Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يستعين النظام الإيراني بالجيش لقمع المحتجين؟

الدستور صيغ منذ البداية بطريقة تتيح استخدام هذه القوات عند الحاجة لمواجهة التهديدات ضد النظام إلى جانب قوات الأمن الداخلي والحرس الثوري و"الباسيج"

جانب من الاحتجاجات الإيرانية (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - مواقع التواصل الاجتماعي)

ملخص

لا يبدو أن استخدام أفراد الجيش لمواجهة الاحتجاجات الشعبية يعد إجراء عادياً في إيران. فعلى سبيل المثال، في أواخر احتجاجات يناير 2018، التي اندلعت لأول مرة في أكثر من 100 مدينة، أبدى الجيش استعداده لمساعدة قوات الشرطة والحرس الثوري، لكن لا توجد مؤشرات إلى تنفيذ عملي لهذا الدعم.

فيما تستمر الاحتجاجات غير المسبوقة في أنحاء إيران، وردت صور ولقطات كثيرة تظهر حجم القمع والمواجهة التي ينتهجها النظام الإيراني في التعامل مع المحتجين. وفي اليوم الـ14 من الاحتجاجات، حذر الجيش الإيراني في بيان شديد اللهجة مما وصفه بـ"مؤامرة إسرائيل والجماعات الإرهابية من أجل الإخلال بالأمن العام".

وأعلن الجيش أيضاً أنه، بالتعاون مع سائر القوات المسلحة، سيتولى حماية المصالح الوطنية والبنى التحتية الاستراتيجية للبلاد والممتلكات العامة.

هل يعني بيان الجيش دخوله إلى الشوارع؟

البيان الأخير للجيش لا يوضح بصورة جلية كيفية تعاون هذه القوة مع سائر القوات المسلحة للسيطرة على الوضع الأمني. وأوردت الخدمة الفارسية لـ"بي بي سي" مراجعة للأنماط السابقة لتدخل الجيش أثناء الاحتجاجات الشعبية لفهم أشكال هذا التعاون المحتملة.

في احتجاجات نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، التي خلفت عدداً أكبر من القتلى مقارنة بالاحتجاجات السابقة، تم نشر معلومات محددة حول كيفية تدخل الجيش في التعامل مع المتظاهرين.

بعد أسبوع من انتهاء الاحتجاجات، أعلن عبدالرضا رحماني فضلي، الذي كان حينها رئيس مجلس أمن البلاد، عن دور الجيش في النقل والدعم اللوجيستي وتقديم المساعدة لقوات الشرطة والأمن.

وزير الداخلية في حكومة حسن روحاني، إضافة إلى شرحه للمساعدات اللوجيستية للجيش، أشار إلى إجراءات الوحدات المسلحة التابعة له، قائلاً إنه في الحالات التي كان فيها نقص في القوى تم استدعاء الجيش لحماية الأماكن والمناطق الحساسة حتى تتمكن قوات الشرطة من التفرغ والانتشار في مناطق مختلفة.

 

وتقول "بي بي سي الفارسية"، إن هذه التصريحات توضح أن سبب تدخل الجيش كان نقص القوى، وأن مهمته كانت حماية الأماكن والمناطق الحساسة لكي تتمكن قوات الشرطة وبقية الأجهزة الأمنية من التعامل المباشر مع المتظاهرين.

في البيان الأخير للجيش أيضاً، جرى التأكيد على مساعدة سائر القوات المسلحة في حماية البنى التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة، مما يشير إلى مهمة محتملة مشابهة، أي أن يتولى أفراد الجيش حماية المنشآت الحساسة والمباني الحكومية لكي تتوجه قوات الحراسة إلى الشوارع.

في هذه الحالة، يمكن الافتراض أن الدافع لنشر عناصر الجيش في الأماكن الحساسة، كما حدث في عام 2019، هو نقص القوى لمواجهة المتظاهرين وقابلية المنشآت الحكومية للتعرض للهجوم. وهي أماكن يقدر عددها بالآلاف، ولذا فإن تكليف الجيش بحماية حتى جزء منها يعني زيادة ملموسة في عدد القوات المنتشرة في الشوارع.

