ملخص
في الحرب على غزة، سقط أكثر من 70 ألف قتيل، يضاف إليهم آلاف المفقودين الذين لم يعرف مصيرهم بعد، وهذا العدد الهائل من الضحايا أعاد تشكيل البنية الاجتماعية للأسر الفلسطينية.
تتكئ الجدة فاطمة على عكازها الطبي حتى تصلب طولها، بتثاقل تسير خطوات معدودة وعندما تصل باب الخيمة تفتح لتتفقد الطقس، ثم تبدأ في تحضير إفطار بسيط لحفيدتها حنان.
خبز قليل مع الزعتر والزيت، ثم تدعو حفيدتها لتناول لقمة بسيطة، قبل أن تبدأ معها يومها بهدوء على رغم كل الفوضى في غزة، وهي تمضغ الطعام الناشف على معدتها تسأل الصغيرة "لماذا تأخر بابا وماما كل هذا الوقت؟".
تعويض وسط الخراب
تصمت الجدة وتزم شفتيها قبل أن تبدأ حديثها بدعوة حنان للجلوس إلى جانبها، تحدثها بهدوء وبعبارات تناسب عمرها "لا أريد أن أخفي عليك أكثر من ذلك، بابا وماما في الجنة، قتلوا في الحرب على غزة ولن يعودوا أبداً".
تتدارك الجدة بسرعة الموقف الثقيل وتحضن الحفيدة وتقول لها "ألا تحبين العيش معي"، تصمت قليلاً تتنهد وتواصل الحديث "أحاول على رغم كل الخراب في غزة أن أعوضك، أعرف أنني كبيرة في السن لكن أحاول بكل اجتهاد فعل ذلك".
بعد مقتل خالد والد حنان في الحرب على غزة، تعيش الجدة وحفيدتها في خيمة صغيرة داخل مخيم للنازحين، وتحول دورها من السيدة الكبيرة في السن إلى المربية وعادت لتأخذ دور الأم والأب مرة جديدة.
مهمة الجدة الصعبة
أن تعود الجدة فاطمة لتصبح معيلة ومربية فهذه مهمة صعبة للغاية عليها، بخاصة أنها تجاوزت 65 سنة ومريضة بالسكر والضغط وتسير على عكاز، وعلى رغم كل ذلك لم تترك حنان وحدها وتعيش معها وتسعى إلى أن توفر لها حياة كريمة على رغم كل ظروف غزة القاسية.
تخلق الجدة لحفيدتها حنان مساحة أمان وسط الخراب، وتجتهد في أن تجعل حياتها اليومية تحمل لمسات من الدفء والحب، تقول "يبدأ صباحنا عند شروق الشمس، أخرج رأسي من الخيمة لأتأكد أن الجو هادئ، بعد الإفطار نجلس على الأرض المبطنة بأغطية بسيطة، نرتب أغطية النوم وأواني المطبخ، وأروي لها عن والدها عن ابتسامته ولعبه معها، وعن اللحظات الصغيرة التي جمعته بنا، لكي تشعر أن ذكراه حية في حياتها دائماً".
تخرج الجدة برفقة حنان إلى ساحة المخيم تجمعان بعض الحطب والماء وتمنح الحفيدة الصغيرة وقتاً للعب مع الأطفال أملاً في أن ترى ابتسامتها ولو للحظات، تضيف "أمنحها دروس الحياة، كيف نساعد بعضنا في مهام الحياة اليومية، ونتحدث عن الغد والأمل، وعن الاستمرار على رغم الفقد والحرب، وأطمئنها أن الحب الذي جمعها بوالدها لا ينتهي، وأننا قادرون على مواجهة كل الصعوبات".
57 ألف طفل يتيم
في الحرب على غزة، سقط أكثر من 70 ألف قتيل، يضاف إليهم آلاف المفقودين الذين لم يعرف مصيرهم بعد، وهذا العدد الهائل من الضحايا أعاد تشكيل البنية الاجتماعية للأسر الفلسطينية.
وبحسب بيانات وزارة التنمية الاجتماعية في القطاع فإن نحو 57 ألف طفل في غزة باتوا أيتاماً، وبسبب هذا الرحيل تحمل الأجداد عبء إعالتهم في ظروف صحية ومعيشية وإنسانية مأسوية.
حب الجدة للأحفاد أقوى من الحروب
70 عاماً انقضت من عمر الجدة رسمية، عاشت فيها مراحل تغول الجيش الإسرائيلي ومأساة البلاد منذ النكسة إلى الإبادة الجماعية، لتجد نفسها بعد هذه السنين تعود إلى أدوار الأمومة مرة أخرى، إذ تعيش مع ثلاثة من أحفادها في خيمة مهترئة على أنقاض منزلها.
