Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اليوم التالي... ماذا بعد إقصاء خامنئي من المشهد؟

فراغ السلطة قد يفتح الباب أمام فوضى شبيهة بليبيا أو العراق وبقاء بنية النظام مع إضعافها قد يقود إلى تحولات داخلية تدريجية

إسرائيل تعول جزئياً على إمكان تحفيز الداخل الإيراني (أ ف ب)

ملخص

اللحظة الراهنة ليست نهاية قصة بل بداية فصل شديد التعقيد، وقد تفضي إلى تعديل في توازنات النظام من دون إسقاطه، وقد تفتح الباب أمام تحولات تدريجية أو تدفع المنطقة إلى دورة جديدة من الصراع المفتوح.

في لحظة إقليمية مشحونة تتقاطع فيها رهانات الحرب مع حسابات السياسة، لا يبدو الحديث عن إقصاء علي خامنئي مجرد تطور عابر بل حدثاً مفصلياً يعيد رسم خرائط النفوذ ويفتح الباب أمام سيناريوهات متضاربة داخل إيران وخارجها، فغياب رأس النظام لا يعني بالضرورة انهيار بنيته لكنه يضع تماسكها أمام اختبار غير مسبوق، ويكشف بوضوح حدود تقاطع المصالح بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.

يبرز قبل كل شيء تباين المصالح واختلال تقاطع الأهداف بين اللاعبين الرئيسين على الساحة، فمن جهة تقف إسرائيل التي يبدو أنها إذا ما امتلكت زمام المبادرة فهي ماضية نحو إنهاء كامل للنظام الإيراني، ولم تخف تل أبيب رهانها السياسي والإعلامي على تحويل الصدمة الناجمة عن إقصاء المرشد الإيراني إلى انتفاضة وطنية، تفضي إلى اقتحام شعبي لمراكز القوة وانهيار البنية السياسية القائمة.

في الجهة المقابلة يقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو سياسي تظهر تجربته ميلاً واضحاً إلى انتصارات منخفضة الكلفة، فإذا سلّم بصحة رواية إقصاء علي خامنئي فإن هذا الإنجاز وحده، وهو إزالة خصم تاريخي لواشنطن خلال أقل من 24 ساعة ومن دون خسائر أميركية، قد يكون كافياً ليدوّن في سجله السياسي، ويقول الصحافي الإيراني بناه فرهاد بهمن لـ "اندبندنت عربية" إنه من غير المرجح أن يخاطر ترمب بمقامرة جديدة تعيد للأذهان تجارب مكلفة مثل التي شهدها العراق وأفغانستان، مضيفاً أن "تجربة فنزويلا، فضلاً عن الضربات السابقة التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، توحي بأن ترمب يفضل توجيه ضربة سريعة وإعلان النصر، وجني أكبر قدر من المكاسب السياسية داخلياً من دون التورط في إعادة الإعمار أو إدارة فراغ السلطة، وحتى مسؤولون أميركيون أقروا بأن إيران، بما تملكه من جهاز أمني متماسك وحرس ثوري واسع النفوذ والامتداد الاقتصادي ومعارضة مشتتة، لا يمكن مقارنتها بالحال الفنزويلية".

ومع ذلك بدا خطاب ترمب العلني خلال الساعات الأولى أبعد من مجرد عملية محدودة، فعندما خاطب الإيرانيين متحدثاً عن اقتراب "ساعة الحرية" ووعد بضربات متواصلة ما دام ذلك ضرورياً، برز تساؤل حول ما إذا كان قد انجرف بتأثير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مسار يتجاوز حساباته الأولية، أو أنه تعمد تصعيد النبرة لتعزيز موقعه داخلياً فيما بقيت حدود العملية الفعلية أضيق، وتظهر تجارب سابقة أن الفجوة بين خطاب ترمب وأدائه العملي غالباً ما تكون واسعة، غير أن المسافة هذه المرة تبدو أضيق من أي وقت مضى.

معضلة الناجين

وإضافة إلى خامنئي شملت الاغتيالات التي رافقت اليوم الأول للحرب مسؤولين كباراً مثل رئيس مجلس الدفاع ومستشار المرشد علي شمخاني وقائد الحرس الثوري محمد باكبور ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة عبدالرحيم موسوي، لكن ماذا عن باقي المسؤولين الفاعلين؟ وهل كانت عدم محاولة استهدافهم صدفة؟ والحديث عن الشخصيات المصنفة ضمن التيار البراغماتي.

يقول بناه فرهاد بهمن إنه "إذا افترضنا أن إقصاء المرشد جرى بدقة عالية، فإن بقاء شخصيات مثل حسن روحاني وعلي لاريجاني خارج دائرة الاستهداف لا يمكن اعتباره صدفة محضة"، مشيراً إلى تقارير لصحيفة "نيويورك تايمز" قالت إن خامنئي كلّف لاريجاني عملياً بإدارة شؤون البلاد، وحدد طبقات تعاقب لمناصب حساسة قبل أسابيع من الحدث.

ويضيف فرهاد بهمن أن "واشنطن مطلعة على هذا الترتيب، واستثناء بعض الأسماء قد يكون هدفه تفادي فراغ شامل والإبقاء على طرف محتمل للتفاوض، ولا يعني هذا وجود تنسيق مباشر بين واشنطن وطهران بقدر ما قد يعكس تقاطعاً غير مقصود للمصالح، إذ سعى خامنئي إلى تحصين بقاء النظام عبر ترتيب بدائل، فيما قد تكون الولايات المتحدة راغبة في تجنب سيناريوهات الفوضى التي أعقبت إسقاط رأس السلطة في ليبيا والعراق".