هل يعد دخول الجيش لمواجهة الاحتجاجات أمراً معتاداً؟

لا يبدو أن استخدام أفراد الجيش لمواجهة الاحتجاجات الشعبية يعد إجراء عادياً في إيران. فعلى سبيل المثال، في أواخر احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2018، التي اندلعت لأول مرة في أكثر من 100 مدينة، أبدى الجيش استعداده لمساعدة قوات الشرطة والحرس الثوري، لكن لا توجد مؤشرات إلى تنفيذ عملي لهذا الدعم.

في ذلك الوقت، قال عبدالرحيم موسوي، قائد الجيش حينها، في رسالة إلى حسين اشتري، قائد الشرطة، إنه لو اقتضى الأمر لوقف جنود الجيش كتفاً إلى كتف مع عناصر الشرطة في مواجهة من وصفهم بالمخدوعين من "الشيطان الأكبر". وأكد في رسالته الجاهزية الكاملة للجيش لتنفيذ أوامر المرشد في أي مهمة يتم إبلاغها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتذكر "بي بي سي الفارسية" أنه يفهم من رسالة القائد العام للجيش أن هذه القوة كانت مستعدة للتدخل في قمع المتظاهرين، لكن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي لم يرَ ذلك ضرورياً في تلك المرحلة.

احتجاجات عام 2022 بدورها شهدت مواقف شديدة اللهجة من قادة الجيش ضد المتظاهرين. فبعد أسابيع من بدء التظاهرات، وصف عبدالرحيم موسوي المتظاهرين بأنهم مرتبطون بالولايات المتحدة وإسرائيل، وهددهم بتصفية الحساب، مذكراً بأن القوات المسلحة تساند بعضها البعض.

 

لاحقاً، وصف كيومرث حيدري قائد القوات البرية حينها، المتظاهرين بـ"الذباب"، وقال إنه إذا أصدر علي خامنئي أمراً بالمواجهة فلن يكون لهم أي مكان في البلاد.

في تلك الفترة، لم ترد أخبار عن دخول الجيش إلى الشوارع لمواجهة المحتجين، رغم أن وسائل إعلام مقربة من الحكومة ذكرت في بداية الاحتجاجات مقتل ملازم في القوات البرية يدعى مسلم جاويدي مهر أثناء مساعدته في تفريق من وصفتهم بمثيري الشغب.

لا توجد معلومات مستقلة حول كيفية مقتله، لكن إذا كان قد قتل خلال مواجهة مع المتظاهرين فيمكن اعتبار ذلك مؤشراً إلى مستوى محدود من استخدام الجيش في احتجاجات عام 2022.

من جهة أخرى، فإن مراجعة احتجاجات عام 2009 لا تظهر أي دليل على استخدام قوات الجيش في التعامل مع المتظاهرين حتى في أشد ظروف العاصمة توتراً.

في يوليو (تموز) 2010، وصف حسن عباسي، وهو ناشط إعلامي متشدد كان مقرباً من الحرس الثوري، الجيش بأنه قوة صامتة تبقى في الثكنات حتى لو جرف الماء البلاد فلن يصدر عنها صوت. هذه التصريحات التي أدلى بها في تجمع محدود نشرت لاحقاً في أغسطس 2016 وأثارت ردود فعل غاضبة من قادة الجيش، لكن أياً من هذه الردود لم يتضمن إشارة إلى تدخل الجيش في احتجاجات 2009.

في أحد هذه الردود، قال أحمد رضا بوردستان، قائد القوات البرية حينها، إن تصريحات حسن عباسي صدرت من دون معرفة بمهام المؤسسات والقوات، وهو ما يشير ضمناً إلى أن الجيش لم يكن يعد النزول إلى الشوارع ضمن مهامه حتى ذلك الوقت.

