ملخص
لطالما استخدم الرئيس الأميركي، أو هدد باستخدام، التعريفات الجمركية بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لأسباب سياسية، بما في ذلك ضد البرازيل بسبب محاكمتها لرئيس سابق، والمكسيك بسبب الهجرة، وكندا بسبب خططها لتوقيع اتفاقية تجارية مع الصين، ولأسباب أخرى، لكن ترمب اختار استخدام قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية كركيزة أساسية لسياسته التجارية، لأنه فسره على أنه يمنحه سلطة مطلقة وغير محدودة لفرض تعريفات جمركية دون أي قيود إضافية من الكونغرس.
بعد إلغاء المحكمة العليا الأميركية التعريفات الجمركية الشاملة التي استخدمها دونالد ترمب بصورة شبه تعسفية كورقة ضغط مفضلة ساعدته في التفاوض على كثير من الاتفاقات الثنائية، يجد الرئيس الأميركي نفسه في موقف صعب فقد تلقى ضربة موجعة من شأنها أن تحد من قدراته في الضغط على الدول الأخرى، ومع ذلك سارع ترمب إلى فرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المئة استناداً إلى قوانين أخرى لكنها أقل مرونة ويمكن أن تخضع للنقض في المحاكم الأميركية، فما أدوات ترمب الجديدة؟ وماذا يعني ذلك للتجارة العالمية والموازنة الفيدرالية الأميركية التي قد تتأثر بتراجع عائدات الرسوم الجمركية التي جمعتها الولايات المتحدة والتي وصلت إلى 175 مليار دولار؟
ضربة موجعة
على رغم أن الرئيس الأميركي لا يزال يمتلك خيارات لإعادة فرض بعض التعريفات الجمركية مثلما فعل فور إلغاء المحكمة العليا الأميركية الكثير من تعريفاته الجمركية الشاملة، فإن أجندته الاقتصادية تلقت ضربة موجعة لأنها حرمته من أقوى أدواته التفاوضية مع الدول الأخرى سواء كانوا حلفاء أو خصوماً، عندما بدأ مباشرة فور توليه منصبه بفرض الرسوم الجمركية بصورة شبه تعسفية كورقة ضغط، وأطلق على حملته الأولى "يوم التحرير" في إشارة واضحة إلى الظلم الذي يزعم ترمب أن الولايات المتحدة تعرضت له على مدى عقود في تعاملاتها التجارية مع غالبية دول العالم في ظل الإدارات الأميركية السابقة التي دفعتها سياسات العولمة والتحرر الاقتصادي إلى تبني سياسات اقتصادية معادية للتعريفات الجمركية.
ويعني قرار المحكمة العليا الذي صدر بغالبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، أن استخدام ترمب لقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 لفرض تعريفات جمركية من جانب واحد على دول أخرى، يعد مخالفاً للدستور على أساس أن هذا القانون يسمح للرئيس بالاستجابة للأزمات الاقتصادية بتدابير خاصة مثل الحظر التجاري ومصادرة الأصول، لكنه لا يجيز صراحة فرض تعريفات جمركية من جانب واحد.
وخلص قرار الغالبية، الذي ضم ثلاثة قضاة محافظين إلى جانب القضاة الليبراليين الثلاثة في المحكمة، إلى أن الرئيس تجاوز صلاحياته في تحديد التعريفات الجمركية، استناداً إلى المادة الأولى، القسم الثامن، من دستور الولايات المتحدة التي تخول الكونغرس هذه السلطة حصرياً، ومن ثم يجب أن يكون أي تفويض للرئيس باستخدام صلاحيات تحديد التعريفات الجمركية في حالات الطوارئ، متوافقاً مع هذا البند.
استقلالية المحكمة
ويمثل إصدار القرار قبل أيام فقط من مثول المحكمة العليا أمام الرئيس في خطاب حالة الاتحاد خطوة جريئة ومثالاً نادراً ومهماً على تصدي المحكمة لأجندة ترمب، وربما تهدف أيضاً للتأكيد على استقلالية المحكمة التي ظل كثير من التيارات اليسارية في الحزب الديمقراطي يتهمونها بأنها أصبحت مسيسة وموالية لسياسات اليمين المحافظ وبخاصة منذ أن عاد الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض العام الماضي.
ولعل هذا ما يفسر سبب غضب ترمب الشديد في ردة فعله على قرار المحكمة، حيث وصف الحكم بأنه عار ومخيب للآمال، وانتقد بعض القضاة بشدة متهماً إياهم بالخضوع لسيطرة "مصالح أجنبية" لم يحددها، ووصف بعضهم بـ"أشخاص فاسدين" غير وطنيين للغاية وغير موالين لدستور الولايات المتحدة، من دون أن يحدد أسماء من يقصدهم من القضاة.
