ملخص
ليس هناك أي دليل على أنه جرى استهداف ثلاث سفن في مضيق هرمز، والتي قالت وسائل الإعلام إنها هوجمت الأحد الماضي، اثنتان فارغتان والثالثة ممتلئة.
أثناء حرب الـ 12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025 عندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران، ظهر عدد كبير من التقارير في وسائل إعلام غربية مرموقة يتحدث عن قيام طهران بإغلاق مضيق هرمز، وانعكاسات ذلك على الأسواق والاقتصاد العالمي، واللافت أن هذه التقارير لا تنقل تصاريح معينة لمسؤولين إيرانيين عن الموضوع، ولكنها كلها تشترك في أن هناك نقاطاً أساسية مكررة في هذه التقارير، مما يوحي أنها جزء من حملة علاقات عامة، وما يجعلها مثيرة للاهتمام هو التوقيت، فشركات آسيوية تحاول البحث عن شريك لتوقيع عقود توريد غاز مسال طويلة المدة، وهذه الشركات كان من المفروض أن توقع مع شركات أميركية، ولكن حروب دونالد ترمب التجارية وفرضه المتكرر الضرائب الجمركية وتقلب سياساته باستمرار، جعل هذه الشركات تركز على عقود مع قطر والإمارات.
هذه الأخبار والتقارير التي ركزت على إغلاق إيران مضيق هرمز كان هدفها إقناع هذه الشركات بأن التوقيع مع قطر أو الإمارات يجعلها رهينة لإيران التي ستغلق مضيق هرمز متى تشاء، ومن ثم فإن المنطق يحتم أن توقع مع شركات أميركية، والحديث هنا عن مئات مليارات الدولارات على مدى العقود الثلاثة المقبلة.
الغاز المسال أصبح جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية للولايات المتحدة وأحد أعمدة الأمن القومي، ومن ثم فإن أية منافسة للغاز المسال الأميركي تعد تهديداً للأمن القومي، ومن هذا المنطق قامت الولايات المتحدة بإجراءات عدة لحماية سوقها من الغاز المسال في أوروبا، واتخذت أسباباً أخرى لتنمية حصتها، إذ تضمن هذه الإجراءات منع ألمانيا من استيراد الغاز الروسي عبر أنبوب "نورد ستريم-2" الذي لم يعمل منذ أن جرى الانتهاء من بنائه قبل خمسة أعوام، وجرى تفجير خط أنابيب "نورد ستريم-1" ومساعدة ألمانيا في بناء أربع محطات لإعادة تغويز الغاز الأميركي، وفرض حظر على منشآت الغاز الروسية الجديدة وكل الحاملات الخاصة بها.
هذه المقدمة كان لابد منها لمعرفة ما حصل في مضيق هرمز السبت الماضي، فقد بدأت رسائل إلكترونية تأتي فجأة لناقلات النفط والغاز المسال تقول إنها من الحرس الثوري الإيراني وتفيد بأن مضيق هرمز مغلق وأنهم لا يستطيعون التقدم لعبوره، وفعلاً خلال سويعات لم يكن هناك أية ناقلات نفط أو غاز مسال في المضيق، واستمر الأمر ساعات عدة.
ليس هناك أي دليل على أنه جرى استهداف السفن الثلاث التي قالت وسائل الإعلام إنها هوجمت أول أمس الأحد، اثنتان فارغتان والثالثة ممتلئة، اثنتان منهما سقطت عليهما قطع من صواريخ جرى اعتراضها في السماء، وإحدى هذه السفن صغيرة وتستخدم في تهريب المنتجات النفطية بين إيران والهند، والكمية التي تحملها عادة صغيرة جداً بمقاييس السفن حاملات النفط العابرة لمضيق هرمز.
