ملخص
حاول كشافة إبستين إغراء المتسابقات بوعود مثل تمكينهن من وظائف في أوروبا والولايات المتحدة، لكن الخطاب تغير سريعاً ضمن مساع إلى تجنيدهن إلى شبكة إبستين، ولم تعلق السلطات التونسية على الفور على هذه المزاعم.
دخلت تونس على خط الجدل المتصاعد في شأن أنشطة الملياردير الأميركي الراحل جيفري إبستين، والمدان بجرائم جنسية، وذلك إثر نشر وزارة العدل الأميركية وثائق ترتبط بالشبهات التي تحوم حوله، وتتعلق بمحاولات تجنيد عارضات أزياء شاركن في مسابقة دولية في تونس، وأيضاً محاولة لشراء طائرة تونسية في كنف السرية.
وبحسب الوثائق، التي أفرجت عنها السلطات الأميركية والتي تضم نحو 3.5 مليون صفحة، فإن كشاف موضة مقرب من إبستين نجح في اختراق مسابقة لعارضات أزياء في تونس خلال عام 2009، وهي مسابقة شهدت مشاركة 47 فتاة من جنسيات مختلفة بينهن ثلاث تونسيات.
وفي البداية، حاول كشافة إبستين إغراء المتسابقات بوعود مثل تمكينهن من وظائف في أوروبا والولايات المتحدة، لكن الخطاب تغير سريعاً ضمن مساع إلى تجنيدهن إلى شبكة إبستين، ولم تعلق السلطات التونسية على الفور على هذه المزاعم.
وفي أواخر عام 2025، أقر الكونغرس الأميركي قانون "شفافية ملفات إبستين" الذي أتاح نشر وثائق تتعلق بقضيته وبعلاقاته المالية والاجتماعية واستخدامه لطائرته، من أجل تجنيد قاصرات للاستغلال الجنسية وغير ذلك.
تحقيقات محتملة
وأثار ظهور تونس بصورة مفاجئة في وثائق جيفري إبستين جدلاً واسعاً، خصوصاً أن البلاد ذكرت في 366 بريداً إلكترونياً لرجل الأعمال الأميركي من أصل 3 ملايين وثيقة ونحو ألفي فيديو وآلاف من الصور.
وعلى رغم أن معظم الوثائق التي جرى فيها ذكر تونس تتعلق بمواد صحافية وأكاديمية في مرحلة ما بعد انتفاضة الـ14 من يناير (كانون الثاني) عام 2011، وأيضاً تحاليل للصراع السياسي في البلاد، تحوم شبهات حول تجنيد ملكات جمال ضمن شبكة إبستين وأيضاً صفقة غامضة لبيع طائرة تونسية.
ورأى الباحث السياسي التونسي المنذر ثابت أن "من الضروري تحديد طبيعة العلاقة التي جمعت جيفري إبستين مع هذه الشخصيات التي أطرت وأنفقت أموالاً على الحفلة التي شهدتها تونس لعارضات أزياء، وإن كانت هذه العلاقة قابلة للتصنيف الإجرامي، بمعنى آخر ضرورة الكشف عما إذا كانت هذه العلاقة تكتسي طابعاً إجرامياً".
وأوضح ثابت في حديثه لـ"اندبندنت عربية" أن "ما يتعلق بمسألة الطائرة يجب أن يكون هناك توضيح لطبيعة الصفقة، وإثر ذلك يمكن إطلاق تحقيقات حول ما إذا كانت هناك شبهات جريمة، وبكل تأكيد ستكون هناك تحقيقات".
غموض كبير
وعلى رغم أن قضية محاولة اختراق مسابقة عارضات الأزياء شغلت الحيز الأكبر من الرأي العام في تونس، لا يقل ملف الطائرة التي يبدو أن إبستين حاول الاستيلاء عليها، أهمية عنها، خصوصاً أنه لم يجر التوضيح ما إذا كانت الصفقة تمت بالفعل أم لا.
ففي رسالة تحمل عرض جدي إلى شركة الخطوط الجوية التونسية، حاولت شبكة إبستين شراء طائرة للشركة، التي تعاني أزمات كبيرة، في مقابل 15 مليون دولار أميركي.
اللافت أن الشركة التي حاولت اقتناء الطائرة التونسية مقرها جزر العذراء الأميركية، وهي مورطة في نقل ضحايا جيفري إبستين، وقد وضعت شروطاً مثيرة ضمن عرضها لشركة الخطوط التونسية الجوية من بينها ضرورة إزالة الشعارات والالتزام بالسرية التامة في شأن الصفقة، ولم تعلق بعد الخطوط التونسية الجوية على الأمر.
وعد المحلل السياسي التونسي محمد صالح العبيدي أن "الجدل الذي تعرفه تونس في شأن اختراق محتمل لشبكة جيفري إبستين لمسابقة ملكات جمال، وأيضاً سعيها إلى اشتراء طائرة من الخطوط الجوية ’مشروع للغاية‘، إذ يعني ذلك محاولة هذه الشبكة جعل تونس محطة عبور لأنشطتها الإجرامية".
وأوضح العبيدي في تصريح خاص أن "على السلطات التحرك من أجل حسم هذه الشبهات وإطلاع الرأي العام بالمستجدات، لا سيما أن غموضاً كبيراً يحيط بهذه الأنشطة التي تشكل زلزالاً أخلاقياً ومالياً عندما يتعلق الأمر بمحاولات للحصول على طائرة في كنف السرية أو تجنيد قاصرات ضمن شبكة للاستغلال الجنسي".
تأثير سياسي
وزادت الإشارة إلى تونس في هذه الوثائق ضمن تحاليل للخلافات السياسية التي عرفتها البلاد قبل أعوام من الجدل، لا سيما أن أطرافاً سياسية كثيراً ما تحدثت عن وجود "مؤامرة" ضد الثورة تحاول أطراف داخلية وخارجية تنفيذها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكانت تونس مهد أحداث ما يعرف بـ"الربيع العربي" في عام 2011، لكن ثورتها تحولت إلى سجالات عنيفة ضمن الانتقال الديمقراطي بين العلمانيين والإسلاميين، وذكرت الوثائق المُفرج عنها من وزارة العدل الأميركية أن هناك علاقة بين شبكة إبستين وتحاليل للصراع السياسي في تونس، إذ نشرت مقالات وقراءات أكاديمية لهذا الصراع في صحف مثل "شمعون بوست" وغيرها.
وقال العبيدي إن "بالفعل، يكشف هذا عن تأثير سياسي خارجي في الأحداث التي عرفتها تونس إثر الثورة حتى وإن كان محدوداً، لكن المطلوب هو تحقيقات من أجل كشف الحقيقة لا سيما أن الحديث عن شبكة مورطة في قضايا استغلال جنسي لقاصرات وجرائم مالية غير مسبوقة".
وأشار إلى أن "دولاً أوروبية كثيرة أطلقت تحقيقات في شأن مثل هذه المزاعم، وعلى تونس أيضاً تكريس الشفافية والمساءلة ومحاسبة من تورط في مساعدة إبستين وشبكته في أنشطة مشبوهة في البلاد".
وفي ظل عدم إعلان السلطات فتح تحقيق في الأمر، من المرجح أن يتفاقم الجدل في تونس في شأن أنشطة إبستين المزعومة في البلاد.