المنفصلة، فإن غالب المقيمين فيها يعتبرونها الوسيلة المثلى للحصول على الأخبار ذات الصلة، وتوفر الوقت والمجهود اللذين يهدران بحثاً عن الأخبار والتحليلات، وتقدم وجبات إخبارية ومعرفية أقل تحيزاً من وجبات القنوات والمواقع والصحف، على رغم ذلك تسمع بين الوقت والآخر جملاً مثل "هذه الوجبات ربما تكون متحيزة أو متلاعبة بالمشاعر أو قادرة على توجيه الرأي تدريجاً" أو "ربما تؤدي التوليفات المفصلة بحسب الاهتمامات والتوجهات إلى أخبار مجتزأة أو مقالات تعبر عن توجهات دون غيرها".
غالبية متيمة وأخطار
تظل هذه الأصوات التي تعي أن "صوامع الأخبار" وفقاعاتها خافتة وغير مسموعة، الغالبية متيمة بوجباتها المفصلة خصيصاً لها، لكن ما يحدث على أرض الواقع يشير إلى أعراض جانبية، يصفها بعض المتخصصين بالخطرة والمتفاقمة.
تفند ورقة عنوانها "الخطر المتفاقم للصوامع الإخبارية" [سبتمبر (أيلول) 2025] لمديرة قسم الصحافة في كلية "هانتر" في نيويورك، سيسيلي مكارثي والمنشورة على موقع "نيوز ليتراسي ماترز" المتخصص في محو الأمية الإخبارية، أبرز آثار توسع استخدام هذه الفقاعات المعرفية في ما يلي: تفاقم الاستقطاب، إذ تساعد على تعزيز المعتقدات والأفكار السائدة أصلاً من دون إفساح المجال لعرض الآراء والمواقف المختلفة، وهو ما يعمق الانقسامات بين الجماعات السياسية، ويساعد على ضعف فهم الموضوعات المختلفة، ويجعل الأمر يبدو وكأن هناك طريقة واحدة لفهمها، وهو ما يمنع التعاطف ويغلق الباب أمام إمكان فهم كيف يفكر الآخرون، أو كيف يتصرفون بالطريقة التي يتصرفون بها، ذلك يعرقل ويجهض أي جهود أو محاولات للنقاش أو تبادل وجهات النظر، كذلك أدى إلى انتشار المعلومات المضللة أو القضايا المعروضة من وجهة نظر واحدة مع تغييب حقائق من شأنها أن تؤثر هي الأخرى في تشكيل الرأي العام، كل ما سبق يصب في صالح "غرف الصدى" حيث لا يسمع الناس إلا ما يتفقون معه مسبقاً، وهو ما يخلق واقعاً مشوهاً أو مبتسراً أو مجتزأً.
تجدر الإشارة إلى أن الصوامع الإخبارية لا تنشأ فقط عبر تطبيقات تمنح خدمة الأخبار والتحليلات المجمعة خصيصاً لتناسب أذواق وأهواء وتوجهات، ولكنها تشمل كذلك اعتماد الشخص على قناة تلفزيونية أو موقع إخباري أو محطة إذاعية بعينها مصدراً للأخبار والمعلومات، لأنها تأتي على هواه.
عالمة الاجتماع المتخصصة في شؤون الحوسبة في جامعة "كاليفورنيا" الأميركية هوما حسين ماردي، أشارت في بحث لها إلى أن الأخبار التلفزيونية يمكن أن تكون عاملاً بالغ الأهمية في الاستقطاب السياسي، وأن 17 في المئة من الأميركيين مستقطبون سياسياً بسبب متابعتهم الأخبار التلفزيونية الأحادية من قنوات بعينها.
وأشارت إلى أنه على رغم انخفاض عدد مشاهدي الأخبار التلفزيونية عموماً، فإن جمهور الأخبار التلفزيونية المتحيزة آخذ في النمو، مما يعني أن الجمهور يمر بعملية "تصفية"، إذ يزيد اتجاه المشاهدين المتبقين للتحيز، كذلك ترتفع نسبة مستهلكي الأخبار التلفزيونية المتحيزة.
