ملخص
تحولت الأكشاك إلى فرصة سانحة للشباب اللبناني من أجل محاربة البطالة، إذ يقدم هؤلاء "سلعاً تقليدية في أطُر عصرية". ويستغل الشباب بعض المناسبات والأعياد من أجل تقديم أطباقهم ولمساتهم الفنية، وتأمين مداخيل مرتفعة من دون دفع إيجارات مرتفعة للأماكن، أو الاعتماد على فرق عمل كبيرة.
بين ركام الأزمات التي تثقل كاهل اللبنانيين، ينبثق مشهد مغاير على الأرصفة وزوايا الشوارع: أكشاك صغيرة بألوان زاهية، وأفكار كبيرة تنبض بالحياة، ومعها تشكل اقتصاد جديد على قياس جيل يبحث عن فرصة… وعن معنى.
لم تعد "الكيوسكات" مجرد أكشاك تبيع القهوة أو ما تبقى من الصحف الورقية، بل صارت تعبيراً عن روح مبادرة تتحدى البطالة، وتبتكر من القليل كثيراً. إنها اقتصاد الظل الذي خرج إلى الضوء، واقتصاد الشباب الذي أعاد رسم ملامح الشارع اللبناني، فكسَر رتابته، وضخ فيه ألوان الفرح والحركة. وقد تطور اقتصاد "الكيوسكات" والأكشاك بصورة مضطردة في لبنان، مدعوماً بأفكار مبدعة تُحاكي رغبات وحاجات الجيل الجديد. ومعه لا تكاد زاوية أو رصيف في الأحياء والمدن اللبنانية الكبرى، تنجو من مبادرة خارجة عن المألوف، وتكسر رتابة الحياة اليومية.
هنا، شبان قاموا بتحويل باص فولكسفاغن قديم إلى جلسة شبابية وداخله تحضر القهوة والمشروبات الباردة وحتى بعض المأكولات السريعة، وهناك شاب جعل عربته ورشة لتصميم وتصنيع المجوهرات و"الفوبيجو" (مجوهرات تقليد)، وبينهما العشرات من أكشاك ما طاب من الطعام الحلو والمالح، والأطباق الشعبية وحتى العصائر اللبنانية الشهيرة لعل أبرزها "الليموناضة" (المصنوعة من الليمون).
هذه الأكشاك التي بدلت من وجه الشوارع اللبنانية وكسرت رتابتها، شكلت أيضاً تحولاً على مستوى النشاط الاقتصادي، وفرصة لشريحة الشباب، تقيهم آثام البطالة.
فرص اقتصادية شابة
يشكل "الكيوسك"، الذي يمكن اختصاره بأنه مؤسسات تجارية صغيرة، بعضها ثابت وآخر متنقل، تجربة استثمارية منخفضة الكلفة ومربحة للشباب اللبناني، وهي فرصة لخريجي الجامعات الجدد وطلاب المدارس وحتى أرباب العائلات لتأمين دخل إضافي.
ويدمج هؤلاء بين التصميم التجاري الشبابي العصري، المليء بالألوان والأضواء، وتقديم سلعة مميزة.
تعد تجربة عبدالله هللو واحدة من آلاف التجارب التي بدأها الشاب العشريني، إذ بدأ استثمارة بـ 60 دولاراً أميركياً فقط، وقرار ثابت، وموهبة صنع المعجنات على الصاج.
ويقول إنه "قبل عدة سنوات، استغل موسم شهر رمضان، وبدأ بصناعة مناقيش الصاج المالحة وحتى تلك الحلوة، ليتحول لاحقاً المشروع الصغير إلى مكان يقصده كثيرون من أبناء القرية والمحيط، و"يقول بعض الزبائن عندما ترى نقطتنا الصغيرة هذه تستحضر مباشرة شهر رمضان والصاج، مشيراً "لقد استفدت من ميل أهالي الضيعة إلى المأكولات البلدية، والخبز التقليدي، وهي منتوجات تراجع عدد العاملين فيها بشكل عام. ففي السابق، كانت الأمهات والجدات يصنعن الخبز، والقريشة (من الحليب)، واللبنة البلدية، أما حالياً بات يغلب على المشتريات الأغراض الجاهزة".