حدود تغيير النظام

رافقت العمليات الجارية تصريحات من كل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في شأن انتقال السلطة إلى الشعب، بخاصة نتنياهو الذي تحدث إلى الشعوب المختلفة في البلاد ومنهم الكرد والترك والعرب والبلوش، مذكراً بأنهم أمام لحظة تاريخية حاسمة، ويقول بهمن إن "ترمب يدرك أن تغيير الأنظمة من دون وجود قوات برية على الأرض قاد في ليبيا إلى فوضى مزمنة، والفارق الجوهري بين ليبيا وإيران أن الأولى امتلكت معارضة مسلحة ومنظمة نسبياً ملأت فراغ السلطة وإن بصورة مضطربة، أما إيران فلا يتوافر فيها بديل داخلي منظم قادر على الإمساك بالمشهد فوراً"، مؤكداً أن "واشنطن قد تفضل تعديلاً من داخل البنية بدلاً من إسقاط كامل للنظام، أي إعادة تشكيل موازين القوى من دون انهيار شامل، غير أن القرار لا يحسم في البيت الأبيض وحده"، فأي رد عسكري إيراني يستهدف قواعد أميركية في المنطقة قد ينسف معادلة "الضربة النظيفة منخفضة الكلفة"، وسقوط قتلى أميركيين سيعيد تشكيل الحسابات الداخلية في الولايات المتحدة ويدفع ترمب إلى مسار تصعيدي ربما لم يكن يرغب في سلكه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كذلك فإن الأزمة الاقتصادية العميقة في إيران، والتي فجّرت موجة الاحتجاجات الأخيرة، لا يمكن احتواؤها بقرار سياسي سريع، وحتى لو صعدت شخصية براغماتية إلى الواجهة فإن استمرار العقوبات وتدهور الأوضاع المعيشية قد يبقي جذوة السخط مشتعلة، وأي انتصار استعراضي في واشنطن لم يترافق مع انفراج اقتصادي ملموس، فلن يترجم بالضرورة إلى استقرار في طهران.

أما إسرائيل فتعول جزئياً على إمكان تحفيز الداخل الإيراني، وبعض التقارير الغربية تحدثت عن اهتمام تل أبيب برضا بهلوي كأحد الخيارات المحتملة خلال مرحلة ما بعد نظام الجمهورية الإسلامية، إلا أن قدرته على تعبئة قاعدة اجتماعية فاعلة داخل البلاد تبقى موضع تساؤل، في ظل غياب مؤشرات على انشقاقات واسعة داخل الأجهزة الأمنية.

لحظة مفصلية بمآلات مفتوحة

تكمن حساسية اللحظة الراهنة في تداخل هذه المصالح المتباينة، فترمب يسعى إلى إنجاز سريع منخفض الكلفة يمكن تسويقه داخلياً، ونتنياهو يطمح إلى إسقاط كامل لنظام الجمهورية الإسلامية، والمعارضة الإيرانية تعاني التشرذم، والحرس الثوري لا يزال متماسكاً ويضع بقاءه في صدارة أولوياته، ويقول الصحافي الإيراني بهمن إنه "في مشهد كهذا قد يغير عامل صغير مسار الأحداث، ففراغ السلطة قد يفتح الباب أمام فوضى شبيهة بليبيا أو العراق، وبقاء بنية النظام مع إضعافها قد يقود إلى تحولات داخلية تدريجية، أما اتساع نطاق الردود العسكرية فقد يدفع المنطقة إلى حرب استنزاف طويلة".

المؤكد أن زمن اليقين قد انقضى، فالمستقبل لن يتحدد بقرار منفرد وحسب، بل سيتشكل عند تقاطع إرادات متعارضة وحسابات لم تحسم بعد، وفي المحصلة لا يبدو "اليوم التالي" حدثاً يمكن احتواؤه بعنوان واحد أو سيناريو جاهز، فإقصاء علي خامنئي لا يطوي صفحة النظام الإيراني تلقائياً، كما لا يضمن انتقالاً سلساً نحو صيغة جديدة للحكم، وما يلوح في الأفق هو مرحلة سيولة سياسية وأمنية تتزاحم فيها مراكز القوى داخل النظام مع رهانات الخارج، فيما يراقب الشارع الإيراني بقلق وحذر مثقلاً بأزمة اقتصادية عميقة لم تعد تحتمل مزيداً من المغامرات، أما في الداخل الإيراني فيبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ينجح الحرس الثوري وبقية مؤسسات الدولة في إعادة ترتيب الصفوف وفرض انتقال من داخل البنية نفسها؟ أم أن الضغوط الاقتصادية وتآكل الشرعية سيقودان إلى موجة احتجاجات أوسع تتجاوز قدرة الأجهزة على الاحتواء؟

التجارب الإقليمية من العراق إلى ليبيا أظهرت أن الفراغ أخطر من الاستبداد حين لا يتوافر بديل منظم، وأن انهيار المركز قد يطلق قوى لا يمكن التحكم بها، ولذلك فإن اللحظة الراهنة ليست نهاية قصة بل بداية فصل شديد التعقيد، وقد تفضي إلى تعديل في توازنات النظام من دون إسقاطه، وقد تفتح الباب أمام تحولات تدريجية أو تدفع المنطقة إلى دورة جديدة من الصراع المفتوح.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات