Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتخابات ليبيا: استحقاق واقعي أم وهم سياسي؟

مراقبون يحذرون من تداعيات تحول المفوضية إلى نزاع بين مجلسي النواب والدولة

مواطنات ليبيات يدلين بأصواتهن في انتخابات عام 2018 (رويترز)

ملخص

عبرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها إزاء تصاعد حدة الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، في شأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

امتدت ألسنة لهب الصراع الليبي هذه المرة نحو المفوضية الوطنية العليا للانتخابات التي باتت محل تجاذب بين مجلسي النواب والدولة، خلال وقت تدفع فيه الأمم المتحدة نحو انتخابات وطنية تنهي المراحل الانتقالية والفوضى الأمنية والسياسية التي تعانيها البلاد، منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.

الصراع الليبي حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات خرج إلى العلن منذ انهيار مسار انتخابات ديسمبر (كانون الأول) 2021، ليشتد عوده عند تصويت مجلس الدولة الاستشاري (في الغرب الليبي)، الإثنين الماضي، على انتخاب صلاح الدين الكميشي رئيساً جديداً للمفوضية العليا للانتخابات في خطوة قوبلت بالرفض التام من قبل مجلس النواب (الشرق)، الذي أعلن رئيسه عقيلة صالح أن ما ذهب إليه مجلس الدولة لا مبرر له.

صالح أعلن بوضوح تمسكه بالرئيس الحالي عماد السايح الذي يقود المفوضية منذ عام 2012، متهماً رئيس مجلس الدولة محمد تكالة بـ"عرقلة الانتخابات، وأنه لا يريد خروج ليبيا من الوضع الحالي".

حرب كلامية

رئيس مجلس النواب الليبي أكد ضمن حديث تلفزيوني "أهمية استكمال عمل المفوضية حسب توصيات بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا"، محذراً من "إدخال مناطق الشرق والغرب والجنوب في صراعات إضافية".

من جانبه، قال رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة إن "اتفاق بوزنيقة حدد آلية اختيار رئيس المفوضية وأعضاء مجلس إدارتها، إذ يختار مجلس الدولة رئيس المفوضية وثلاثة أعضاء، بينما يختار مجلس النواب الأعضاء الثلاثة الآخرين".

وتابع تكالة، ضمن كلمة تلفزيونية نقلها المكتب الإعلامي لمجلس الدولة على صفحته الرسمية عبر "فيسبوك"، أن "مجلس الدولة أوفى بجميع التزاماته المتعلقة بالمناصب السيادية، ومن ضمنها تلك المتعلقة بالمفوضية حسب الآليات المتفق عليها مع مجلس النواب".

بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من جهتها عبرت عن قلقها إزاء تصاعد حدة الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في شأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وقالت ضمن بيان لها إنها "تأسف لكون المجلسين بدلاً من العمل على بناء توافق حول هذه المسألة العالقة منذ أكثر من عقد، انخرطا في مسار من التصعيد المتبادل، مما ينذر بفتح فصل جديد من الخلاف والانقسام المؤسسي".

ودعت البعثة إلى "وقف جميع الإجراءات الأحادية، محملةً المجلسين مسؤولية أي انقسام قد يؤثر في عمل المفوضية مستقبلاً"، منوهة إلى أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات "لا تزال حتى الآن واحدة من المؤسسات الوطنية القليلة التي حافظت على وحدتها، وأظهرت قدرة فنية وكفاءة في إدارة الاستحقاقات الانتخابية".

 

البعثة الأممية عبرت عن استعدادها لدعم مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة من أجل التوصل إلى حل توافقي لهذا الخلاف، موضحة أنها ستواصل "العمل مع مجلس المفوضية الحالي من أجل المضي قدماً في إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، على أساس إطار انتخابي سليم وقابل للتنفيذ".

وفي رده على كل هذه التطورات، قال رئيس مفوضية الانتخابات عماد السايح إن أخطاء البعثة الأممية للدعم في ليبيا متكررة ورسائلها متضاربة، مؤكداً أنه غير متمسك بمنصبه وسيغادر إذا توافق مجلسا النواب والدولة على إعادة تشكيل مجلس المفوضية، مؤكداً أنه يستمد شرعيته من حكم المحكمة العليا فحسب.

مناكفة سياسية

ورأى المتخصص في العلوم السياسية في جامعة بنغازي محمود الكاديكي أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا سبق ودعت في إحاطتها الماضية أمام مجلس الأمن الدولي إلى استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والآن خرجت لتؤكد تمسكها بالمكتب الحالي، موضحاً أن مفوضية الانتخابات هيئة مستقلة تعمل في معزل عن التجاذبات السياسية، لكن ما حصل الآن على أرض الواقع يبين أنها أصبحت طرفاً في السجال السياسي.

