Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

داخل مختبر أفريقي: البحث عن المرض "المجهول" والجائحة المقبلة

مع انكفاء الدول الغنية عن تقديم المساعدات الخارجية، ينكب معهد باستور في السنغال على تعزيز قدرة القارة على التصدي للأمراض القاتلة التي قد تتسلل بصمت عبر الحدود

من طريق رصد الحالات في المجتمعات، يمكن كشف الأمراض مبكراً قبل أن تتحول إلى حالات تفشي خارجة عن السيطرة (فنسنت بيكر/ الصندوق العالمي)

ملخص

في داكار، يتحول معهد باستور إلى خط الدفاع الأول عن أفريقيا في مواجهة الأوبئة المقبلة، عبر شبكة رصد مبكر تكشف الأمراض قبل تفشيها، وتسعى إلى بناء استجابة محلية سريعة في قارة تواجه أخطاراً صحية متزايدة ودعماً دولياً متراجعاً.

يبدأ كل شيء بحُمّى. إنها العلامة الأولى على أن داء ما أخذ يتفشى بصمت ويشق طريقه بين السكان.

داخل مركز صحي في منطقة مكتظة في العاصمة السنغالية داكار، لم تُرصد أي إصابات بالعدوى الفيروسية "حمى الضنك" حتى عام 2023. ولكن في الأشهر التسعة التالية وحدها، سجلت أكثر من 200 حالة. اتضح أن المرض كان موجوداً هناك منذ زمن. في المنازل والعيادات، كانت تظهر على الناس مؤشراته التحذيرية من آلام مبرحة في المفاصل والعظام، علماً بأن هذا العارض هو الذي منح المرض المنقول عبر البعوض لقبه الشائع "حمى تكسير العظام". بيد أن تلك الحالات بقيت غير مرئية إلى أن وُضِعت تحت المجهر بفضل موقع للرصد أنشأه معهد باستور في داكار.

صحيح أن تأسيس المعهد يعود إلى نحو قرن من الزمن، وأنه اشتهر لعقود بعمله في التحاليل المخبرية والبحوث الطبية، بيد أن دوره لم يتسع فعلياً إلا خلال العامين الماضيين ليغدو أشبه بغرفة تحكم تدير شبكة من نقاط الرصد المنتشرة في 11 دولة من دول غرب أفريقيا، والمهيأة لاكتشاف بؤر الأمراض قبل أن تتفاقم وتتحول إلى حالات تفشي منفلتة من العقال. ويسعى المعهد اليوم إلى توسيع هذه الشبكة عبر القارة، وذلك على رغم التخفيضات الحادة في التمويل القادم من الدول الغنية التي حولت جانباً كبيراً من مواردها نحو الإنفاق الدفاعي.

في أكثر من 40 موقع مراقبة تشكل نواة هذه الشبكة، يأخذ العاملون الصحيون مسحات من الأنف أو الحلق لأي مريض تتجاوز حرارة جسده 37.5 درجة مئوية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سواء كانت "حمى الضنك"، أو "إيبولا" أو فيروسات شائعة مثل الإنفلونزا، فإن جميعها تشترك في هذا العارض. يقول الدكتور بوبكار ديالو، قائد وحدة الاستجابة لحالات التفشي في المختبر: "إذن، الحمى تمثل نقطة البداية". ومع ظهور مجموعة من الأعراض الأخرى، تنطلق عملية التحقيق الطبي التي تنقل مسحة المريض من العيادة المحلية إلى مختبرات معهد باستور. وهناك يعمل المتخصصون على استنساخ ملايين أو حتى مليارات النسخ من المادة الوراثية المأخوذة من المسحة، مما يتيح فحصها بدقة لمعرفة ما إذا كانت تتطابق مع المادة الوراثية للفيروس المشتبه في كونه سبب العدوى.

تُعاد النتائج بعد ذلك إلى العيادات التي تتولى رعاية المرضى لتوجيه العلاج، فيما تُرفع أي نتيجة مثيرة للقلق مباشرة إلى وزارة الصحة. في معظم الحالات، تكون العينة إما سالبة أو موجبة لفيروس معروف، ولكن المختبر يواصل أيضاً البحث عن ميكروبات غير مألوفة قد تنبه إلى ما يُعرف باسم "المرض إكس" (أو المرض المجهول) Disease X، وهو مصدر مرض جديد أو غير معروف حالياً من شأنه أن يشعل الجائحة المقبلة.

كذلك يراقب المختبر الحيوانات في بعض المناطق، سعياً إلى رصد الأمراض وعزلها قبل انتقالها إلى البشر. فقد اكتُشف أخيراً تفشي "حمى الوادي المتصدع" حين بدأت مجموعات من الأغنام والماعز المصابة تسجل حالات إجهاض متكررة.