ويعود الاستياء الشديد من قبل ترمب، إلى أن قرار المحكمة سيجعل من الصعب عليه استخدام التعريفات الجمركية والتهديد بها بهذه الطريقة، لأن النتائج المترتبة على القيود الدستورية التي وضعها القضاة على صلاحيات الرئيس في فرض التعريفات، ستحد من تبرير فرضها لأسباب سياسية، كما يشير كينت جونز، أستاذ الاقتصاد في كلية بابسون بولاية ماساتشوستس الأميركية.
ما التعريفات غير القانونية؟
تشمل التعريفات التي قضت المحكمة بعدم قانونيتها تعريفات "المعاملة بالمثل" التي فرضها ترمب لموازنة قيمة الحواجز التجارية التي تفرضها دول أخرى، وتراوحت هذه التعريفات بين 34 في المئة على الصين و10 في المئة كحد أدنى لبقية دول العالم، وتشمل تعريفة بنسبة 25 في المئة على بعض السلع من كندا والصين والمكسيك، وذلك بسبب ما يزعم من تقاعس هذه الدول عن كبح تدفق مخدر الفنتانيل إلى الولايات المتحدة.
وبإلغاء هذه التعريفات، من المفترض أن تجبر المحكمة العليا جداول التعريفات الجمركية الأميركية على العودة إلى الوضع السابق قبل فرضها في الثاني من أبريل (نيسان) 2025، أو "يوم التحرير" كما سماه ترمب.
غير أن قرار المحكمة لا يشمل جميع التعريفات الجمركية التي فرضتها الإدارة الأميركية، بما في ذلك التعريفات المفروضة لحماية الأمن القومي بموجب المادة 232 على صناعات محددة كصناعات السيارات والصلب والألومنيوم، وكذلك بموجب المادة 301، وهي قانون يسمح للرئيس بفرض تعريفات جمركية على دول بعينها إذا اتبعت ممارسات تجارية غير عادلة أو تمييزية ضد الولايات المتحدة، ويشمل ذلك بعض التعريفات المفروضة على الواردات من الصين.
أدوات ترمب البديلة
لطالما استخدم الرئيس الأميركي، أو هدد باستخدام، التعريفات الجمركية بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لأسباب سياسية، بما في ذلك ضد البرازيل بسبب محاكمتها لرئيس سابق، والمكسيك بسبب الهجرة، وكندا بسبب خططها لتوقيع اتفاقية تجارية مع الصين، ولأسباب أخرى، لكن ترمب اختار استخدام قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية كركيزة أساسية لسياسته التجارية، لأنه فسره على أنه يمنحه سلطة مطلقة وغير محدودة لفرض تعريفات جمركية دون أي قيود إضافية من الكونغرس.
ومع ذلك، لا ينهي حكم المحكمة العليا تعريفات ترمب الجمركية، بل يفتح فصلاً جديداً، حيث يتوقع أن يكون هناك مزيد من عدم اليقين، والتقلبات التي يتعين على الشركات التعامل معها، ومزيد من الاتفاقات التجارية الشائكة التي يتعين على الدول التفاوض في شأنها.
سارع ترمب مع الانتكاسة التي مني بها، إلى تحدي قرار المحكمة بالإعلان عن أنه سيوقع أوامر لإعادة فرض الرسوم الجمركية باستخدام صلاحيات قوانين أخرى، مثل المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 والتي قال إنه سوف يستخدمها في فرض تعريفة جمركية عالمية بنسبة 10 في المئة وستدخل حيز التنفيذ في غضون ثلاثة أيام تقريباً.
لكن على رغم أن هذا القانون يتيح للرئيس فرض رسوم جمركية لمعالجة عجز ميزان المدفوعات الكبير والخطر، فإن القانون يفرض أيضاً حداً زمنياً مقداره 150 يوماً على هذه التعريفات، ما لم يصوت الكونغرس على تمديدها، ويشير كلارك باكارد، المتخصص التجاري في معهد كاتو، إلى أن المادة 122 ستتيح للرئيس التحرك بسرعة، لكن لا يزال الكثير غير واضح في شأن صلاحياتها الفعلية لأن هذا القانون لم يُفعل من قبل، ولا توجد سابقة قضائية توضح حدوده.
