ملخص
يثير تلويح دونالد ترمب بالاستيلاء على غرينلاند قلقاً دولياً متصاعداً، إذ يحذر خبراء من أن هذا النهج القسري يهدد بتقويض القانون الدولي وحلف "الناتو"، ويفتح الباب أمام سلوكيات عدوانية مماثلة، رغم افتقار الخطة لأي أساس قانوني أو شعبي داخل الجزيرة.
لوح الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومسؤولون في إدارته مراراً عدة، باللجوء إلى "خيار" الاستيلاء على غرينلاند بالقوة العسكرية، الأمر الذي أثار قلق سكان الجزيرة القطبية، وعدد من أعضاء الكونغرس والمسؤولين الأوروبيين، بحيث أعربوا عن خشيتهم من أن تؤدي النزعات التوسعية لرئيس الولايات المتحدة إلى تقويض اتفاقات دولية قائمة، وفتح الباب أمام أنظمة استبدادية للإقدام على خطوات مماثلة.
ويبدو أن حملة الضغط التي ينتهجها الرئيس الأميركي تهدف إلى دفع الدنمارك نحو الدخول في مفاوضات معه لبيع الجزيرة، أو إبرام صفقة مع الولايات المتحدة تتيح لها استغلال مواردها، وهو ما شبهه خبراء في السياسة، بالعدوانية السلطوية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبأسلوب ابتزاز هو أقرب إلى ممارسات المافيا.
لكن كيف يمكن أن يبدو في الأساس غزو أميركي محتمل لغرينلاند؟
يتفق باحثون في القانون الدولي والقانون العسكري، إلى جانب خبراء مختصين في سياسات القطب الشمالي - تحدثوا إلى "اندبندنت" - على أن فكرة دونالد ترمب لا تعدو كونها "خيالاً محضاً" و"غباء مطلقاً"، لكن الإدارة الأميركية قد تسعى إلى فرض "صفقة" على حساب غرينلاند، تجنباً للقيام بتدخل عسكري مباشر، وتفادياً لانهيار محتمل لـ"حلف شمال الأطلسي" (الناتو).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا السياق، قال يوجين فيديل الباحث البارز في كلية الحقوق في "جامعة ييل" الأميركية: "يذكرني هذا الطرح بالعبارة الشهيرة: ’لديك مكان رائع هنا، وسيكون مؤسفاً لو أصابه مكروه‘".
وأضاف "المشهد برمته يشبه لعبة شوارع عبثية، حيث لا أحد يعرف أين يقف الموقف الرسمي للحكومة، وهو وضع لا يمكن إلا وصفه بالساخر".
"الحق في تقرير المصير" قد يخرج الدنمارك من المعادلة
تاريخياً، أخضعت مملكة النرويج والدنمارك الموحدة غرينلاند للاستعمار عام 1721، واحتفظت الدنمارك بالسيطرة على الجزيرة بعد انفصال البلدين عام 1814. وبعد نحو قرن، عندما اشترت الولايات المتحدة جزر العذراء من الدنمارك، وافقت الحكومة الأميركية على الاعتراف بالسيادة الدنماركية على غرينلاند.
وقد نصت المعاهدة المبرمة آنذاك على إعلان واضح يفيد بأن الولايات المتحدة "لن تعترض على قيام حكومة الدنمارك بتوسيع مصالحها السياسية والاقتصادية لتشمل غرينلاند بأكملها".
الجزيرة التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة- 90 في المئة منهم من إثنية "إنويت" Inuit- تدير سياساتها الداخلية والاقتصادية بشكل مستقل، بينما تتولى الدنمارك مسؤولية أمنها وسياستها الخارجية.
وتوجد بالفعل على الجزيرة قاعدة عسكرية للولايات المتحدة، تعود إلى حقبة "الحرب الباردة"، وهي تُعد جزءاً من قارة أميركا الشمالية، كما تنتشر فيها قوات تابعة لـ"الحرس الوطني" الأميركي، في فترات معينة من السنة.
وخلال زيارة إلى غرينلاند العام الماضي، أعلن نائب الرئيس جي دي فانس أن "شعب غرينلاند سيحصل على حق تقرير مصيره"، مضيفاً أنه يأمل أن "يختاروا الشراكة مع الولايات المتحدة، لأننا الدولة الوحيدة في العالم التي ستحترم سيادتهم وتكفل أمنهم".