ويشير الشاب إلى سلوكه مساراً تطورياً، حيث "بدأت بعمل موسمي بسيط، وانتقلت بعدها إلى العمل في أحد المطاعم المشهورة، بعدها قررت الاستقرار في قريتي".
وبهدف، جذب الشريحة الشبابية، قام عبدالله بتركيب شاشة كبيرة، و"عرض كرة القدم المحلية والدوريات الكبرى"، لأن غالبية الشبان بين عمر 12- 25، يبحثون عن مكان يجتمعون فيه لمتابعة المباريات بأجواء حماسية. كذلك قام بتصميم محدد لمحله الصغير من أجل تثبيت هويته في ذهن الزبائن، وطلبات توصيل الدليفيري.
ألوان الفرح في الأسواق
تحمل "الكيوسكات" مشاعر الفرح إلى زوار الأسواق والمناطق السياحية في لبنان، واستثمرت بعض المدن في "التراند"، حيث خصصت شارعاً لأكشاك الطعام على غرار مدينة البترون شمال البلاد. فيما سعت مدن أخرى مثل الميناء في طرابلس شمالاً لتنظيم القطاع، بعد أن انتشرت الأكشاك على الكورنيش السياحي بالمئات، فيما تنتشر أكشاك الكعك والعصير والحلويات والسكاكر في أسواق المدينة وأزقتها.
يشكل اقتصاد الكيوسكات طفرة تطورية في النشاط الاقتصادي، وهو ليس ظاهرة جديدة، بل تنشط منذ القدم الأكشاك والعربات في المناطق الشعبية، ومع مرور الزمن تحولت إلى علامة فارقة في المدن، وجزءاً من تراث وهوية الأماكن.
وتستمر مثلاً بعض الأكشاك منذ نصف قرن من الزمن، التي تبيع الجرائد والكتب، والعصائر والحلويات.
وفي مدينة طرابلس تحديداً، تتغلب تلك العربات والأكشاك في دلالتها على أسماء الشوارع الرسمية التي تُنسَب إلى أعلام وأدباء وشعراء. فباتت الشوارع ترعف باسم أكشاك "حلاوة الشميسة"، أو "بائع الذرة" و"غزل البنات"، ناهيك على "زاوية بياع شراب الخرنوب"، و"عربة الترمس والبليلة"، و"زاوية أبو حسن صاحب بسطة العبيدية والسمسمية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أكشاك القهوة الحاضر الأبرز
تبقى في الصدارة "أكشاك القهوة" التي تعد علامة فارقة، وتنتشر على طول الطريق السريع بين الشمال وبيروت والجنوب، ومختلف الطرق الدولية.
حتى وصل بها الحال لأن يضبط المواطن اللبناني تفاصيل حياته على وقع انتشار الأكشاك" بحسب الشاب غسان، الذي يقول إنه يبدأ يومه بفنجان قهوة عند "الكشك المفضل"، كذلك "تحولت هذه الأماكن إلى مساحة لأخذ قسط من الراحة، والحصول على خدمة جيدة ونظيفة بأسعار مقبولة بعد مسافة القيادة الطويلة".
وتختزن أكشاك القهوة الكثير من المشاعر، ومعها يحاول أصحابها إيصال الرسائل إلى الزبائن، فهنا نقرأ "القهوة هي الحب الأبدي" في محاولة لإثارة مشاعر الزبائن، و"هناك أرواح مثل القهوة، تحادثهم في أي وقت يعدلون مزاجك"، و"قد تكون السعادة أحياناً على هيئة فنجان قهوة".
مبادرات مشجعة ضمن النشاط الاقتصادي
تشكل الأكشاك "فرصة" من وجهة نظر اقتصادية واستثمارية، وهي تتوافق مع إيقاع الحياة العصرية السريعة، إذ نشأت علاقة وجدانية واستهلاكية مع بعض المبادرات والخدمات. ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور باسم البواب إلى "تشكيل الأكشاك جزءاً من النشاط الاقتصادي في مختلف دول العالم، والمدن السياحية، فهو يمتاز بوصفه نشاطاً اقتصادياً مرناً، وقريب من رغبات الناس، ويبيع السلع المنوعة"، لافتاً إلى أنه "حقبة من حقبات تطور التجارة والسوق، التي استفادت من ازدهار النشاط السياحي".
