ملخص
يصل عدد الناخبين في سجل الانتخابات إلى 3 ملايين ناخب ممن تنطبق عليهم شروط الحق في التصويت، من أصل تعداد سكاني يصل إلى 7 ملايين نسمة.
أعلن مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا استعداده لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر تنظيمها في أبريل (نيسان) عام 2026.
وقال مجلس المفوضية أمس الإثنين عبر بيان على صفحته بموقع "فيسبوك" إنه شرع في "إعداد اللوائح التنظيمية الخاصة بانتخاب رئيس الدولة، وانتخابات مجلس الأمة (البرلمان) ونشرها، تنفيذاً للقانونين رقم 27 و28 لعام 2023 الصادرين عن البرلمان، استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقرر انطلاقها في منتصف أبريل 2026".
وأوضح البيان أن المجلس "أصدر لائحتي الطعون والمنازعات الانتخابية رقمي 251 و252 لكل من انتخابات البرلمان وانتخاب رئيس الدولة، باعتبارهما الأساس القانوني للتقاضي أمام المحاكم المختصة خلال مختلف مراحل العملية الانتخابية".
وتابع أنه أصدر اللائحة التنظيمية رقم 253 لعام 2025 المتعلقة بتحديث سجل الناخبين التي تعد خطوة جوهرية لضمان سير العملية الانتخابية المقبلة، فضلاً عن استكمال إعداد الموازنة التقديرية للاقتراع".
وأشار إلى أن الموازنة التقديرية "ستحال إلى البرلمان لاعتمادها وفق نص المادتين 87 و91 من القانونين"، مناشداً في هذا الصدد البرلمان "بتسريع الموافقة لتمكين المفوضية العليا للانتخابات من استكمال التجهيزات الفنية واللوجستية قبل حلول أبريل المقبل".
مجلس المفوضية
من جهته طالب المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، مجلس النواب بالإسراع في استكمال ملف تعيين رئيس وأعضاء مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات باعتباره "استحقاقاً وطنياً غايته تعزيز وحدة المؤسسات وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات شاملة وشفافة".
وقال بيان للمجلس إنه عقد "اجتماعات مشتركة مع مجلس النواب في بنغازي وطرابلس، بمشاركة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، إذ جرى بحث آليات إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية وتوحيد المؤسسات".
وعبر المجلس الأعلى للدولة عن جاهزيته لاستكمال الإجراءات فور قيام مجلس النواب بالاستحقاق المطلوب منه في هذا الملف، مشدداً على أن "استكمال الخطوات المتفق عليها يهدف إلى توحيد المؤسسات وتعزيز شرعيتها وفق معايير الكفاءة والتمثيل المتوازن، بعيداً من أي إقصاء".
ودعا رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح في الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تزامناً مع خروج تظاهرات شعبية في الشرق الليبي تطالب بإجراء الاستحقاق الانتخابي وتفويض قائد القيادة العامة بالشرق المشير خليفة حفتر لرئاسة البلاد، المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا إلى "العمل الفوري على إجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن".
وقال رئيس البرلمان خلال بيان إن دعوته إلى إجراء الاستحقاق الانتخابي تمثل "ضماناً لوحدة التراب الليبي ومؤسساته، ومنعاً لاستمرار حال الفوضى والانقسام"، موضحاً أن "هذه التظاهرات تؤكد ثبوت رغبة ما يقارب 3 ملايين مواطن ليبي مسجلين في سجلات الناخبين لإجراء هذه الانتخابات" ومنوهاً أن "مجلس النواب أصدر منذ مدة قانون انتخاب الرئيس عبر الاقتراع المباشر من الشعب، وأحال حينها التشريع رسمياً إلى المفوضية للبدء بتنفيذه واتخاذ الإجراءات اللازمة".
وسبق أن دعا حفتر أثناء تواصله مع زعماء القبائل وأعيان المدن الشرقية والجنوبية والغربية، الشعب الليبي إلى "حراك سلمي لتجاوز الجمود السياسي وتصحيح المسار المنحرف وتقرير مصيره بنفسه"، منوهاً أن "الحلول لا تأتي إلا من إرادة الشعب لا من التدخلات الخارجية" ومؤكداً أن القوات المسلحة ستكون معهم في هذا المسار الوطني لإنهاء الأزمة وبناء الدولة.
دعوة متعجلة
ويصل عدد الناخبين في سجل الانتخابات إلى 3 ملايين ناخب ممن تنطبق عليهم شروط الحق في التصويت، من أصل تعداد سكاني يصل إلى 7 ملايين نسمة.