وإذا كان هناك أي استهداف فعلي لها فهي مشكلة بين المهربين والحرس الثوري، حيث يشرف الحرس الثوري على عمليات التهريب مع عصابات من دول مختلفة، والسؤال هنا لماذا قام الإعلام الغربي بتضخيم موضوع السفينة الأولى الصغيرة المستخدمة في التهريب وبدأ بإخافة شركات التأمين وملاك السفن، ولم يذكر أنها سفينة صغيرة تابعة للمهربين؟ ولماذا قال إن سفينة من هذه الثلاث هوجمت مع أن ما وقع كان قريباً لها ولم يصبها إطلاقاً؟ وهل هناك أهداف سياسية واقتصادية من هذا التضخيم؟ والجواب نعم بالتأكيد أنه تضخيم مقصود.
أول أمس الأحد وصلت رسائل إلكترونية لحاملات النفط والغاز المسال تقول إنها من الحرس الثوري الإيراني وإن المضيق مغلق وطلب من السفن عدم التقدم باتجاه المضيق، وخلال ساعات توقفت حركة ناقلات النفط والغاز المسال تماماً في المضيق، ووسائل الإعلام الغربية قالت إن الحرس الثوري أغلق مضيق هرمز، وهذا يعني أن إيران أغلقت مضيق هرمز حتى من دون وجود أية قوة عسكرية، وهو مضيق يقع معظمه في عمان، ثم استمرت وسائل الإعلام بالكذب عندما قالت إن الحرس الثوري يسمح فقط للسفن الصينية بالعبور ولا يسمح للسفن الأخرى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الحقيقة أنه لا أحد حتى الآن يعرف مصدر الرسائل ولم يكن هناك أي موقف رسمي إيراني يدعم هذا الموضوع، فمن أرسل هذه الرسائل؟ هناك رأيان: الأول يقول إن شباباً إيرانيين في مقتبل العمر يعملون في "الجيش الإلكتروني الإيراني" قاموا بها من أنفسهم ومن دون توجيه من القيادات الإيرانية، والثاني يرى أن جهات أجنبية أرسلت هذه الرسائل، ولكن الحقيقة أن حركة حاملات النفط توقفت لأنه جاءتها رسائل من شركات التأمين الأوروبية تخبرها بإلغاء بوليصة التأمين أو رفع التأمين بنسب عالية، وبعبارة أخرى هناك حاملات نفط لا تستطيع التحرك من دون وجود تأمين أو قرار من شركتها بالتحرك بعد دفع الزيادة في التأمين، وبعبارة أخرى فإن المشكلة في التأمين وليس في منع إيران السفن من المرور في المضيق، والغريب في الأمر أن سفن بضائع وكونتينرات مرت ولم يحدث لها شيء، ولاحقاً مرت سفن أخرى ولم يحدث لها شيء ولم تُهدد، فلماذا إذاً التركيز على النفط والغاز المسال؟
بالنسبة إلى الأخبار التي تقول إن الحرس الثوري يسمح للناقلات الصينية فقط فهو مخترع، والسبب هو أن موضوع التأمين لا يؤثر في السفن الصينية التي تحصل على التأمين من شركات صينية، وبالتالي فمن المنطقي أن تستمر في الإبحار، والسؤال هنا: من له مصلحة في نشر الأخبار بهذا الشكل؟ ولماذا تجاهل الرئيس ترمب تصرف شركات التأمين الذي رفع أسعار النفط؟
عند كتابة هذه المقالة أعلنت قطر وقف إنتاج الغاز المسال، فمن الرابح من عملية وقف صادرات النفط والغاز المسال من الخليج؟ إنهما ترمب وبوتين، ومن الخاسر؟ إنها أوروبا ولاحقاً الصين، ولكن الواقع المرير أن دول الخليج والعراق ستتأثر سلبياً على المديين القصير والبعيد، ولكن الأمر أبعد من ذلك، فلماذا سيطر ترمب على الملاحة في البحر الأحمر؟ ولماذا يريد السيطرة على قناة بنما وغرينلاند؟ ولماذا سيطر على فنزويلا؟ والحقيقة أنه لا يمكن النظر إلى ما يحصل في الخليج بمعزل عن كل هذه التطورات.