وعلى رغم أن النسبة تبدو بسيطة، فإنها تؤثر كثيراً في توجهاتهم الانتخابية، ومن ثم اختيارات النواب والرؤساء وغيرهم، وحذرت من أن هذه النسبة إلى زيادة.
وقد أوردت مكارثي في ورقتها عن أخطار الصوامع الإخبارية مقارنة بين تغطية ثلاث مؤسسات إعلامية تمثل اليمين واليسار والوسط لخبر واحد، بدا وكأنه ثلاثة أخبار مختلفة.
وتمتد الصوامع والفقاعات الإخبارية والمعرفية بصورة واضحة وصريحة على الـ"سوشيال ميديا"، وهي الموطن الأصلي والمنشأ الأكبر للفكرة، بين من "يطهر" صفحته على "فيسبوك" بحيث لا تحوي إلا من يتطابقون معه فكرياً، ومن لا يتابع سوى شخصيات معروفة بتوجهات بعينها تتواءم مع ما يؤمن به، وغيرها من منصات الـ"سوشيال ميديا" التي يسهل على المستخدم تكييفها بصورة تناسبه ولا تشعره بالتوتر أو القلق أو الخوف لدى سماع أو مشاهدة أو قراءة ما يتناقض وأفكاره ومعتقداته المسبقة.
تحول كثير من الصفحات والحسابات إلى "أماكن راحة" نفسية وفكرية ومعرفية Comfort zones لأصحابها يأتي محملاً بأثر جانبي، ألا وهو عدم مطابقتها الواقع حيث الخلاف والاختلاف والرؤى أشمل.
الربيع والفقاعات والعرب
في عصر الصوامع والفقاعات الإخبارية لم يعد الأمر مقتصراً على مشترك في خدمة أخبار مصنوعة خصيصاً له، أو قناة تلفزيونية معروفة بأجندة وأيديولوجيا وتوجهات مسبقة، أو حتى حسابات وصفحات على الـ"سوشيال ميديا" خضعت لعمليات "تطهير" جعلت منها مهندسة فكرياً وعقائدياً وأيديولوجياً بحسب رغبة صاحبها، ولكنها أصبحت أسلوب عمل وطريقة استهلاك وحرية اختيار.
استشاري تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي أحمد عصمت قال لـ"اندبندنت عربية"، إن هذه الفقاعات تشمل "فقاعات الجمهور" الذي يسمع أو يشاهد أو يقرأ فقط المحتوى المهندس مسبقاً، وأيضاً "فقاعات الصحافيين" الذين يتعاملون مع مصادر بعينها لا تعكس إلا وجهة نظر واحدة فحسب، وهذا له صلة وثيقة بوجود الصحافيين على الـ"سوشيال ميديا" بصورة مفرطة، وهناك كذلك "صوامع المؤسسات" التي تختار لنفسها أن تعمل في جزر منعزلة، وكل ما سبق يؤثر كثيراً في المخزون الجمعي المعرفي وتكوين الرأي العام، وهنا يصبح المخزون ذا لون ونكهة وتوجه واحد، ويتحول الرأي العام إلى صدى لهذه الصوامع.
ويشير عصمت إلى أن المنطقة العربية وملايين المتلقين فيها ليسوا بعيدين من هذه الصوامع والفقاعات، ويمكن القول إن بوادرها كانت عام 2010، وبدء هبوب ما يسمى "رياح الربيع"، ويضيف أن غالبية الدول العربية عرفت على مدى الـ15 عاماً الماضية ما يعرف بالاستهلاك الانتقائي للأخبار والمعلومات، وقام العصر الرقمي وانتشار الإنترنت والـ"سوشيال ميديا" بدور تيسيري كبير لمزيد من هذا الانتقاء، وفاقم من الآثار السلبية طبيعة المنطقة العامرة بالتحزبات والطوائف والصراعات السياسية والدينية.
ويضاف إلى هذه الأجواء الميسرة والمسهلة والداعمة للاستهلاك الانتقائي بزوغ ظواهر مثل الجيوش والذباب الإلكتروني، التي يتم استغلالها لمزيد من الاستحواذ على العقول والقلوب وتوجيهها بحسب الرغبة، ناهيك بضلوع أنظمة في دفع ودعم هذا النوع من الانتقاء عبر استخدام الأدوات التقنية نفسها التي تستخدم لصناعة الصوامع والفقاعات الإخبارية والمعرفية، أما الأهداف فكثيرة، ومنها صناعة وتوجيه الرأي العام، وتفتيت أصوات أو تجميعها، وتوجيه الناخبين، وإشعال الغضب أو إخماده.