وطوال أعوام عدة في السنغال، شأن كثير من دول المنطقة، كانت حالات تفشي الأمراض لغزاً محيّراً، إذ كانت قد تمضي أشهر على اجتياح المرض لمجتمع ما قبل التعرف إلى الفيروس أو البكتيريا المحددة واتخاذ إجراءات لوقف انتشارهما. وكلما تأخر اكتشاف التفشي، زادت صعوبة احتوائه، واضطرت الدول حينها إلى انتظار تدخل المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة والجمعيات الخيرية الكبرى، لتوفير الدعم جواً.

والآن، مع تقلص المساعدات العالمية وتراجع حجم الدعم الخارجي، يأمل المعهد في أن تسهم جهوده المبذولة في تتبع الأمراض في تمكين دول المنطقة من اكتشاف حالات التفشي والاستجابة لها بسرعة أكبر، من دون الحاجة إلى الاعتماد على الدعم الدولي.

كانت المرة الأولى التي يسمع فيها الدكتور ديالو عن المعهد حين أرسلته "منظمة الصحة العالمية" بشكل عاجل ومباشر إلى بؤرة تفشي فيروس "إيبولا" القاتل في غرب أفريقيا عام 2014. لم يهدأ هذا التفشي طوال عامين كاملين، وأسفر عن أكثر من 10 آلاف وفاة، إضافة إلى أنه شل حركة اقتصادات دول عدة.

عندما وصل الدكتور ديالو إلى غينيا، حيث انطلق التفشي، بصفته عضواً في فريق التحقيق الأول [أول بعثة ميدانية تتولى مهمة التحقق من طبيعة التفشي وتحديد مصدره]، يقول: "كانت البلاد في حال من الهلع التام. رأيت منازل أغلقت أبوابها تماماً بعدما توفي جميع ساكنيها، وفقدنا عدداً كبيراً من الزملاء الذين أصيبوا بالعدوى. وآنذاك، لم يكن في المتناول أي لقاح مضاد".

بقي الدكتور ديالو في منطقة الغابات عامين ونصف العام، وحتى الآن لم يبرح ذاكرته رجل واحد: طبيب وصل إلى البلاد حاملاً معه حقيبة صغيرة تحتوي على مختبر مصغر. جاء في الصباح، وبحلول المساء كان قد أكد ما عجزت مؤسسات أخرى عن إثباته، وهو أن العينات المأخوذة من المرضى الذين يعانون حمى شديدة وقيئاً ونزفاً كانت بالفعل حاملة لفيروس "إيبولا".

كان ذلك الرجل، الدكتور عثمان فاي، من معهد باستور في داكار، الذي يقف الدكتور ديالو الآن في أروقته، بملامحه النحيلة وسترة مربّعة أنيقة وقبعة سوداء، مستعيداً هذه القصة.

ولكن الفيروس كان قد بدأ بالانتشار منذ أربعة أشهر قبل اكتشافه. يقول الدكتور ديالو: "لقي كثر حتفهم قبل أن ننجح في رصده، ولا نريد أن يتكرر ذلك. وإذا كنا نرغب في تفادي أي جائحة مماثلة، علينا إنشاء نظام رصد يسمح للدول بالتقاط الإشارة الأولى على تفشي أي مرض".

بينما كانت تلك التجربة الشرارة الأولى التي أطلقت سلسلة من حالات التفشي اللاحقة، بيد أن تفشياً آخر لـ"إيبولا" عام 2018 قاد الدكتور ديالو إلى معهد باستور في نهاية المطاف. كان يعمل لدى "منظمة الصحة العالمية" حين بدأت جمهورية الكونغو الديمقراطية بتسجيل التفشي التاسع لهذا الفيروس النزفي القاتل، ولم يلبث أن تلاه التفشي الـ10.

ويقول "كلفتني المنظمة بإدارة حالات هذا التفشي، الذي كان الأصعب على الإطلاق، ذلك أنه وقع في منطقة غير آمنة"، مضيفاً "فقدت خمسة من زملائي آنذاك".

وصل التفشي إلى معسكر المتمردين، واضطر الدكتور ديالو وزملاؤه إلى اتخاذ قرار بعلاج الضباط المصابين من الحركة المسلحة "أم23" M23، وتدريبهم على كيفية دفن موتاهم وفق إجراءات الوقاية والسلامة، من دون إبلاغ الجيش.

وكان أحد زملائه القريبين من الكاميرون يعقد اجتماعات في المستشفى مع فريقه عندما بدأ إطلاق النار.