وقال الكاديكي إن مفوضية الانتخابات أضحت طرفاً سياسياً منذ عام 2021، عندما ألقت كرة تعطل الانتخابات في ملعب القوة القاهرة، متسائلاً "كيف لمجلس النواب أن يتمسك بمجلس المفوضية الحالي، والحال أنه سبق وأكد من خلال لجنته أن تأجيل استحقاقات انتخابات عام 2021 كان بسبب مفوضية الانتخابات"، موضحاً أن الأمم المتحدة في ليبيا طالبت هي الأخرى بإعادة تشكيل مجلس المفوضية، والآن يعلن كل منهما تمسكه بالمجلس الحالي للمفوضية العليا للانتخابات.

وتابع أن "جميع بيانات اللجنة الاستشارية التابعة لبعثة الأمم المتحدة بليبيا ومن خلال لقاءات مجلسي الدولة والنواب تؤكد جميعها إلى آخر لحظة الاتفاق على إعادة تشكيل مجلس المفوضية بصورة كاملة، غير أن مجلس النواب غير توجهه بعد فترة وأصبح معارضاً لانتخاب رئيس جديد للمفوضية العليا للانتخابات".

ووصف الكاديكي ما قام به مجلس النواب بـ"التخطي للجان التي كلفت بينه ومجلس الدولة لتغيير مجلس المفوضية، فمجلس النواب وافق على تعديل أو إضافة الشواغر لدى مجلس المفوضية، وهو أمر رفضه مجلس الدولة الذي أصبح يرى نفسه مهمشاً وأنه على الرف، بسبب مخالفة مجلس النواب للاتفاق السياسي الذي ينص على أن المناصب السيادية يجب أن تكون بالتشاور بين المجلسين".

وأكد أنه كان من المفروض أن يخاطب البرلمان مجلس الدولة للعمل على انتخاب رئيس جديد للمفوضية أو إدخال تعديل على مجلسها، تفادياً للزج بها في سجل الصراع السياسي.

واعتبر أن ما حصل بين المجلسين عبارة عن مناكفة سياسية بينهما، مشدداً على أن "الأمر سيحدث شرخاً مؤسسياً لتكون المفوضية العليا للانتخابات برأسين، واحد بالشرق والآخر بالغرب الليبي، وتنقسم بذلك المفوضية مثلما انقسمت بقية مؤسسات الدولة".

ولاحظ الكاديكي أن "المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أصبحت خصماً سياسياً ضد مجلس الدولة، مشيراً إلى أنه إذا سلم مجلس المفوضية الحالي للمجلس الجديد فلن يعترف به البرلمان وإذا بقي المجلس الحالي للمفوضية فكل قراراته سيطعن عليها في مجلس الدولة.

انقسام مؤسسي

خلال الوقت نفسه، قال المحلل السياسي حازم الرايس إن الخطوة الأخيرة التي أقدم عليها المجلس الأعلى للدولة لتسمية رئيس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات جاءت ضمن سياق تفاعل مع إجراءات سابقة اتخذها البرلمان خلال جلسته نهاية عام 2025، والتي عدت خروجاً عن التفاهمات والاتفاقات (تعيين المناصب السيادية بالتشاور بين المجلسين) التي توصلت إليها اللجان المتخصصة في المجلسين خلال الأشهر الماضية، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والخاصة بإعادة تشكيل مجلس الإدارة كاملاً.

ولفت الانتباه إلى أن هذا التوافق تعرض لاحقاً لتعقيدات سياسية إضافية، في ظل انخراط رئيس المفوضية الحالي عماد السايح ضمن التجاذبات السياسية، من خلال مواقف وبيانات فُهمت من قبل مجلس الدولة على أنها انحياز لرئيس مجلس النواب، مما دفع الأخير إلى الدفاع عن بقائه منقلباً على التفاهمات (تعيين المناصب السيادية يجب أن تكون بالتشاور بين المجلسين) في مقابل إصرار المجلس الأعلى للدولة على تغييره.

وقال الرايس إن ملف رئاسة المفوضية ربط بتسويات أوسع تتعلق بتسمية بعض المناصب السيادية، من بينها هيئة الرقابة الإدارية ومحافظ مصرف ليبيا المركزي بصورة صريحة من قبل رئيس مجلس النواب ضمن تصريحاته الأخيرة، إذ يلاحظ في هذا السياق أن بعض هذه المناصب ولا سيما منصب محافظ المصرف المركزي تخضع لتوازنات دولية خاصة، وكانت محل توافق مُسبق بين مجلسي النواب والدولة برعاية أميركية في شأن تسمية محافظ جديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت الانتباه إلى أنه في ظل هذه التطورات، تعكس التصريحات الأخيرة لبعثة الأمم المتحدة استعدادها لإدارة الخلاف القائم إلى حين التوصل إلى تسوية، بما يشير إلى عدم حسم الموقف النهائي من الترتيبات الحالية، بمعنى أنها ليست معترفة بالإجراءات الأخيرة لانتخاب رئيس جديد للمفوضية من قبل مجلس الدولة، ولكنها ستتعامل مع المجلس الحالي إلى حين دخول المجلسين ضمن جولات تفاوض جديدة في شأن شكل التغيير على مجلس إدارة المفوضية.