 

هل تسمح القوانين باستخدام الجيش في الشوارع؟

تنص المادة 143 من دستور إيران على أن مهمة الجيش هي حماية استقلال البلاد ووحدة أراضيها ونظام الجمهورية الإسلامية. وبموجب هذه المادة، فإن حماية النظام تعد إحدى المسؤوليات الأساسية للجيش إلى جانب حماية وحدة الأراضي.

بناء على ذلك، يبدو أن الدستور صيغ منذ البداية بطريقة تتيح استخدام الجيش عند الحاجة لمواجهة التهديدات ضد النظام. ونظراً لأن الحكومة الإيرانية تصنف المتظاهرين في الشوارع كأعداء للنظام، فإنها ترى نفسها مضطرة، عند الحاجة، إلى إلزام الجيش بمواجهتهم.

وتنص المادة 150 من الدستور على أن مهمة الحرس الثوري هي حراسة الثورة ومنجزاتها. وبذلك، فإن مهمة حراسة الثورة ومنجزاتها لا تختلف كثيراً داخلياً عن مهمة حماية النظام المكلف بها الجيش.

بعبارة أخرى، إذا رغب حكام إيران في إشراك الجيش في القضايا السياسية والأمنية بنفس مستوى الحرس، فيمكنهم بسهولة تبرير ذلك بالاستناد إلى المادة 143 ومسؤولية الجيش في حماية النظام، رغم أن مثل هذه الرغبة لم تكن موجودة عملياً حتى الآن.

هل تخشى الحكومة استخدام الجيش في الشوارع؟

لطالما عد كبار المسؤولين في إيران الجيش قوة موثوقة تماماً في تصريحاتهم الرسمية. ومع ذلك، لا يمكن مقارنة الجيش الحالي بجيش فترة الحرب الإيرانية - العراقية، حيث كان عدد كبير من ضباطه تلقوا تدريبهم في عهد الشاه.

بعد مرور 47 عاماً على ثورة عام 1979، لم يعد معظم من التحقوا بالجيش قبل الثورة موجودين في هذه المؤسسة، وفي أفضل الأحوال تقاعدوا.

بعبارة أخرى، باستثناء عدد محدود من الوجوه القديمة، فإن جميع الضباط والأفراد العاملين في الجيش اليوم هم من خريجي المراكز التعليمية الأيديولوجية للجمهورية الإسلامية.

مع ذلك، يبدو أن الحكومة الإيرانية لا تزال لا تثق بعناصر الجيش بالقدر نفسه الذي تثق به بأعضاء المؤسسات الثورية. ويمكن ملاحظة ذلك في الفارق الكبير بين مكانة الجيش والحرس الثوري في الدعاية الرسمية وحتى في السرديات الرسمية لحرب إيران والعراق.

من جهة أخرى، يختلف أيضاً موقف المواطنين الغاضبين من عناصر الجيش بشكل واضح عن موقفهم من المؤسسات الثورية، وهو ما يظهر جلياً في الشعارات الحادة التي يطلقها المتظاهرون ضد الحرس و"الباسيج" في الأعوام الأخيرة.

في ضوء هذه المعطيات، يمكن توقع أن إرسال قوات الجيش لمواجهة المتظاهرين يعد خطوة عالية الأخطار في نظر حكام إيران، خصوصاً أن هذه القوات لم تدرب أساساً على القمع، كما أن نسبة كبيرة من عناصرها هم مجندون في الخدمة الإلزامية لا يمكن الجزم بمدى ولائهم للحكومة، كما كانت الحال خلال ثورة عام 1979.

وخلصت "بي بي سي" إلى أنه، بناء على هذا السياق، يبدو أن النظام الإيراني لا يميل في الظروف العادية إلى استخدام الجيش لمواجهة الاحتجاجات الشعبية، إلا في حالات نقص القوى والقلق من سقوط الأماكن والمناطق الحساسة، وهو قلق برز بصورة خاصة في الاحتجاجات الأخيرة بسبب حجم الهجمات على المنشآت الحكومية.

المزيد من تقارير