يقول الدكتور ديالو "ذهبت بنفسي لسحب جثة زميلي". وبينما اضطر بعض المانحين الدوليين إلى مغادرة البلاد، ظل فريقه صامداً. ويضيف "قلنا إننا لن نلوذ بالفرار أبداً" أي إننا سنبقى حتى نسيطر على التفشي.

عقب تلك التجربة، أدرك الدكتور ديالو ضرورة أن يقود الجهود من داخل القارة الأفريقية نفسها، وليس من مقر "منظمة الصحة العالمية" في جنيف، أو من "مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها" الأميركي في أتلانتا.

"لماذا لا نصرف جهودنا في تمكين الدول وبناء قدراتها وجاهزيتها المحلية في مواجهة الأمراض، بدل الاكتفاء بالانتظار حتى اندلاع التفشي؟"، تساءل الدكتور ديالو في قرارة نفسه، مضيفاً "ولهذا السبب أنا هنا اليوم".

من نواح عدة، تحسنت الأحوال منذ ذلك الحين. ومع ذلك، خلال تفشي "جدري القرود" في جمهورية الكونغو الديمقراطية العام الماضي، ذكر "مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها – أفريقيا" أن تقليص المساعدات أدى إلى تراجع نسبة فحص الحالات المشتبه فيها من 60 في المئة إلى نحو 30 في المئة، إلا أن معهد باستور في داكار تمكن من إرسال مختبرات متنقلة حرصاً على عدم تراجع هذه النسبة أكثر.

عندما واجهت غينيا تفشياً جديداً للـ"إيبولا" عام 2021، كان عدد كبير من العاملين الصحيين المكلفين بالاستجابة قد تلقوا تدريبهم في معهد باستور. العام الماضي، في خضم تفشٍ آخر لفيروس "جدري القرود" في سيراليون، أرسل الدكتور ديالو وفريقه مختبرات متنقلة على متن شاحنات لدعم جهود الاستجابة في البلاد، "ذلك أنها كانت تملك مختبراً واحداً فقط".

يقول الدكتور ديالو "وصلنا البلاد في ذلك اليوم، ولم ننتظر حتى اليوم التالي لنبدأ العمل، بل شرعنا في جهودنا منذ ساعات الليل. كان المختبر يعمل بكفاءة فائقة. وبعد مرور شهر، قدموا طلباً للحصول على مختبر متنقل آخر، وهو ليس سوى عبارة عن حقيبة يد". وتحتوي هذه الحقيبة على جميع المعدات اللازمة لإجراء الفحوص الطبية لتأكيد إصابة المريض وتحديد نوع الفيروس المسؤول.

ويوضح الدكتور ديالو "نملك أربع حقائب في أقل تقدير من هذا النوع، وفي وسعنا إرسالها واستخدامها ميدانياً في أي وقت وأي مكان".

ويكمل شارحاً "لا نزال بعيدين عن تغطية البلاد بالكامل"، إذ لا تزال مناطق واسعة خارج نطاق هذه الشبكة من المختبرات الميدانية، حتى في السنغال، البلد الذي انطلقت منه المبادرة وحيث توجد معظم مواقع الرصد.

وقد تعرضت شبكة الرصد لضغوط كبيرة. فعلى رغم أن معهد باستور في داكار كان من أوائل الجهات التي استجابت لتفشي المرض، بيد أنه واجه تحديات لوجيستية جسيمة عندما اضطر إلى نقل العينات عبر مسافات تمتد حتى مئات، بل آلاف، الأميال مع بدء تفشي "إيبولا" في غرب أفريقيا عام 2014، مما أبطأ عملية تأكيد الإصابات وعرقل جهود احتواء الفيروس.

والآن، بدلاً من الاكتفاء باستقبال العينات من مختلف أنحاء القارة، أصبح معهد باستور في داكار المركز المختبري لغرب أفريقيا، فيما تحولت مختبرات الكاميرون وأوغندا إلى مراكز إقليمية للدول الواقعة في وسط أفريقيا، وشرقها وجنوبها على التوالي. ولكن لا بد من توفر التمويل اللازم لتنفيذ كل تلك الجهود. وحتى الآن، ما زال معهد باستور يعتمد بشكل كبير على المنح، على رغم أن طموحه تحقيق مستوى أكبر من الاكتفاء الذاتي عبر استخدام البيانات التي يجمعها لتطوير وبيع فحوص التشخيص واللقاحات.

الدكتور جان كاسيا، رئيس "مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها - أفريقيا"، أخبر "اندبندنت" أن المعهد بدأ تصنيع لقاح "الحمى الصفراء" منذ نحو مئة عام، أي بفترة طويلة قبل إنتاجه في الصين وروسيا. ولكنه أشار إلى أن "المعاملة الجائرة للدول الغربية تجاه أفريقيا" حالت دون أن يوفر معهد باستور القارة باللقاح، لتأتي غالبية الإمدادات من فرنسا وروسيا".

ويضيف الدكتور كاسيا "لم يقدم شركاؤنا الدعم لهذا المعهد بغية توسيع قدراته، ولكننا اليوم نعمل على تحقيق ذلك". ويعتبر أن الدول التي تعطي المنح لدعم هذا النوع من الأعمال يجب أن تنظر إليها كاستثمار، لا مجرد عمل خيري.

في الوقت الحالي، يشكل "الصندوق العالمي" The Global Fund أكبر مصدر تمويل لمعهد باستور، الذي لم يتمكن حتى الآن من جمع نحو 7 مليارات دولار من هدفه البالغ 18 مليار دولار (أي حوالي 14 مليار جنيه إسترليني) للأعوام الثلاثة المقبلة. وقد تراجعت مساهمة المملكة المتحدة بنسبة 15 في المئة عن المستوى المتوقع. وإذا لم ينجح الصندوق في بلوغ هدفه، فسيضطر إلى إعادة ترتيب أولوياته، مع إعطاء الأولوية القصوى للجهود المنقذة للحياة، مثل أدوية فيروس نقص المناعة البشرية والسل، وشبكات الوقاية من الملاريا، على رغم تسجيل وفيات ناجمة عن هذه التخفيضات. إن قيام معهد باستور بعمله بشكل ناجح أصبح على المحك.

يشدد الرئيس التنفيذي للمعهد، الدكتور إبراهيما سوسي فال، على حجم المخاطر المحدقة. ويقول "أخبر وسائل الإعلام في أوروبا دائماً إن أفضل علماء الأوبئة موجودون في أفريقيا، ذلك أن علماء الأوبئة في أوروبا يوجدون غالباً داخل المستشفيات والمختبرات"، مضيفاً أن حالات التفشي غالباً ما تقع في مجتمعات يصعب الوصول إليها. نحن بحاجة إلى أنظمة فاعلة على الأرض في البلدان المتأثرة، "لرصد حالات التفشي بسرعة والاستجابة لها بهدف منع تحولها إلى جائحات"، يضيف الدكتور فال.

في غامبيا، مثلاً، حال نقص الموارد دون تمكن المختبر الوطني من اكتشاف أي تفشٍ للأمراض حتى يناير (كانون الثاني) 2023. وزار معهد باستور البلاد لمدة أسبوعين، حاملاً معه المواد والمعدات اللازمة، إلى جانب برامج التدريب. وبحلول سبتمبر (أيلول) 2025، نجح المختبر الوطني في غامبيا في رصد تفش لفيروس "شيكونغونيا"، للمرة الأولى في تاريخ البلاد.

ويوضح الدكتور فال، "لذا، يكتسي دور معهد باستور أهمية قصوى في تعزيز الأمن الصحي، إذ حين يحدث تفشٍ في أي مكان من العالم، فمن المحتمل أن ينتقل إلى أي مكان آخر بفعل التنقلات والرحلات بين الدول".

بدوره، يخصص مكتب الخارجية والكومنولث والتنمية البريطاني مبلغ 10 ملايين جنيه إسترليني لدعم معهد باستور ابتداء من يناير 2026، لتمويل إنشاء مزيد من مراكز رصد الأمراض في غرب أفريقيا. ولكن في المقابل، تقلص المملكة المتحدة تمويلها الأوسع المخصص لمكافحة الأمراض الخاضعة للرصد والمراقبة، بما في ذلك الملاريا، إلى جانب الدعم المالي الذي يمكّن الدول من تطوير أنظمتها الصحية لتصبح أكثر قدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي.

بالنسبة إلى الدكتور بوبكار ديالو، لا يكون نظام رصد الأمراض ومراقبتها قوياً وفاعلاً إلا عبر إنشاء آليات ترصد الأمراض في كل أنحاء أفريقيا، لا في دول مختارة فحسب. ويقول "إذا وجدت بعوضة واحدة في موريتانيا، هل يمكنك منعها من العبور إلى السنغال؟ هذا محال. إذا كانت بلادك في أمان، وجارتك في خطر، فلن تشعر بالأمان أبداً".

هذا المقال جزء من مشروع "اندبندنت" لـ"إعادة النظر في نظام المساعدات العالمي" Rethinking Global Aid

© The Independent

المزيد من صحة