واعتبر الرايس أنه مع استمرار الخلاف حول آليات الاعتماد والتشكيل وتعدد المسارات الإجرائية بين المجلسين، يتجه المشهد السياسي نحو مزيد من الانقسام المؤسسي، في ظل اعتماد بعثة الأمم المتحدة شبه الكامل على توافق مجلسي النواب والدولة في إدارة الأزمة السياسية.

صراع مفتوح

وعن إقحام المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في الصراع بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، قال عميد كلية العلوم السياسية بجامعة نالوت إلياس الباروني إن هذا الأمر لا يعد حدثاً عابراً، بل مؤشراً إلى انتقال الأزمة الليبية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، إذ لم يعد الخلاف يدور فقط حول متى ننتخب، بل حول من يتحكم في شروط الانتخابات ذاتها، وفي ظل غياب إطار دستوري جامع وتوافق سياسي حقيقي، فإن هذا المسار ينذر بتحويل المفوضية من أداة للحل إلى جزء من المشكلة، ويجعل أي حديث عن انتخابات قريبة أقرب إلى الوهم السياسي منه إلى الاستحقاق الواقعي.

وشدد على أن لإقحام المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في العاصفة السياسية عدة تداعيات، واصفاً هذه الخطوة بالتطور البالغ الخطورة، ليس فقط على المسار الانتخابي بل على مجمل العملية السياسية الليبية، فالمفوضية من حيث المبدأ تعد مؤسسة فنية مستقلة يفترض أن تكون محصنة من التجاذبات السياسية، لكن ما يحدث اليوم يعكس انتقال الصراع من مستوى الشرعيات السياسية إلى مستوى الأدوات الإجرائية للديمقراطية ذاتها.

ويضيف أن الانقسام بين المجلسين حول تغيير مجلس المفوضية من عدمه يكشف عن جوهر الأزمة الليبية المستمرة، في صورة صراع مفتوح على من يمتلك حق تعريف الشرعية وليس فقط ممارستها، فقرار المجلس الأعلى للدولة بالتصويت على اختيار رئيس جديد للمفوضية لا يمكن فصله عن سعيه لإعادة تشكيل موازين التأثير في المسار الانتخابي، وبخاصة في ظل تعثر التوافق حول القوانين الانتخابية والاستحقاقات الدستورية. في المقابل، فإن تمسك مجلس النواب برئيس المفوضية الحالي يعكس رغبته في الحفاظ على الوضع القائم بوصفه الأقل كلفة سياسياً، والأكثر انسجاماً مع حساباته المتعلقة بمخرجات أية عملية انتخابية محتملة.

ولاحظ الباروني أن هذا الخلاف لا يُقرأ فقط كاختلاف إداري أو قانوني، بل كصراع سياسي مقنع حول التحكم في بوابة الانتخابات، فالمفوضية في السياق الليبي ليست مجرد جهة تنظيمية بل أصبحت فاعلاً مفصلياً يؤثر في توقيت الانتخابات وقبول أو رفض الترشحات وتفسير القوانين الانتخابية، وهو ما يجعل السيطرة عليها أو التأثير في قيادتها مسألة ذات أبعاد استراتيجية بالنسبة إلى الأطراف المتنافسة.

وأكد أن موقف الأمم المتحدة القاضي بالاستمرار في العمل مع المجلس الحالي للمفوضية يكشف بدوره عن مقاربة براغماتية تفضل الاستقرار المؤسسي على الانخراط في صراعات داخلية مفتوحة، غير أن هذا الموقف وإن كان يهدف إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الجاهزية الانتخابية، قد يفسر داخلياً باعتباره انحيازاً ضمنياً لطرف على حساب آخر، مما يهدد بتقويض الثقة الوطنية في دور البعثة الأممية، ويعيد إنتاج سردية "الشرعية الخارجية" مقابل "الشرعية الداخلية".

ويؤكد أن أخطر تداعيات هذا المشهد تتمثل في تآكل ما تبقى من الثقة العامة في العملية الانتخابية ذاتها، فحين تصبح المفوضية محل نزاع سياسي تفقد الانتخابات معناها كآلية محايدة لتداول السلطة، وتتحول إلى أداة جديدة لإدارة الصراع بدل حله، وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام الطعن المسبق في أية نتائج انتخابية قادمة، بل وربما تبرير تعطيلها أو رفضها سياسياً وأمنياً.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير