Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الإدارة المدنية" تخدم المستوطنين بالضفة كما لو كانوا في تل أبيب

القوانين ستطبق على الفلسطينيين كنوع من السيطرة وشرعنة الضم

أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ولادة جهازٍ جديد لخدمة المستوطنين في الضفة الغربية يسهّل حياتهم اليومية (صحف إسرائيلية)

ملخص

على رغم أن غالبية المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية تقبع تحت القبضة العسكرية، يعمل أعضاء في الكنيست الإسرائيلي على طرح قوانين تمهد لتطبيق القوانين المدنية الإسرائيلية التي تعمل بها المستوطنات على الفلسطينيين في الضفة كنوع من السيطرة وشرعنة الضم

وسط تصفيق حار وحضور جماهيري واسع من قبل مستوطنين ووزراء وأعضاء كنيست، أعلن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ولادة جهاز جديد لخدمة المستوطنين في الضفة الغربية يسهل حياتهم اليومية ويوفر لهم كل الخدمات التي يحتاجون إليها بسلاسة كما لو أنهم يعيشون وسط تل أبيب، وخدمات التخطيط والبناء والأراضي والتصاريح التي كانت تستوجب حضورهم شخصياً لمقر الخدمات التابع لوحدة الإدارة المدنية في مستوطنة بيت إيل، وسط الضفة الغربية، أصبحت من الماضي، فالقوة العسكرية الإسرائيلية المحتلة التي من المفترض أن تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن الأرض والسكان تحت الاحتلال، تحولت بعصا سموتريتش لمؤسسة حكومية مدنية تدير الشأن المدني للمستوطنين من دون عناء، بما قد يشجعهم لإقامة مزيد من المزارع والبؤر والطرق الاستيطانية على حساب أراضي الفلسطينيين الخاصة، ويهدد بجر المنطقة إلى تصعيد أمني خطر، كيف لا وقد كرس الوزير اليميني المتطرف الذي يتزعم حزب "الصهيونية الدينية" جهوده منذ اليوم الأول لتوليه منصبه لإخضاع جهاز "الإدارة المدنية" وتفكيكه ليغدو واقعاً قانونياً مزدوجاً يسلط أوامره العسكرية على الفلسطينيين وحدهم، في وقت يتربع المستوطنون في الضفة الغربية الذين يعيشون على مقربة منهم، تحت مظلة القضاء والشرطة الإسرائيلية، كما لو أنهم داخل حدود دولة إسرائيل.

 

اتفاقية جديدة

وخلال تدشين مبنى الإدارة المدنية الجديد في مجمع "شعار بنيامين" قرب قرية مخماس شمال شرقي القدس قال وزير المالية الإسرائيلي "نحن نصنع التاريخ ونخرج المكونات المدنية للإدارة إلى مقر مدني"، وأضاف "من الآن فصاعداً، أي مواطن يطلب الحصول على خدمة سيصل إلى مكتب حكومي وليس إلى قاعدة عسكرية، فالجيش ينبغي ألا يدير حياة مدنية في يهودا والسامرة (المسمى العبري للضفة الغربية)". ولم يكتف الوزير اليميني بذلك وحسب بل وقع اتفاقية جديدة لنقل معسكرات الجيش إلى خارج بيت إيل القريبة من رام لله، التي تضم المقر العام للإدارة المدنية التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، لمضاعفة مساحة المستوطنة المقامة على أراض الفلسطينيين بأوامر عسكرية منذ عام 1970 والسماح ببناء 1200 وحدة سكنية جديدة.