وعن إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات جاهزيتها للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، يقول المتخصص في الشؤون السياسية والمنسق السابق للتوعية والتواصل بمكتب المفوضية الوطنية العليا للانتخابات محمود الكاديكي إن قبل الذهاب نحو التأكيد على عقد الانتخابات يجب تغيير مجلس المفوضية الوطنية العليا باعتباره أحد العوائق التي واجهت العملية الانتخابية عام 2021، وأشار إلى أن اللجنة الاستشارية ببعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا طالبت بإعادة تشكيل مجلس المفوضية بهدف إعادة بناء الثقة بين مؤسسات الدولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى أن الأرقام والجداول الزمنية التي قدمتها المفوضية، صممت في عجالة وليس بصورة دقيقة، وكأن الانتخابات رهينة موافقة مجلس النواب على الموازنة فقط وهو أمر مغلوط، والدليل هو توقف انتخابات عام 2121، موضحاً أن "النتيجة ليس مرتبطة بموافقة مجلس النواب لأن ليبيا ما زالت بجاجة إلى توافقات سياسية، فهناك حكومتان على الأرض وانقسامات سياسية وأمنية".
ويتابع أن المفوضية أكدت عبر بيانها أنها جهزت موازنة وأعدت لوائح وطعوناً تتعلق بالعملية الانتخابية، وهذه ليست بداية عهد جديد، بل إنه تكرار لخطأ شاهدناه في الماضي، وهو استعداد شكلي فقط غير أن القضية جوهرية وعميقة لأن ليبيا تعاني تناقضات وانقسامات تنفيذية في الشرق والغرب.
وينوه الكاديكي إلى أن تفعيل الإجراءات الانتخابية قبل بداية الحوار المهيكل الشامل الذي دعت إليه البعثة الأممية للدعم في ليبيا، مع نص المفوضية في بيانها على التعجيل باعتماد البرلمان للموازنة، يثير التساؤل هل هذه الانتخابات حقيقية أم هي مجرد مناورة من قبل مجلس المفوضية للنجاة باسمه فقط؟ بخاصة أن المجلس سبق أن أعلن القوة القاهرة في انتخابات عام 2021.
ويدعو الكاديكي إلى تجاوز البروتوكولات والعمل على سن قوانين تضمن قبولاً حقيقياً لنتائج الانتخابات المقبلة.
مسار هش
لكن المحلل السياسي سعيد الدينالي يعارض ما ذهب إليه الكاديكي، مؤكداً أن مشكلة الانتخابات لا تدور حول المفوضية الوطنية العليا لأنها مجرد جسم فني بحت، والمشكلة الرئيسة تشريعية بالأساس، فالاختلاف على القوانين الانتخابية هو العائق الرئيس أمام ذهاب ليبيا نحو انتخابات وطنية تنهي المراحل الانتقالية والفوضى الأمنية والسياسية التي تعانيها منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
ويتساءل الدينالي عن سبب توجه الكاديكي إلى اعتبار ما طرحته المفوضية مجرد مناورة سياسية لإحراج البرلمان، بخاصة أن المشكلة بيد البرلمان وأيضاً مجلس الدولة الاستشاري، فالخلافات حول موضوع صلاحيات وقوانين الانتخابات، ولا سيما الرئاسية منها، تحديداً مزدوجي الجنسية وترشح العسكريين، أمر يؤكد مرة أخرى أن المفوضية لم تكُن يوماً عائقاً أمام الانتخابات، فهي إذا ما توافرت لها الموازنة لتنظيم الانتخابات تكون جاهزة للإشراف وإقامة الاستحقاق الانتخابي، مما دفعها إلى الإعلان أمس عن جاهزيتها الفنية لتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية منتصف أبريل عام 2026، مشترطة توافر التمويل والضمانات الأمنية.
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة "نالوت" إلياس الباروني إن تنظيم الانتخابات أمر ممكن، لكنه في ظل الصراعات والانقسامات الحالية يبدو بعيداً من الواقع، فالخلاف السياسي المؤسسي لم يحل بعد، ولا يزال الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب (وهما حكومتان ومراكز سلطوية متوازية) يشكل عامل إرباك مركزياً حول صلاحيات التنفيذ وكيفية تخصيص وصرف الموارد، إذ تشير تقارير سابقة إلى صعوبة تنسيق الموازنات واستبعاد بنود تطويرية، وهو عامل مالي وسياسي في آن واحد.
ويتابع أن إجهاض انتخابات ديسمبر (كانون الأول) عام 2021 الذي حصل في ظل خلافات دستورية وقانونية حول أهلية المرشحين، وعلقت وقتها المفوضية التنفيذ بقرار "قوة قاهرة" بعد فشل الاتفاق على الإطار القانوني والإجراءات، ترك أثراً سياسياً وشرعياً لا يزال يؤثر في الخريطة الراهنة، منوهاً إلى أن الطريق ليس ممهداً تماماً لإجراء انتخابات شاملة، فالتصريح بجاهزية المفوضية مهم ومشجع على المستوى التقني، لكنه لا يكفي وحده لإزالة العقبات السياسية والأمنية والمالية التي أوقفت الانتخابات سابقاً.
