ملخص
في 29 ديسمبر الماضي تغيب قائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي عن حضور اجتماع كان مقرراً في العاصمة دمشق مع الحكومة السورية لاستكمال تنفيذ اتفاق 10 مارس بين "قسد" ودمشق، وأتى عدم حضوره مع انتهاء المهلة المتفق عليها ليفتح باب التكهنات والسجالات، ومن بينها مدى جدية "قوات سوريا الديمقراطية" بالاندماج، وحقيقة المماطلة لتنفيذ الاتفاق في وقت عزا المركز الإعلامي لـ"قوات سوريا الديمقراطية" تأجيل الزيارة لأسباب تقنية ولوجيستية، وعدم تأثر الأمر بمسار المفاوضات
مع انتهاء المهلة الممنوحة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) للاندماج مع الحكومة السورية بات الواقع الميداني في شمال البلاد على فوهة بركان، في وقت ثمة توترات غير مسبوقة على خطوط التماس التي تفصل مناطق سيطرة القوات الحكومية مع "قسد"، ولكن أمامهما، مع بداية العام الجديد، خيار التصعيد أو العودة إلى المسار السياسي واستكمال المفاوضات.
في 29 ديسمبر (كانون الأول) الماضي تغييب قائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي عن حضور اجتماع كان مقرراً في العاصمة دمشق مع الحكومة السورية لاستكمال تنفيذ اتفاق الـ10 من مارس (آذار) بين "قسد" ودمشق، وأتى عدم حضوره مع انتهاء المهلة المتفق عليها ليفتح باب التكهنات والسجالات ومن بينها مدى جدية "قوات سوريا الديمقراطية" بالاندماج، وحقيقة المماطلة لتنفيذ الاتفاق في وقت عزا المركز الإعلامي لـ"قوات سوريا الديمقراطية" تأجيل الزيارة لأسباب تقنية ولوجيستية، وعدم تأثر المر بمسار المفاوضات.
وأشارت معلومات إلى أن هناك مفاوضات لتحديد موعد لاحق لاجتماع بين القائد العام لـ"قسد" عبدي والرئيس السوري أحمد الشرع وسط ترجيحات أعلنها المتحدث باسم وفد الإدارة الذاتية المفاوض مع دمشق ياسر السليمان، في حديث تلفزيوني، إشراف الجانب الأميركي على تنفيذ الاتفاق، مؤكداً أن سوريا لا تحتمل سوى جيش واحد بتشكيلات متنوعة، مع احتمال تعيين عدد من جنرالات "قسد" في وزارة الدفاع.
ولم يستبعد قائد "قسد" التوصل إلى اتفاق قريب في شأن دمج القوى العسكرية بما يتماشى مع ما وصفه بالمصلحة العامة خلال مشاركته في اجتماع الهيئة الاستشارية لدعم لجنة التفاوض. ومن المرجح أن يتيح الاتفاق دمج "قسد" وقوات الأمن الداخلي "الأسايش"، وعددها 90 ألفاً في وزارتي الدفاع والداخلية، وتخصيص ثلاث فرق عسكرية لـ"قسد" في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، وتشكيل لواء يتبع لـ"قسد" خاص بمكافحة الإرهاب بدعم واشنطن ولواء يضم مقاتلات من النساء.
وإلى جانب النقاش حول الموارد النفطية وتخصيص عائدات منها لتنمية منطقة نفوذ "قوات سوريا الديمقراطية" ثمة نقاط خلافية لا تزال عالقة منها دخول القوات الحكومية إلى شمال شرقي سوريا، وتسليم قادة من "قسد" مناطق رفيعة المستوى في وزارتي الدفاع والداخلية، في حين تعمل واشنطن للتوصل إلى تفاهمات مناسبة.
وأنشئت قوات "قسد" في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 وهي تحالف عسكري يضم مقاتلين أكراداً وعرباً وسرياناً وأشوريين، ويعتمد، بصورة أساسية، على "وحدات حماية الشعب الكردية" بهدف قتال تنظيم "داعش".
ولاقت "قسد" دعماً من التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة، وكان لها دور أساس كحليف محلي مع قوات التحالف الدولي في انهيار "داعش" وسقوطه في مارس عام 2019 في منطقة الباغوز بريف دير الزور الشرقي.
المهلة أو المواجهة
وسط هذه الأجواء، تواجه "قسد" مجموعة تحديات منها، الصراع في وجه تركيا التي تعدها جزءاً من "حزب العمال الكردستاني" المحظور في تركيا والمصنف ضمن الأحزاب الإرهابية، وأيضاً الصراع مع بعض العشائر العربية التي رفضت الانضواء تحت راية "قسد" ودخلت في معارك متقطعة خلال الأعوام الماضية.
وتصر أنقرة على موقفها بإنهاء ملف "قسد" بصورة نهائية، وعدم فرض أمر واقع في المنطقة. وفي السياق شدد وزير الدفاع التركي يشار غولر على ضرورة دمج "قسد" كأفراد وليس كوحدة مستقلة، وقال في تصريح "خلال عمليات فعالة داخل البلاد وخارجها قيدنا بدرجة كبيرة قدرة التنظيمات الإرهابية على الحركة، وأضعفنا بصورة جدية إمكاناتها القائمة على الإيواء، واللوجيستيات والموارد البشرية".
وكان زعيم "حزب العمال الكردستاني" عبدالله أوجلان أرسل رسالة مكتوبة في الـ27 من فبراير (شباط) عام 2025، دعا فيها حزبه إلى إلقاء السلاح في خطوة تاريخية تنهي حال الصراع بين الحزب وتركيا التي امتدت عقوداً طويلة، لكن زعيم "حزب الحركة القومية" التركي دولت بهجلي عد أن هذه الدعوة لا تشمل "حزب العمال الكردستاني" فقط بل تمتد لقوات "قسد" ووحدات "حماية الشعب الكردية" "إذا لم يطبق الاتفاق بين "قسد" ودمشق، فإن التدخل العسكري سيصبح خياراً مشتركاً وحتمياً لدمشق وأنقرة".
تركيا تنتظر
في السياق عدّ الباحث التركي في الشؤون السياسية فراس أوغلو أن المسألة لا تتعلق بصدق "قسد" بالاندماج "بل بسعيها للحصول على مكاسب سواء سياسية ومالية واقتصادية ونفوذية"، وتابع "لا أستبعد الأمر وهو حق الجميع بالحصول على مكاسب لكن من دون التمسك بقاعدة: كل شيء أو لا شيء، بمعنى أنه في حال لم أحصل على تلك المكاسب سأدمر البلد مثلاً، وهذا يحيلنا إلى تكرار سيناريو النظام السابق: الأسد أو نحرق البلد". وأضاف الباحث التركي أنه حتى الآن "تحاول قوات قسد أن تشتري الوقت وتراوغ، ويبدو جلياً أنها مهتمة بالاندماج لأنه لا يعطيها كل ما تريد، وتمارس سياسة عض الأصابع حتى تصل إلى النقطة الأخيرة، وبعد ذلك يمكن أن تغير رأيها، وهذا مرتبط تماماً بالتدخل العسكري التركي، مما يعني أنها ستبقى تراوغ سياسياً وعسكرياً ومالياً إلى وقت سيتدخل فيه التركي ويضيق عليها الخناق، وهذا الأمر وارد، وتركيا تفهم هذه اللعبة"، وقال أيضاً "إلى الآن لا يوجد شيء تحت الطاولة وكل شيء واضح جيداً، وأنقرة تريد إنهاء هذا الملف، وقد تتدخل بنفسها لأن دمشق ليس لديها القدرة على مواجهة قسد، ولديها كل هذه المشكلات في الداخل السوري".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المسار السياسي
وجزم ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلى بلدان الخليج العربي سيهانوك ديبو، من ناحيته، بأن المسار السياسي لاتفاق الـ10 من مارس على سكته التفاوضية على رغم أن أطرافاً تود حرفه نحو مشهد تصادمي، مؤكداً، في الوقت ذاته، ألا آجال مفتوحة وغير منتهية للتفاوض لكن لا يمكن اختزاله وتسطيحه وتسويفه، رأى أن "قسد غير مهتمة بالوقت وكسبه كما يشاع، إنما تحرص على تنفيذ اتفاق حقيقي لا شكلياً، وهي مهتمة باتفاق على قياس السوريين ودولة وطنية لا مركزية وليس تجميعاً لتناقضات تنفجر في أي لحظة لاحقة نحن بغنى عنها"، وتابع "هي اتفاقية بناء الدولة الوطنية السورية الجديدة وليس تفاهماً لوقت محدد، نعتقد أن من الطبيعي أن تأخذ الصيغة النهائية وقتاً تحدده لجان الأطراف المتفاوضة لا دول متدخلة في الشأن السوري وتتصرف بصورة غير مسؤولة على مثال تركيا".
ورد المسؤول في الإدارة الذاتية ديبو على تساؤل يتعلق بأسباب تعثر المفاوضات الأخيرة بالتأكيد أن هناك أسباباً "متعلقة بأطراف وفصائل غير منضبطة تابعة مسلكياً لحكومة دمشق وإدارياً لأنقرة". وختم "الفهم الانتقائي الذي تبديه حكومة دمشق ومحاولاتها اختزال الاتفاق في نقطة اندماج قسد بوزارة الدفاع، وهي مهمة، لكنها ليست الوحيدة، إلى جانب عوامل موضوعية خارجية متمثلة بالتدخل الإقليمي والدولي في سوريا على حساب البعد المحلي الوطني"، لافتاً إلى أن هذا الأمر نتلمسه في الجانب التركي "إذ إن تركيا مهتمة بمسائل أخرى، وفي بالها مقاسات لا تتماشى مع التعددية والتنوع الثقافي في سوريا".
"قسد" في حرب دائمة
وثمة حرب تخوضها "قوات سوريا الديمقراطية" مع فلول أكثر التنظيمات الإرهابية خطورة، التي تحاول العودة بعد سقوطها قبل أعوام حيث ينشط قرابة 2500 مسلح من "داعش" بين العراق وسوريا بحسب القيادة المركزية الأميركية فضلاً عن تكبد قوات "قسد" حراسة أكثر المعتقلات خطراً وفيها 9 آلاف مسلح محتجزين من 48 دولة.
ويعد "سجن الصناعة" في الحسكة أكبر سجن في حين تقبع عائلات المسلحين في مخيمات احتجاز يمثل مخيم "الهول" أكبرها، وتخشى "قسد" أي تطور أمني يؤدي إلى اضطرابات مما يؤثر في احتجاز مسلحي "داعش" ويمنحهم فرصة للهرب في حين يقبعون هناك من دون محاكمة.