ووفقاً لاتفاقي "أوسلو 1 و2" عامي 1993 و1995، فإن نشاطات جهاز "الإدارة المدنية"، الذي أنشأ في سبتمبر (أيلول) عام 1981 كهيئة حكم إسرائيلية تعمل على إدارة شؤون المواطنين في المنطقة المصنفة (ج) بحسب أوامر الحاكم العسكري للضفة الغربية، كان يفترض أن تنتهي ضمن تفاهمات المرحلة الانتقالية عام 1999 إلا أنها إلى اليوم تتمتع من خلال ثماني دوائر منتشرة في مختلف مناطق الضفة الغربية تسمى "مديريات التنسيق والارتباط" بصلاحيات واسعة تشمل تنظيم السفر، ولم شمل الأسر، واستيراد وتصدير البضائع، واستغلال الثروات الطبيعية، وتسجيل ملكية الأراضي. كما أنها منذ نشأتها تتولى مسؤولية التنسيق الأمني والمدني مع السلطة الفلسطينية، ومهام رئيسة عدة في الضفة الغربية، كتنظيم البناء والهدم، وإصدار تصاريح العمل والموافقات لدخول الفلسطينيين إلى إسرائيل، وباتت تشكل نظاماً مركزياً في حياتهم اليومية، لدرجة أن الفلسطينيين في بعض المناطق، لا يملكون القدرة على اتخاذ قرارات حيوية من دون موافقتها. ووفق المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" تضم الإدارة المدنية 23 وحدة أو دائرة تشرف على مختلف تفاصيل الحياة العامة، وتعين كل دائرة من هذه الدوائر مندوباً من وزارة أو سلطة إسرائيلية متخصصة.

أداة تنفيذ

منذ أن صادق الكنيست الإسرائيلي عام 2022 على قانون سموتريتش الذي يمنح صلاحيات وزير في وزارة الدفاع المسؤولية عن الإدارة المدنية، عمل سموتريتش على بسط سيطرته على الإدارة المدنية كأداة للتنفيذ، تعمق الاستيطان وتهجر الفلسطينيين من المنطقة "ج" التي يعيش فيها أكثر من 300 ألف فلسطيني، ومارس ضغوطاً مكثفة على الإدارة المدنية لهدم منازل فلسطينية فيها بصورة متسارعة وبالقوة، بما يضمن السيادة الإسرائيلية على الضفة كلها ويسحق تحقيق حلم إقامة الدولة الفلسطينية. ووفق تقديرات مركز "القدس" للمساعدة القانونية، فإن أكثر من 150 ألف فلسطيني يعيشون في المناطق المصنفة "ج" بمنازل مهددة بالهدم. وذكر تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، أن السلطات الإسرائيلية نفذت خلال العام الماضي ما مجموعه 538 عملية هدم طاولت 1400 منشأة منها 304 منازل مسكونة و74 منزلاً قيد الإنشاء، إضافة إلى 270 منشأة تجارية و490 منشأة زراعية. في المقابل أكدت الهيئة أن "اللجان التخطيطية" المتخصصة بدوائر الاستيطان درست خلال الفترة نفسها ما مجموعه 265 مخططاً هيكلياً لغرض بناء ما مجموعه 34 ألفاً و979 وحدة استيطانية على مساحة 33 ألفاً و448 دونماً (الدونم يساوي 1000 متر مربع)، تمت المصادقة على 20 ألفاً 850 وحدة منها. وبحسب معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي، فإن نقل مسؤولية الإدارة المدنية وتنسيق الأعمال الحكومية في الضفة الغربية من الجيش ليد سموتريتش "سرع ضم الأراضي وقوض الوضع الأمني الذي جلب تحركاً ضد إسرائيل في الساحة الدولية".

توسيع المستوطنات

وقد أكدت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية على ذلك حين قالت إن التحولات الأخيرة في "الإدارة المدنية" ونقل صلاحيات واسعة لزعيم "الصهيونية الدينية" "مكن من توسيع المستوطنات والامتناع عن هدم البؤر الاستيطانية غير القانونية، وعمق التمييز ضد الفلسطينيين".

وتفيد معطيات حركة "سلام الآن" الإسرائيلية الحقوقية، بأنه خلال ولاية حكومة بنيامين نتنياهو الحالية تمت إقامة 69 مستوطنة في الضفة الغربية و150 بؤرة استيطانية عشوائية، وتمت المصادقة على بناء 45187 وحدة سكنية، وشق شوارع بطول 200 كيلومتر. في حين شهدت الفترة بين أعوام 2010 و2022 هدم 537 مبنى فلسطينياً بالمتوسط سنوياً. ووفقاً للحركة هدمت إسرائيل منذ بداية ولاية حكومة نتنياهو الحالية في نهاية العام 2022 وحتى العام الماضي 966 مبنى فلسطينياً بالمتوسط سنوياً.