ويشير "اختلفت وتنوعت خدمات الأكشاك، التي اتخذت بداية من بيع الجرائد والكتب عملاً لها قبل أن تتراجع بفعل التطور التقني، وبيع الحلويات السريعة التحضير والسكاكر والبوظة"، منوهاً "جاء تطور الأكشاك نتيجة طبيعية لتطور التجارة في لبنان، وقد سبقتنا دول العالم في هذا المجال، حيث تزدهر أكشاك المأكولات السريعة والزهور وانتقلت لاحقاً لبيع الأطباق اليومية وغيرها"، و"هو يشكل ضرورة للأشخاص بسبب سرعة الخدمة، وانخفاض الكلفة، وفائدته المرتفعة للدولة والأفراد في حال تمكنوا من ضبطه، كذلك هي تسهم في تخفيض معدلات البطالة وتمتاز بالقدرة على الانتقال من مكان إلى آخر، والتأقلم مع المتغيرات، والمشاركة في الأعياد والمناسبات والمهرجانات الكبرى، وهي لا تحتاج إلى بنى تحتية معقدة أو مساحة واسعة أو إيجارات مرتفعة، ومن الممكن أن تفتح أبوابها لساعات طويلة وعلى مدار الساعة خلال أوقات الإغلاق لبقية المؤسسات".
يضع الدكتور البواب "اقتصاد الأكشاك في خانة رواد الأعمال الصغيرة ونجاحات القطاع الخاص"، ويقول "انتقل هذا القطاع من مرحلة المبادرات البسيطة إلى سلاسل منتشرة في مختلف المناطق، ونشأت علامات شهيرة لتقديم السلع المختلفة والأطعمة بأسعار موحدة، وانتشر بعضها في مختلف أنحاء العالم"، مشدداً على ضرورة ضبطها والحفاظ على قيم الرقابة والسلامة العامة وتطبيق الشروط الصحية والتزام القوانين.
وقد حققت الأكشاك نجاحات كبيرة، وأصبحت جزءاً من الهوية البصرية وعاملاً مشجعاً للحركة السياحية في أشهر الوجهات السياحية العالمية.
حماية قانونية ضرورية
على رغم نجاحاتها والإيجابيات الكثيرة التي تحملها، لكن تثير "الأكشاك" إشكاليات قانونية ومخاوف من استخدامها كمنصات للتهرب الضريبي أو الاقتصاد غير النظامي. ويحاول رجال القانون وضع أطر تنظيمية لتلك المؤسسات الواسعة الانتشار في لبنان لدى جيل الشباب. وفي السياق يؤكد الخبير القانوني المحامي رفيق هاشم أن "الإكشاك مؤسسات تجارية، وهي تحتاج للحصول على تراخيص قانونية"، إذ "تقوم على علاقة ثلاثية بين المالك والبلدية التي يتوجب تقديم طلبات الترخيص إليها، وعلاقة بين المالك ووزارة المالية المخولة بمراقبة المداخيل وإجراء التصاريح لدفع الضرائب المتوجبة على من يقوم بنشاط تجاري، أما الجانب الثالث، فينشأ عن العلاقة بين مالك المكان التجاري ووزارة السياحة في بعض الحالات، وتحديداً عندما تبيع المشروبات الروحية، لأنه نشاط بحاجة إلى الترخيص المسبق والرقابة المستمرة والضبط بسبب النتائج الوخيمة المحتملة".
ويشدد هاشم على ضرورة "قمع تعديات بعض الأكشاك على الأملاك العامة والخاصة في تلك التي لا تستحصل على تراخيص، ومن ثم تدخل الجهات الرسمية لضبط وتنظيم القطاع الراهن لتحقيق الفائدة للجميع، وعدم استخدامها للإضرار بالمنفعة العامة من خلال بيع الممنوعات". ويحذر من سوء تأثير بعض الأكشاك على الطرقات السريعة والطرق العامة والخاصة، والتسبب بزحمة وشلل حركة السير وحوداث بسبب عدم ابتعادها المسافة القانونية.
ويدعو المحامي رفيق هاشم في الوقت نفسه إلى ضرورة تبسيط إجراءات تسجيل التراخيص لهذه الأكشاك، واعتماد المعاملات الإلكترونية وتعزيز أطر الحوكمة الرشيدة، لأنه "من غير الجائز استغراق بعض المعاملات لأكثر من سنة ونصف للحصول على الترخيص بسبب الروتين الإداري.