تقول، "كل يوم هنا يعلمنا الصبر والشجاعة، ويذكرنا أن الحب الذي يجمع بين الجدة وأحفادها أقوى من الحرب ومن كل فقد، وعلى رغم قسوة الظروف نحاول أن نجد في كل لحظة لمحة من الأمان والدفء، ونؤكد أننا صامدين نحب ونحلم ونستمر على رغم كل شيء".
تتولى الجدة رسمية مهام صعبة عليها، تضيف "أقطع مسافات طويلة يومياً لجلب المياه، أخرج وقلبي يغلي خوفاً على أحفادي، هم أمانة في رقبتي، اعتدنا أن يكون الأحفاد عكازات لأجدادهم، أما أنا مضطرة أن أكون عكازهم على رغم سني الكبير ومرضي".
تواجه الجدة رسمية صعوبة في تأمين الحفاضات والحليب لأحفادها وتشعر بعجز كبير عندما يبكي أحدهم، وتضيف "كل يوم أتذكر أمهم، وأبكي معهم فلا حيلة لديّ، أمام نقص الخيام والفراش والأغطية، ننام على فرشة واحدة بخاصة في فصل الشتاء وأمطاره ورياحه إذ تحولت حياتي إلى عبء يفوق قدرتي".
في بيت متصدع
بحسب تقديرات المنظمات الإنسانية فإن المئات من كبار السن في قطاع غزة باتوا يعيلون أحفادهم بعد فقدان أحد الوالدين أو كليهما، أو إصابة رب الأسرة، ويفعلون وسط ظروف غير صالحة للحياة من خيام موقتة ومنازل مدمرة ومراكز إيواء وندرة في الغذاء والماء وأمراض الشيخوخة التي لا تجد دواء.
بعد مقتل ابنها في الاجتياح البري لمدينة غزة، أصبحت الجدة سوسن مسؤولة عن رعاية حفيديها زين ويزن، وتعيش معهما في بيت مقصوف ومتهالك سقفه متصدع وجدرانه هشة وأرضيته غير مستقرة، ومع ذلك تحاول أن تجعل هذا البيت مكاناً يشعر فيه الطفلان بالأمان والحب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تقول الجدة "أقدم لهم وجبة متواضعة وحكاية عن الماضي وحينها تتحول كل لحظة يومية إلى درس في الحياة، ويصبح البيت المتهالك ملاذاً صغيراً يشعر فيه الطفلاًن بالحب والأمان على رغم الحرب والفقدان، هنا تظهر مدى تضحيات الجدات من أجل أحفادهن".
وتضيف "يبدأ يومنا مبكراً، أعد لهما الإفطار البسيط، غالباً يكون خبزاً قليلاً مع الفول، ثم نرتب البيت بحذر شديد، أراقب كل خطوة يخطونها، لأن أي حركة خاطئة قد تعرضهما للأذى، أحاول إشغالهما باللعب والأنشطة البسيطة، وأحياناً نخرج قليلاً إلى الشارع القريب، أرافقهما بعين لا تغفل، فأنا أعلم أن أي خطر مهما كان صغيراً قد يهددهما".
زين ويزن يحتاجان إلى رعاية دائمة، تساعدهما الجدة سوسن في الاستحمام وارتداء الملابس وترتيب حاجاتهما المتواضعة، وتضيف "أحاول أن أجعل من كل لحظة فرصة لتعلم شيء جديد، أروي لهما قصصاً عن والدهما، لكي يشعراً أن حبه موجود بيننا على رغم غيابه".
إعادة تشكيل المجتمع
تقول المتخصصة المجتمعية إسراء لبد "الحرب أعادت تشكيل موقع كبار السن في المجتمع الفلسطيني في غزة، بعدما كان المجتمع ينظر إليهم على أنهم أشخاص في حاجة إلى الرعاية، مما يعكس عمق الأزمة الاجتماعية بعد الحرب".
وتضيف لبد، "نحن أمام جيل من الجدات والأجداد الذين لم ينعموا بشيخوختهم كما يجب، بل يقضونها في معركة بقاء متواصلة، تحولوا فيها إلى خط الدفاع الأخير عن حياة أحفادهم. أن تحول الجد أو الجدة إلى معيل في ظروف قاسية في غزة يولد شعوراً بالعجز والضغط النفسي المستمر، خصوصاً عندما يشعر أنه لا يستطيع تلبية حاجات الأطفال".
بحسب المتخصصة المجتمعية فإن الأحفاد الذين يعيشون في رعاية أجدادهم يعانون غالباً من قلق الانفصال والخوف من الفقد مجدداً، لأن الطفل الذي فقد والديه يعيش في حال ترقب دائم عندما يرى جدته أو جده يمرض أو يتعب، فيخاف أن يفقدهما وهذا يولد توتراً مزمناً، ويؤثر في نموه النفسي والاجتماعي.