ترسانة مقيدة
يمتلك ترمب خيارات إضافة قوية في ترسانته لكنها مقيدة بشروط مثل المادة 232 من قانون توسيع التجارة، إذ تسمح له هذه المادة، بفرض رسوم جمركية على المنتجات الأجنبية حفاظاً على الأمن القومي والتي سبق أن استخدمها بالفعل على نحو 10 في المئة من الواردات الأميركية، بما في ذلك السيارات والصلب والنحاس، إلى جانب سلع أخرى، وفي حين لم يُشر الرئيس إلى ما إذا كان يخطط لاتخاذ إجراءات تجارية إضافية باستخدام المادة 232، إلا أنه أكد أن جميع الرسوم الجمركية الحالية بموجب هذا القانون ستظل سارية.
ومع ذلك، تتطلب المادة 232 إجراء تحقيق من قبل وزارة التجارة لتحديد ما إذا كانت الواردات تشكل خطراً على الأمن القومي، وبموجب القانون، أمام وزير التجارة 270 يوماً لتقديم نتائج التحقيق إلى الرئيس، وإذا خلص التحقيق إلى أن سلعة مستوردة معينة تشكل تهديداً للأمن القومي، فبإمكان الرئيس فرض رسوم جمركية.
أما المادة 301 لعام 1974 التي أعلن الرئيس أنه سيستخدمها، فتتعلق بفتح تحقيقات في الممارسات التجارية غير العادلة، مما قد يسفر عن فرض رسوم جمركية إضافية، لكنها أيضاً تتطلب إجراء تحقيق والتأكد من انخراط دولة ما في ممارسات تجارية غير عادلة أو غير معقولة أو انتهاكات لاتفاقيات تجارية موقعة سابقاً، حيث لجأ ترمب مراراً إلى هذه الصلاحية منذ ولايته الأولى، لا سيما لفرض رسوم جمركية باهظة على الصين، التي من المقرر أن يلتقي رئيسها، شي جينبينغ، في الأسابيع المقبلة.
وهذا يعني أن ترسانة ترمب من التعريفات الجمركية سوف تخضع الآن لإجراءات معتادة، تتطلب إثباتات تقليدية لوجود تشوهات تجارية من جانب الدول الأجنبية لتبرير فرض تعريفات جمركية عليها، وهو ما تصفه باربرا ماثيوز المسؤولة السابقة في وزارة الخزانة الأميركية بأنه إجراء إداري بطيء.
وتعد جميع هذه الخيارات أقل مرونة بكثير من قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، الذي استخدمه ترمب لفرض أو التهديد بفرض رسوم جمركية بصورة تعسفية، وقد تخضع للطعن القانوني في المحاكم الأميركية.
التأثير التجاري العالمي
بعد إعلان عدم دستورية رسوم ترمب التجارية السابقة القائمة على أساس قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، قد تطالب دول عدة بإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية الثنائية التي أبرمتها مع الولايات المتحدة تحت ضغط التعريفات الجمركية وفقاً لهذا القانون، وإذا اختار الشركاء التجاريون للولايات المتحدة التراجع عن اتفاقيات 2025 أو الانسحاب منها، فقد يكون التأثير السلبي في الاقتصاد الأميركي كبيراً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن المستشار السابق في صندوق النقد الدولي جوش ليبسكي، يرى أن هدف الشركاء التجاريين للولايات المتحدة الذين أبرموا بالفعل اتفاقيات مع إدارة ترمب هو في الأرجح الحفاظ على الاتفاق القائم، حتى لو واجهت التعريفات البديلة تحديات قانونية، بدلاً من المخاطرة بإلغاء اتفاقية وفرت في الأقل قدراً من الاستقرار، وعلى هذا الأساس من المتوقع أن تحافظ اليابان والاتحاد الأوروبي على اتفاقياتهما التجارية مع إدارة ترمب، ومع ذلك، فإن الدول التي لا تزال بصدد إبرام اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة، سوف تتمتع الآن بنفوذ أكبر بعد صدور الحكم الأخير.
استرداد التعريفات
على رغم أن قرار المحكمة العليا الأميركية لم يتناول مسألة استرداد قيمة التعريفات، لكن كثيراً من الشركات المستوردة أشارت بالفعل إلى أنها ستطالب بها، إذ يحق من حيث المبدأ لأي شركة أميركية تمتلك إيصالات جمركية توثق سدادها للرسوم الجمركية، أن تسترد ما دفعته للحكومة الفيدرالية إذا أقرت المحكمة العليا هذا الإجراء.
