ملخص
قال القائد العام لقوات "قسد" مظلوم عبدي في منشور عبر "إكس" إن "نهج القتال ولغة الحرب لفرض حلول أحادية الجانب أمر غير مقبول، ونشر الدبابات والمدفعية في أحياء حلب يقوض فرص التوصل إلى تفاهمات، وقصف المدنيين العزل يهيئ الظروف لتغييرات ديموغرافية خطرة".
ما إن انتهت المهلة المحددة لخروج من بقي من قاطني حيي الأشرفية والشيخ مقصود في الساعة الواحدة والنصف ظهر اليوم الخميس حتى اندلعت نيران المعركة بصورة غير مسبوقة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المتمركزة في جبهة الحيين داخل حلب، وأكدت الحكومة السورية في بيان رسمي اليوم أن الأكراد يمثلون مكوناً أساساً وأصيلاً من مكونات الشعب السوري، مشددة على أن الدولة تنظر إليهم كشركاء كاملين في الوطن، بعيداً من أية محاولات لتصويرهم كطرف منفصل أو حال استثنائية.
وأشار البيان إلى أن الدولة السورية اضطلعت بمسؤوليتها الوطنية والإنسانية في تأمين وحماية النازحين من المواطنين الأكراد إضافة إلى إخوتهم العرب، ووافرت لهم مراكز الإيواء والخدمات الأساس، مؤكدة أن الهدف النهائي هو ضمان عودتهم لمناطقهم الأصلية بأمان وكرامة.
وحملت الحكومة تنظيم "قسد" مسؤولية الفوضى والتصعيد الميداني الراهن، موضحة أن هذا التوتر جاء نتيجة مباشرة لنقض التنظيم اتفاق الأول من أبريل (نيسان) 2025، مما أدى إلى زعزعة التفاهمات السابقة وفتح الباب أمام حال عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.
وفي ما يخص الوضع في مدينة حلب فقد حدد البيان أولويات الدولة في المرحلة الراهنة، وهي تأمين محيط مدينة حلب وإبعاد مصادر النيران عنها وحماية المدنيين ومنع انزلاق الأوضاع نحو تصعيد إضافي، مع المطالبة بإخراج القوات من حيي الشيخ مقصود والأشرفية فوراً.
وشددت الحكومة على أن "حل الأزمة الراهنة لا يكمن في الخطاب الإعلامي المستهلك أو تبادل الاتهامات، بل عبر الاحتكام إلى مؤسسات الدولة السورية باعتبارها الضامن الوحيد لوحدة البلاد وحماية جميع مواطنيها"، ليختم البيان بالتأكيد أن الاستقرار المستدام لن يتحقق بوجود السلاح خارج إطار الدولة، وأن الطريق الوحيد لضمان أمن سوريا ووحدة أراضيها هو عودة سلطة القانون والمؤسسات الرسمية إلى كافة المناطق.
وكانت هيئة العمليات في الجيش السوري أعلنت حظر تجول ابتداء من الساعة الـ 1:30 ظهراً حتى إشعار آخر في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، كما أهابت بالمدنيين الابتعاد من كافة مواقع قوات "قسد" بالتوازي مع إصابات بين المدنيين أثناء الضربات المتبادلة، سقطت فيها قذائف على الأحياء الآمنة ومنها في المدينة الجامعية، ومصرع طالب جامعي مع وصول ثلاث إصابات إلى مستشفى الرازي بعد سقوطهم في أحياء قريبة من محاور الاشتباك.
مناوشات متبادلة
في غضون ذلك تتزايد الحشود العسكرية من معدات ثقيلة مع وصول عناصر من قوات الدفاع وعناصر عشائرية موالية للحكومة الحالية تناصر القوة المهاجمة، ويمكن مشاهدة المدرعات تتجهز لاقتحام الحيين من محاور عدة أبرزها دوار الشيحان وبني زيد ومن "محور كاستيلو"، وقال مصدر عسكري فضل عدم ذكر اسمه أنه مع انتهاء المهلة بات القرار واضحاً بضرب كل مواقع "قسد" واعتبارها "أهداف مشروعة"، بحسب قوله.
وتلعب المنطقة الجغرافية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية دوراً مهماً في الصراع، حيث يقعان على مرتفع عال وتحكم السيطرة على الأرض مع انتشار قناصين على محاور الاشتباك، ومع وصول مجموعات من "العصائب الحمر" فإنها ستعمل على قلب الموازين وسط معلومات عن تقدم الجيش السوري داخل الحيين، إذ تلعب العصائب المدربة على الاشتباك والتسلل خلف خطوط العدو مع تنفيذ عمليات نوعية من المرجح أنها فتحت الثغرة التي يمكن أن تدخل منها القوات الحكومية.
ومع هذا يرى السياسي السوري لبيب نحاس أنه ليس من مصلحة طرفي النزاع الدخول في حرب واسعة، لأن نتائجها غير مضمونة وقد تنعكس سلباً على الموقف والخطاب السياسي للطرفين، ولا سيما مع ارتفاع الكلفة المدنية للمواجهة.
وجزم نحاس في حديث خاص إلى "اندبندنت عربية" بضرورة أن تكون العملية العسكرية محدودة الإطار الجغرافي والزمني وتنتهي بإخراج قوات "قسد" من مدينة حلب، لأن دمشق تحتاج إلى تغيير ديناميكية التعاطي مع "قسد" وتحتاج البدء بسحب أوراق قوتها، ولكن من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة غير مدروسة، لأنها ستكون فخاً عسكرياً وسياسياً في آن واحد.