في حال نجحت حملة التأثير الأميركية لدعم استقلال غرينلاند بطريقة ما، قد تسعى الولايات المتحدة إلى ضمها ووضعها تحت سيطرتها- على رغم أن الاستطلاعات تظهر أن غالبية سكان الجزيرة يعارضون أي استيلاء أميركي عليها.
كذلك يمكن للولايات المتحدة أن تحاول إدخال الجزيرة في "اتفاقية الارتباط الحر" Compact of Free Association، القائمة في الوقت الراهن بينها وبين "جزر مارشال" وميكرونيزيا وبالاو. وتمنح هذه الاتفاقات الجيش الأميركي حرية التصرف وصلاحيات واسعة، في مقابل توفير خدمات أساسية للسكان.
إلا أن اتفاقاً يعود إلى عقود مضت- تحديداً إلى حقبة "الحرب الباردة"- يمنح الولايات المتحدة بالفعل مساحة واسعة للعمل على الجزيرة القطبية، بما في ذلك الإذن بـ"بناء وتركيب وصيانة وتشغيل" قواعد عسكرية، و"إيواء أفراد"، و"التحكم بعمليات هبوط الطائرات وإقلاعها، ورسو السفن، وتحديد المراسي والمواقع، وتشغيل السفن والطائرات والمراكب المائية".
رومان تشوفارت المدير الإداري لـ"معهد القطب الشمالي" Arctic Institute، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن العاصمة، يرى أن "كل ما ترغب الإدارة الأميركية الراهنة في فعله يمكنها القيام به بالفعل".
ويتابع تشوفارت أن دونالد ترمب- الذي يصب اهتمامه الرئيس على احتلال غرينلاند منذ ولايته الرئاسية الأولى- يروج لفكرة لا أساس لها من الصحة، تقول إن الإقليم "محاط" بالسفن الروسية والصينية، بينما يؤكد مسؤولون أوروبيون أن تلك السفن ليست قريبة من الجزيرة، التي تزخر بموارد طبيعية ضخمة وغير مستغلة، بما فيها المواد الأرضية النادرة.
وتبدو الإدارة الأميركية الآن وكأنها تحاول تبرير احتمال احتلال غرينلاند لأسباب تتعلق بـ"الأمن القومي"، وهو ما وصفه تشوفارت بأنه "أزمة مفتعلة".
وأوضح لـ"اندبندنت" إن "ما تقوم به الولايات المتحدة في الواقع يشبه تصرف دولة مارقة. إذ لا توجد أي تهديدات عسكرية للولايات المتحدة مصدرها غرينلاند، ولا أي مؤشرات على أن الجزيرة قد تشكل تحالفات عسكرية مع روسيا أو الصين".
هل يمكن أن يكون البديل شراء ترمب لجزيرة غرينلاند؟
تناقش إدارة الرئيس الأميركي "بهمة" خطة لشراء جزيرة غرينلاند، وذلك وفقاً لما صرحت به المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت.
لكن كم ستكلف هذه الصفقة؟ ومن أين سيأتي المال؟ وهل لدى الدنمارك سعر معين؟ هل تكتفي إدارة دونالد بإصدار شيك؟ المسؤولون الدنماركيون يرفضون حتى التفكير في الموضوع.
وقد سبق لكوبنهاغن أن رفضت عام 1946 عرضاً تقدمت به إدارة الرئيس الأميركي السابق هاري ترومان، تمثل في تقديم 100 مليون دولار من الذهب مقابل شراء الجزيرة، أي ما يعادل نحو ملياري دولار وفق أسعار الذهب لعام 2026.
ويقول رومان تشوفارت لـ"اندبندنت"، "أعتقد أن حكومتي غرينلاند والدنمارك أوضحتا موقفهما تماماً: غرينلاند ليست للبيع. هذه مجرد أوهام لا يعتزم أحد في غرينلاند أو الدنمارك تنفيذها".
ويشير تشوفارت إلى أنه لا يوجد أي أساس قانوني يسمح للولايات المتحدة بالاستحواذ على غرينلاند من دون "الإرادة السيادية والديمقراطية لشعب غرينلاند، الممثلة من خلال حكومته"، مؤكداً أن أي محاولة من هذا النوع ستكون انتهاكاً للقانون الدولي، وكذلك للقوانين المحلية في غرينلاند والدنمارك.
ويقول يوجين فيديل الباحث في "جامعة يال"، معلقاً: "لو كنتُ رئيس وزراء الدنمارك، لكنتُ طلبت من الولايات المتحدة ببساطة أن تغرب عن وجهي".
ديفيد سيبلي أستاذ التاريخ العسكري وسياسات الدفاع في "جامعة كورنيل" الأميركية، يرى من جانبه أن دول أوروبا ستسعى على الأرجح إلى دفع الدنمارك نحو التوصل إلى اتفاق مع إدارة ترمب "يسمح للولايات المتحدة بممارسة بعض السيطرة بطريقة لا ترقى إلى مستوى الاستسلام الكامل".
ويضيف سيبلي "من الناحية الجيوستراتيجية الأوسع، تُعد هذه خطوة غبية للغاية من جانب دونالد ترمب. فالولايات المتحدة والدنمارك لديهما بالفعل معاهدات دفاع في شأن غرينلاند، تمنح الجيش الأميركي الحق في الوصول العسكري إليها. إنه يسعى إلى نسف حلف ’الناتو‘ من أجل الحصول على مكسب تملكه الولايات المتحدة في الأساس".
الغزو العسكري قد يكون كارثياً
لن يستغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تتمكن القوات الأميركية من إحكام السيطرة على غرينلاند. فوفقاً ليوجين فيديل، من المرجح أن تكون هناك مقاومة رمزية، لكن سيطرة الولايات المتحدة على نوك، عاصمة غرينلاند، قد تستغرق على الأرجح ساعات قليلة أو دقائق فقط.
يُشار إلى أن المادة الخامسة من معاهدة "حلف شمال الأطلسي" تلزم جميع الأعضاء في المنظمة بدعم أي عضو يتعرض لهجوم. وقد تم تفعيل هذه المادة مرة واحدة فقط، في أعقاب هجمات "الحادي عشر من سبتمبر" (أيلول)، ومن قِبل الولايات المتحدة.
وأكد قادة الدنمارك وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا في بيان مشترك هذا الأسبوع، أن "مملكة الدنمارك- بما فيها غرينلاند- هي عضو في حلف ’الناتو‘".
وأضافوا "لذا، يجب أن يتحقق الأمن في منطقة القطب الشمالي بشكل جماعي بالتعاون مع حلفاء ’الناتو‘، ومن بينهم الولايات المتحدة، وذلك من خلال التزام مبادئ ’ميثاق الأمم المتحدة‘، بما يشمل احترام السيادة والسلامة الإقليمية وحرمة الحدود". وتابع بيان الدول السبع: "أما مسؤولية اتخاذ القرارات المتعلقة بالدنمارك وغرينلاند فتعود حصراً إليهما سوية".
ماذا سيحدث إذن في حال قرر ترمب غزو دولة عضو في "الناتو"؟ ينص الدستور الأميركي على وجوب الحصول على موافقة الكونغرس قبل الإقدام على أي عمل حربي، علماً أن أي غزو بقيادة ترمب لأحد حلفاء الولايات المتحدة من أجل التوسع الإمبراطوري، لن يحظى بتأييد المشرعين الأميركيين.
ويتوقع يوجين فيديل أن "تكون النتائج كارثية، إذ سيشجع ذلك الديكتاتوريين في أماكن أخرى من العالم على اتباع السلوك نفسه. وسيمنح فلاديمير بوتين فرصة... لإلقاء نظرة على خارطة العالم ومعرفة ما إذا كان يرغب، على سبيل المثال، في ضم سبيتسبيرغن (أكبر جزر أرخبيل سفالبارد النرويجي في المحيط المتجمد الشمالي) من النرويج".
من جهته، أكد ماثيو واكسمان الأستاذ في كلية الحقوق في "جامعة كولومبيا"، والزميل في "مجلس العلاقات الخارجية" (وهو مركز أبحاث يُعنى بالسياسة الخارجية الأميركية)، أكد أن "الولايات المتحدة لا تستطيع الاستيلاء على أراض بالقوة من الناحية القانونية، كما أن الاستحواذ عليها عبر التهديد المباشر باستخدام القوة يعد غير مشروع أيضاً".
وأضاف واكسمان، في حديث إلى "اندبندنت"، أن السعي إلى التفاوض على بيع إقليم ما، مع التلويح علناً بإمكانية الاحتلال العسكري، سيُنظر إليه على أنه شكل من أشكال الإكراه، "وهو ما من شأنه أن يزعزع التحالف الأطلسي بشدة".
© The Independent