وينبه عصمت إلى أنه لا يمكن كذلك تجاهل الدور التقني في صناعة هذه الصوامع، لا سيما الخوارزميات المصممة بصورة تعظم التفاعل مع المحتوى الذي يثير المشاعر سواء كانت غضباً أو فرحاً أو عنفاً أو يأساً أو غيرها، كذلك تقوم بمكافأة هذا النوع من المحتوى القائم على التحيز، وتساعده على الانتشار.
"الاصطناعي" يدلو بدلوه
دخول الذكاء الاصطناعي بقوة على خط الصوامع والفقاعات الإخبارية والمعرفية يقوي من شوكتها ويدعم استمراريتها لحين إشعار آخر، في ورقة عنوانها "كيف ينظر الجمهور إلى تخصيص الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي؟" [يونيو (حزيران) 2025] للباحثة في "معهد رويترز لدراسة الصحافة" آمي روس آرغادوس، تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أدخل تغييرات جذرية على قواعد تشكيل وتجهيز الوجبات الإخبارية والمعرفية.
تقول آرغادوس إنه إضافة إلى تمكين مزيد من التخصيص في اختيار الأخبار، يتيح الذكاء الاصطناعي التوليدي تخصيص تنسيقات الأخبار وفقاً لحاجات وتفضيلات كل مستخدم، مع توفير إمكانات جديدة مثل روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي التوليدي، والقادرة على الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالأخبار، ولكن يظل مدى انتشار ونجاح هذا النوع من الأخبار والمعارف المصنوع خصيصاً للأفراد قيد تفاعل المستخدمين معه ومدى قبولهم له.
المؤشرات الأولية تشير إلى وجود درجات قبول جيدة لتخصيص الأخبار بالذكاء الاصطناعي في مجالات مثل الطقس والموسيقى والترفيه، ويختلف الأمر مع الأخبار، إذ يبدي المستخدمون درجات رضا أو راحة أقل في المحتوى الإخباري المجمع عبر أدوات الذكاء الاصطناعي.
بصورة عامة الراضون بالوجبات الإخبارية والمعرفية المصنوعة خصيصاً لهم يذكرون أسباباً مثل مواءمة الأخبار لاهتماماتهم، أو توفير الوقت والجهد، أما تحيز الأخبار أو الاكتفاء بوجهة نظر بعيدة من التعددية، فلا تشغل بال الغالبية كثيراً.
التوجه المتزايد نحو الاستهلاك الانتقائي للمعارف، والدخول في صوامع وفقاعات إخبارية ومعرفية يقود العالم لاتجاهات لا يعلم إلا الله وصناع الصوامع والفقاعات ومتخذو القرار في شأن تنظيم الساحات الإعلامية وتقليم أظافر الشركات التكنولوجية، مآلها.
يقول أحمد عصمت إن التنبؤ بصورة العالم، ولو حتى في المستقبل القريب، في ظل توسع الاعتماد على صوامع الأخبار وفقاعاتها أمر بالغ الصعوبة، فـ"زيادة استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية الكبرى والشات بوت وغيرها من شأنه أن تؤدي إلى مجتمع يعاني تعفناً دماغياً، إذ تتضاءل أعداد من يفكرون بصورة واقعية أو حقيقية أو عميقة، والاكتفاء بما يطل عليهم عبر الشاشة من أخبار ومعلومات، وفي ظل عالم شبه غارق في الاستقطاب فإن الصوامع الإخبارية والمعرفية وانتشارها سيؤدي حتماً إلى مزيد من الانقسامات الفكرية والسياسية والطائفية، مما سينجم عنه شروخ كبيرة في نسيج المجتمعات الواحدة، وبين المجتمعات وبعضها بعضاً، وهذا أيضاً سيؤدي إلى مزيد من الشروخ السياسية والأمنية، أما أبعادها وآثارها الدقيقة فتبقى في علم الغيب والصوامع والفقاعات ومتخذي القرارات".