ملخص
السجل الأميركي بإزالة الأنظمة بمنطقتنا غير نظيف، ويدور دوماً لمصلحة مخطط إسرائيل المعلن بتحويل محيطها إلى دويلات طوائف فاشلة متشرذمة ومتقاتلة.
أجواء منطقتنا ملبدة بالاضطرابات والتظاهرات التي اندلعت قبل أسبوعين في الجارة إيران، وتهديدات أميركية بالتدخل عسكرياً إذا ما قامت السلطات الإيرانية بقتل المتظاهرين، وهو ما أتت التقارير الإخبارية المتسربة به، فهل ينفذ الرئيس دونالد ترمب تهديده بضرب إيران؟. الاحتمال أن ترمب سوف يقوم بذلك، فهو قد قام بهجوم على منشآت إيران النووية الصيف الماضي، ومساعدة إسرائيل بهجومها على إيران والتصدي لرد فعل طهران وصواريخها الباليستية التي أحدثت أضراراً غير مسبوقة بإسرائيل.
ولكن كيف نتمنى أن يتطور المشهد الإيراني القريب منا بدول الخليج العربية؟، أظن أن غالبية من بيننا تتمنى زوال النظام الإيراني لأسباب ليست بخافية على أحد، فمنذ مجيء الخميني للحكم عام 1979 والمنطقة بحالة شديدة من التوتر والحروب والتدخلات والاحتقان الطائفي. صحيح أنها لم تكن منطقة هادئة بالمطلق، لكن نظام الخميني أطلق شعار "تصدير الثورة" فتحرش بالعراق، ودفع الأهوج صدام حسين للدخول معه في حرب شاملة شعواء استمرت ثمانية أعوام.
وعلى رغم كل الخسائر التي تكبدها الطرفان بالأرواح والاقتصاد، فإن نظام الخميني لم يتوقف يوماً عن العمل على تنفيذ تصدير الثورة، فتدخل بسوريا ولبنان والبحرين واليمن والكويت وهيمن على عراق اليوم بعد سقوط صدام حسين. ونتيجة هذا التدخل هو موت ونزوح الملايين وتشريدهم وتحويل دولهم إلى دول فاشلة. فيتمنى بعضنا - ولعلهم الغالبية - أن تنشب حرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل كي نتخلص من كابوس هذا النظام الجاثم على صدر المنطقة منذ أربعة عقود.
ولكن، وآهٍ من لكن! هناك من يتخوف من أن نشوب الحرب ستحرقنا بعض نيرانها، فقد هددت إيران بأن كل المصالح الأميركية بأي مكان بالعالم ستكون هدفاً لها بما في ذلك المصالح والقواعد الأميركية بدول الخليج، وهو تهديد يمكنها تنفيذه، ولا يمكن ردع صواريخها في حال تنفيذه، فقد وصلت صواريخها إلى تل أبيب الصيف الماضي وهي أبعد من الساحل العربي الغربي للخليج بأضعاف المرات، ولم تستطع قبة إسرائيل الحديدية ولا الباتريوت الأميركية أن توقف صواريخها ومسيراتها. المؤيدون لإسقاط النظام الإيراني بيننا يقولون إن تلقي ضربات إيرانية علينا هي ضريبة يجب أن ندفعها للتخلص من هذا النظام، بدلاً من العيش المستمر بهاجس إيران وتدخلاتها وميليشياتها، وذلك على قاعدة المثل الشعبي: "رمح تِزرق به، ولا رمح توعد به". لكن الخوف أن يكون الرمح نافذاً بطعنته، مدمراً "بزرقته".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك يتخوف البعض من أن سقوط النظام قد تنتج منه فوضى عارمة بإيران المترامية الأطراف ذات الملايين الثمانين والأقليات المتنوعين. وتتحول إيران إلى دولة فاشلة تصدر المخدرات والحروب والسلاح واللاجئين والإرهابيين. لكنها مصدر لكل هذه الشرور الآن - كما يقول مؤيدو سقوط النظام وإزالته - واسألوا مسؤولي الأمن بدول الخليج عن مصدر تهريب المخدرات والسلاح والإرهاب وتدريب الإرهابيين وأدلجتهم بأدمغة طائفية حاقدة على العرب جميعاً - وعلى دول الخليج خصوصاً.
السجل الأميركي بإزالة الأنظمة بمنطقتنا غير نظيف، ويدور دوماً لمصلحة مخطط إسرائيل المعلن بتحويل محيطها إلى دويلات طوائف فاشلة متشرذمة ومتقاتلة، فالنموذج الليبي لا يزال شاخصاً للعيان، والنموذج العراقي أتى بنوري المالكي وقد يأتي به ثانية بعد أيام، وبالتالي قد لا تكون إيران بعد سقوط نظامها بلداً صديقاً مستقراً ومتعاوناً مع جيرانه، بل معاد لنا ومصادق لإسرائيل إن بقي موحداً، ومتشرذماً متقاتلاً إن تفتت وفشل، وعليه فإن بيننا من يقول إن بقاء النظام على علاته أفضل من الدخول إلى المجهول، ترجمة للمثل الشعبي: "امسك مجنونك لا يجيك أجنّ منه!".
الشاهد أن المشاعر العربية - وبالذات الخليجية - مختلطة تجاه سقوط النظام في إيران بالثورة الشعبية أو بالضربات الأميركية، ويصدق فيها القول الشعبي: "يا ويلي منّه، ويا ويلي عليه".