لكن ترمب أعلن أيضاً عن نيته اللجوء إلى القضاء ضد الدعاوى القضائية التي رفعتها الشركات التي تسعى إلى استرداد التعريفات الجمركية المفروضة بموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية والتي تصل قيمتها إلى 175 مليار دولار، ويبدو أن البيت الأبيض يفسر صمت المحكمة العليا في شأن ما إذا كان ينبغي رد المبالغ المستردة وكيفية ردها، على أنه يمنحه أقصى قدر من المرونة في الإجابة عن هذه التساؤلات.
ومع ذلك، تتحمل الشركات واجباً ائتمانياً تجاه مساهميها، مما يعني أنها مضطرة إلى اللجوء للقضاء لاسترداد أموالها، حتى لو كان ذلك يعرضها لغضب الإدارة حسبما يقول جوش ليبسكي الذي يرى أن القوة تكمن في الوحدة ولهذا يتوقع سيلاً من الدعاوى القضائية خلال الأسابيع القادمة ضد الحكومة الفيدرالية لاسترداد الأموال التي دفعتها الشركات المستوردة وتحملت عبئاً كبيراً حتى لا ترتفع الأسعار بصورة كبيرة على المستهلكين الأميركيين ريثما تستقر التعريفات والأسواق.
تداعيات سياسية
بما أن الرأي العام الأميركي يتخذ موقفاً سلبياً بالفعل تجاه الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، وأدت إلى زيادة الأسعار وإرهاق جيوب الشعب الأميركي، سيتعين على الرئيس التعامل مع رد فعل عنيف محتمل ضد أي محاولات لاستبدال الرسوم المرفوضة برسوم جديدة، وسيكون من المثير متابعة رد فعل الجمهوريين في الكونغرس على استراتيجية ترمب الجمركية في ضوء انتخابات التجديد النصفي القادمة المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، فمن المحتمل أن يعارض الجمهوريون من الولايات المتاخمة لكندا أي جهود إضافية للحد من التجارة مع جارتهم الشمالية، وقد يفرض هذا مزيداً من القيود على سياسة ترمب الجمركية.
وتأكيد المحكمة على سلطة الكونغرس في ما يتعلق بالتعريفات الجمركية، قد يحفز الكونغرس على اتخاذ موقف أكثر حزماً، وهو الذي أبدى بالفعل نفاد صبر متزايد، وإن كان حذراً، إزاء لجوء إدارة ترمب إلى التعريفات الجمركية الأحادية.
في المقابل، بدا أن قرار المحكمة العليا ضد كثير من تعريفات ترمب الجمركية، أحدث عجزاً بقيمة تريليون دولار، وهو ما سارع ترمب إلى القول إنه قادر على سده، عبر استخدام ترسانة قوانين أخرى للإبقاء على التعريفات الجمركية.
ويعود السبب وراء إصرار إدارة ترمب إلى أن الإيرادات المحصلة من الرسوم الجمركية تضاعفت ثلاث مرات تقريباً العام الماضي، وكان من المتوقع قبل قرار المحكمة العليا، أن تدر ما يقارب 3 تريليونات دولار من الإيرادات على مدى الأعوام التسعة المقبلة، وفقاً لمكتب الموازنة في الكونغرس، وهو جهة غير حزبية، لكن قرار المحكمة يؤثر في الرسوم الجمركية المسؤولة عن نصف هذه الإيرادات تقريباً، حيث يقدر الأثر المالي لفقدان هذه الرسوم بنحو 1.5 تريليون دولار.
وبحسب المحللة في مركز أبحاث مؤسسة الضرائب، إريكا يورك، فإن محاولات إدارة ترمب استخدام الصلاحيات الأخرى المتاحة قد تساعد في تعويض نصف الأموال المفقودة، لكن ليس كلها.
ومما يزيد من وطأة المشكلات التي تواجهها إدارة ترمب أنها أعادت تشكيل الوضع المالي للبلاد منذ توليها السلطة، حيث أقرت خفضاً مكلفاً لضريبة الدخل، حذر الاقتصاديون من أنه قد يضع الدولة المثقلة بالديون أصلاً على مسار أكثر خطورة، لكنها راهنت على أن التعريفات الجمركية الواسعة التي فرضتها على مدى عام كامل، سوف تساعد كثيراً في سد هذا العجز المالي، والآن تجد نفسها أمام أخطار جديدة تلقي بظلالها على المسار الاقتصادي لإدارة ترمب قبل ثمانية أشهر فقط من موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، مما ينذر بعواقب سلبية على الجمهوريين في المستقبل القريب.