عام الميدان

بعد أن تعهد نتنياهو، في الاتفاقات الائتلافية مع حزب "الصهيونية الدينية"، بإقامة 70 مستوطنة، وشرعنة 69 بؤرة استيطانية عشوائية وتحويلها إلى مستوطنات، بينها 20 مستوطنة جديدة، ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن السلطات الإسرائيلية تخطط لنقل عائلات إسرائيلية إلى بؤر استيطانية عشوائية في الضفة الغربية إلى حين إعادة بناء المستوطنات الأربع، "حومش" و"سانور" و"غانيم" و"كديم"، التي تم إخلاؤها في إطار خطة "فك الارتباط" عام 2005، وإسكانها في مبان موقتة، إلى أن يتم لاحقاً بناء مبان دائمة ومؤسسات تعليمية وشق شوارع داخلها. ونقلت الصحيفة عن مسؤول في المستوطنات قوله إنه "إذا كان عام 2025 عام ثورة في القرارات وتغيير مفهوم العمل، فإن عام 2026 هو عام الميدان، وسنرى الأقدام على الأرض فعلياً". ووفقاً للصحيفة فإن هذه المخططات لم تأت فقط بعد سن قانون يلغي ضرورة مصادقة رئيس الحكومة ووزير الأمن على أي مرحلة بناء استيطاني، بموجب مصادقة مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر للشؤون السياسية والأمنية، في يونيو (حزيران) عام 2023، بل تعززت في أعقاب تحويل وحدة "الإدارة المدنية" العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي إلى وحدة مدنية تخضع لسموتريتش، بعد تعيينه وزيراً في وزارة الأمن ومسؤولاً عن الاستيطان والمستوطنين، وتعيين مسؤولين مدنيين فيها ونقل عشرات الصلاحيات القانونية إلى مستشارين مدنيين يديرون "مديرية التسويات" التي أقامها سموتريتش للحسم على الأرض. فالضم بالنسبة إلى المستوطنين، بحسب ما ينشر في وسائل إعلام إسرائيلية، بات قائماً بالفعل وإن كان الإعلان عنه سيأتي لاحقاً، بحسب تعبيرهم. وذكرت حركة "سلام الآن" في بيان أن "المعطيات لا تبقي مكاناً للشك، هكذا يبدو الضم"، وأضافت "تجرنا الحكومة إلى كارثة مع أثمان أمنية واقتصادية هائلة وعلينا أن نوقف ذلك".

قانون مدني

وعلى رغم أن غالبية المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية تقبع تحت القبضة العسكرية، يعمل أعضاء في الكنيست الإسرائيلي على طرح قوانين تمهد لتطبيق القوانين المدنية الإسرائيلية التي تعمل بها المستوطنات على الفلسطينيين في الضفة كنوع من السيطرة وشرعنة الضم، فمشروع القانون الذي قدمه عضو الكنيست أوهاد طال من حزب "الصهيونية الدينية" ومعه ثلاثة نواب من كتلته يقضي بفرض "السيادة الإسرائيلية" على كامل أنحاء الضفة الغربية بحيث تصبح قرارات الإبعاد تحت ذرائع أمنية والغرامات المالية التي تعد شائعة بين المقدسيين نافذة حتى في المناطق "أ" الخاضعة لسيادة السلطة الفلسطينية، وعلى رغم أن المقترح لم يقر نهائياً في الكنيست فإنه مورس بالفعل على الفلسطينيين في بعض المناطق بالضفة الغربية، حيث أبعدت السلطات الإسرائيلية عن الحرم الإبراهيمي في الخليل العام الماضي اثنين من سدنته، ومديره، لمدة 14 يوماً، بعد تحقيق أجري معهم داخل مركز شرطة إسرائيلي مدني للمستوطنين في مستوطنة "تيلم" غرب الخليل، في مشهد عده محللون أنه يرسم حدوداً جديدة لقوة النفوذ الإسرائيلي داخل الضفة الغربية، ليس فقط من حيث السيطرة الأمنية بل القانونية كذلك.

المزيد من الشرق الأوسط