ودعا إلى معالجة التحديات البنيوية التي ستجعل المسار هشاً ما لم تعالج سياسياً ومؤسسياً، وعلى رأسها الشرعية القانونية المتنازع عليها، فالخلاف على قواعد اللعبة كالقانون الانتخابي ومعايير أهلية المرشحين والآليات القضائية لفض النزاعات، جميعها عناصر تؤكد غياب توافق واضح، وتجعل من أي فائز محل اعتراض قانوني وسياسي، إضافة إلى الانقسام الحكومي، فوجود حكومتين ومراكز قرار متنافسة يعني أن أي إجراء يحتاج إلى توافق معقد على الموازنة والترتيبات الأمنية ونشر قوائم الناخبين وسيناريو الإشراف الدولي أو المحلي.
وبيّن أن السيطرة الأمنية المحلية متفاوتة، فإذا لم تستتبع الانتخابات بخطوات لاحتواء الميليشيات ودمجها أو ضمان حيادية القوات، فمن المحتمل أن تستغل الفضاءات الفوضوية لعرقلة أو تزوير النتائج، مشيراً إلى أن التمويل هو الآخر شرط أساس لنجاح الانتخابات، والموازنة الوطنية الموحدة أو آلية تمويل دولية محايدة خطوة مطلوبة لإزالة ذرائع الموازنة كحجة لتأجيل العملية الانتخابية.
وأوضح أن المناخ السياسي الذي تسبب في انسداد آليات التسوية السابقة (2021) أهدر ثقة جزء كبير من الجماهير واللاعبين السياسيين، لذلك حتى مجلس الإدارة الجديد للمفوضية يحتاج إلى مرافقة سياسية (ضمانات قضائية ومراقبة دولية وآليات طعن شفافة) لإعادة الثقة.
السيناريوهات المحتملة
وبخصوص السيناريوهات المتوقعة، يقول أستاذ العلوم السياسية "هناك ثلاثة سيناريوهات، أولها إيجابي يدور حول انتخابات ناجحة ومقبولة نسبياً، وشروطه مرتبطة بموافقة البرلمان على موازنة وطنية، واتفاق سياسي (موقت) بين الكتل الرئيسة على آلية الطعون والحياد الأمني، ودعم أممي- دولي رقابي محدود، ونتيجته انتقال رسمي إلى سلطة منتخبة وبدء معالجة شرعية المؤسسات، غير أن حدوثه يتطلب تعاوناً حقيقياً من اللاعبين الكبار (شرق وغرب، وقيادات ميليشياوية مسؤولة).
أما السيناريو الثاني، فهو جزئي يدور حول انتخابات تشريعية أو محلية فقط، وهو حل وسط يقتضي تنفيذ انتخابات برلمانية أو محلية تقوي المؤسسات التشريعية وتخفف التوتر من دون انتخاب رئيس، وهي انتخابات يمكن أن تستخدم كبناء ثقة مؤسساتي قبل الانتخابات الرئاسية.
والسيناريو الثالث، وفق الباروني، سلبي ويتمثل في إجهاض أو تأجيل جديد للانتخابات، ومن أهم أسباب حدوثه الفشل في تأمين التمويل، وطعن قانوني يعرقل العملية الانتخابية، أو تفجر أمني إقليمي أو محلي، ونتيجته مزيد من الاستقطاب وفقدان صدقية المؤسسات واحتمال ممارسة ضغوط خارجية لفرض حلول لا تحظى بقبول داخلي.
وفي هذا الإطار دعا أستاذ العلوم السياسية البرلمان إلى إقرار موازنة وطنية واضحة تخص الانتخابات، مع آلية رقابة شفافة على الإنفاق الانتخابي كخطوة سريعة ومباشرة تعالج حجر عثرة ذكرته المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، وطالب الأطراف التنفيذية المتنازعة الشرقية والغربية بتوقيع "مذكرة تفاهم موقتة" تنظم مسائل الأمن الانتخابي وآليات نقل السلطة والمعابر العملية لتفادي الطعون التي تعطل العملية.
وأوصى الباروني المفوضية بنشر خطة مفصلة للأمن والطعون وقواعد أهلية المرشحين، مع مواعيد نهائية صارمة وتعاون مع بعثة أممية كمراقب فني، مؤكداً دور المجتمع المدني ووسائل الإعلام في حملات التوعية لرفع الثقة بالعملية الانتخابية، وإشراك ملاحظين محليين ودوليين، مع آلية نشر يومية للنتائج الأولية لخفض الشكوك. ودعا المجتمع الدولي إلى دعم العملية الانتخابية مالياً ولوجستياً شرط تنفيذ الخطوات السياسية أعلاه للضغط على الفاعلين المترددين.