من جهة أخرى دعت منظمات سورية حقوقية إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية المحدودة التي تشنها وزارة الدفاع، وأعربت في بيان لها عن "قلقها الشديد من تصاعد العمليات العسكرية في مدينة حلب، داعية إلى الوقف الفوري لإطلاق النار وحماية المدنيين ووقف انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والعودة لطاولة المفاوضات السياسية بصورة عاجلة كمسار وحيد لحل الخلافات".
السلاح الثقيل والحشد الضخم
وعاشت مدينة حلب لحظات تحبس الأنفاس منتصف الليل، فقد تصاعدت أصوات قصف راجمات صواريخ هدأت صباح اليوم مع سريان المهلة الثانية لنزوح المدنيين، ونشرت وزارة الدفاع خرائط توضح أماكن قوات سوريا الديمقراطية أو ما يعرف بـ "الأسايش" (قوى الأمن الداخلي الكردية)، وطلبت من المدنيين الابتعاد منها، في حين شوهد الطيران المسير وسلاح الجو التقليدي بصورة محدودة، أتبعه ضربات بالأسلحة المتوسطة للحد منه وإسقاطه، مما أثار الذعر بين المدنيين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وينبه السياسي نحاس إلى "أن مواجهات اليوم وما تبعها كانت من افتعال 'قسد' مما يوحي بأنهم يملكون تصوراً للخطوات المقبلة، ولا سيما أن هناك تصريحات من قبل تلك القوات وأطرافها المؤيدة لها تتحدث عن تطهير عرقي ضد الأكراد، ولذلك يجب أن تحذر دمشق من الانجرار لسيناريو شبيه بسيناريو السويداء مع فوارق جوهرية واضحة، ولكن إذا قررت التدخل العسكري فعليها الحسم السريع".
وفي المقابل دعا الاتحاد الأوروبي إلى ضبط النفس وحماية المدنيين في حلب، وذلك عشية زيارة مقررة لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا إلى دمشق لعقد محادثات مع القيادة السورية، فيما دعا المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي أنور العنوني إلى التوصل لحل دبلوماسي، وكانت جولات التفاوض بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الموقتة في دمشق قد فشلت في تطبيق اتفاق الـ 10 من مارس (آذار) 2024، مع اتهام طرفي النزاع بعضهما بالتقصير وعرقلة الاندماج للطرف الآخر.
وفي الوقت ذاته يرى الباحث السوري في "مركز رامان للدراسات والبحوث" بدر ملا رشيد ضرورة تجنب دمشق و"قسد" الانجرار لحرب مفتوحة، فكلاهما يحاولان إبقاءها محصورة في محافظة حلب، و"قسد" تدرك العرض التركي الأخير الذي قدمته لدمشق وجاهزيتها لعملية عسكرية في حال طلبت سوريا ذلك، موضحاً أن "الحكومة السورية تدرك بأن الانجرار لحرب طويلة أو مفتوحة ستنشئ شرخاً جديداً في المجتمع السوري، كما لا يمكنها تخمين نتائجها مع أو من دون الدعم التركي، لذا من المرجح أن تتدخل الدول المعنية بالشأن السوري وبخاصة أميركا والاتحاد الأوروبي للضغط على الجانبين لعقد هدنة أو اتفاق جديد".
سناريوهات منتظرة
ويستبعد السياسي السوري نحاس أن يكون أي طرف جهّز لهذه المعركة أو وضع سيناريوهات لها، ولكن في حال كان هناك طرف قد تجهز للأمر فربما هو "قسد"، وبالتالي فالمنطقي التوصل إلى تهدئة ووقف إطلاق نار، ولكن هذا لن يؤثر بصورة جوهرية في اتفاق الـ 10 من مارس 2025 وستبقى مجمدة، وقد نعود لطاولة المفاوضات بالديناميكية الحالية نفسها، وهي مضرة للدولة السورية والمجتمع السوري في العموم.
ويرجح نحاس حدوث سيناريو التصعيد من الطرفين أو من طرف واحد، وانفجار الوضع كلياً وربما تحريك "قسد" لشركائها الجدد من الفلول وتوسيع نطاق المواجهة، وعملياً إنهاء اتفاق الـ 10 من مارس 2025، وبالتالي العمل على اتفاق جديد، "وفي كلتا الحالين ستكون هناك جهود أميركية وإقليمية لاحتواء المواجهة وإرجاع الأطراف إلى طاولة التفاوض، مع ضرورة كسر الديناميكية الحالية من قبل دمشق".
وقال نحاس إنه "يمكن رؤية انعكاسات اتفاق أو تفاهم بين دمشق والطرف الإسرائيلي على سير المواجهات و المفاوضات بصورة عامة بين دمشق و'قسد'، فالملفات كلها مترابطة بطريقة أو بأخرى".
وفي المقابل ينظر الباحث ملا رشيد إلى ارتباط المشهد بصورة كبيرة بالقرارات المتوقعة من واشنطن، وما إذا كانت هناك رغبة لديها بالتقليل من قوة "قسد" وإضعافها شعبياً، أو الاستمرار في ممارسة الضغط المدروس حتى الوصول لتطبيق الاتفاقات السابقة بين الحكومة السورية وقوات الـ "أسايش"، أو بين الرئيس الشرع ومظلوم عبدي، لذا فالأمر مرهون بصورة كبيرة بالفواعل الخارجية، ولا يمكن استنباط الرغبة الأميركية النهائية لوجود ملفات ساخنة عدة على طاولة صانع القرار الأميركي، من فنزويلا وحتى اليمن.
من جهته قال القائد العام لقوات "قسد" مظلوم عبدي في منشور عبر منصة "إكس" إن "نهج القتال ولغة الحرب لفرض حلول أحادية الجانب أمر غير مقبول، ونشر الدبابات والمدفعية في أحياء حلب يقوض فرص التوصل إلى تفاهمات، وقصف المدنيين العزل يهيئ الظروف لتغييرات ديموغرافية خطرة".