Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لندن استفادت من تجربة أزمة "إيبولا" لمكافحة كورونا

"أطباء بلا حدود" نفذت مهمة أولى لها في بريطانيا

عمال إغاثة نشطوا في محاربة إيبولا في أفريقيا يساعدون في مكافحة كورونا في لندن (غيتي ) 

بعدما أمضت ميلاني فياريـال الأعوام الخمسة الأخيرة من عملها في محاربة مرض الكوليرا في جنوب السودان، ومكافحة داء "إيبولا" في سيراليون، إضافة إلى مقاومة تفشّي عدوى الحصبة بين لاجئي الروهينغا في بنغلاديش، كان آخر ما توقعته للمهمة الجديدة التي حدّدتها لها منظّمة "أطباء بلا حدود"، أن تكون في لندن.

لقد تولّت تلك العاملة في مجال الشؤون الإنسانية، مهمّاتٍ في تسع مناطق نزاع خارج بلادها، وأقاليم ضربتها الأزمات خلال الأعوام الخمسة التي أمضتها في وظيفتها. وتعمل الآن على مكافحة وباء كورونا في أحد الفنادق المحدودة الكلفة في ضاحية نيوهام شرق لندن.

وقد كُلفت الممرضة فياريـال مع فريقها المُكوّن من عشر ممرّضات تابعاتٍ لمنظّمة "أطباء بلا حدود"، العمل في "مركز رعاية المصابين بفيروس "كوفيد" في لندن"، ويتمثّل في عيادة أنشئت لهدف استثنائي يقضي بمعالجة ورعاية الأفراد المشرّدين الذين يُشتبه في إصابتهم بفيروس كورونا أو تأكّدت إصابتهم بالعدوى، وذلك عبر توفير الاختبارات السريعة لهم، وتأمين السكن الذي يمكّنهم من التزام العزل الذاتي وتلقّي الرعاية الطبّية.

وتعتبر هذه المرّة الأولى التي تنتشر فيها منظّمة "أطباء بلا حدود" في بريطانيا، لأن نطاق عملها الأساسي يكون عادةً في مناطق الحروب والكوارث الطبيعية في بلدان العالم النامي. وتشترك المنظّمة في إدارة هذا المركز مع "مستشفى جامعة كلية لندن"، ضمن جهود أوسع نطاقاً تقودها "سلطة لندن الكبرى" وتستهدف تقليص الوفيات في صفوف هذه الفئة الضعيفة من سكّان العاصمة، التي يعيش أفرادها بلا مأوى.

في ذلك الصدد، تتحدث ميلاني التي بدأت العمل ضمن "مركز رعاية المصابين بفيروس "كوفيد" في لندن" في 11 إبريل (نيسان)، عن تلك المهمة. ووفق كلماتها، "لم أتصوّر أبداً أنني سأنهض بمهمّة في المملكة المتّحدة. لقد فوجئت تماماً بأن أصبح موظّفةً على المستوى الوطني في بلادي، لكن هذا الواقع يشير إلى أن الوضع وصل إلى الحدّ الأقصى". وفي المقابل، ترى أن إيكال منظّمتها تلك المهمّة إليها "منطقي"، لجهة أنها لم تكن تدرك مدى التأثير الذي خلّفه استثناء عددٍ كبير من المشرّدين من الخدمات العامّة، بما فيها الرعاية الصحّية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ذلك الصدد، يُشار إلى أن أكثر من 5400 شخص مشرّد في أنحاء إنجلترا وويلز، باتوا يعيشون الآن في فنادق، من بينهم 1276 فرداً في العاصمة لندن، وذلك في إطار عملية طوارئ استثنائية هدفها إخراج جميع الذين ينامون في العراء من الشوارع أثناء فترة الوباء. وانطلاقاً من هذه الفنادق، تجري إحالة غالبية المرضى إلى "مركز رعاية المصابين بفيروس "كوفيد" في لندن"، على الرغم من التعرّف على بعضهم في الشوارع وإحضارهم مباشرةً إلى المركز. وحتى الآن، استقبل مركز الرعاية 43 مشرّداً، يقضي كلّ منهم نحو أسبوعين فيه، قبل أن يعودوا إلى الفنادق بعد أن يتغلّبوا على المرض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبدأ يوم ميلاني بتقديم وجبة إفطارٍ للمقيمين، قبل انطلاقها في جولاتها التفقدية لمعاينة أحوال المرضى التي تقوم بها أربع مرّات في اليوم. وبما أنه من الممكن إحضار مرضى جدد إلى المركز في الأوقات كلها، توجّب على فريقها أن يكون دائماً على أهبة الاستعداد لاستقبالهم. ويُسمح للمرضى بالخروج إلى الهواء الطلق بشكل فردي في أوقاتٍ معيّنة، ويزودون بكتب وألعاب مسلية للترويح عن أنفسهم.

وما بين إجراء الفحوصات وتدوين الملاحظات الطبّية، تُسجّل ميلاني وزميلاتها المرضى لدى أطباء الصحة العامة، لأن أولئك المرضى يكونون غالباً غير مسجّلين، ويعود السبب في ذلك عادة إلى عدم وجود مقرّ سكنٍ ثابت لهم. وفي هذا الإطار، تشير ميلاني إلى إن "هناك كثيراً من خدمات الرعاية الصحّية الأولية التي يمكن تقديمها لهؤلاء الناس، مع إنفاق أموال أقل مِنْ قِبَلْ هيئة "الخدمات الصحّية الوطنية" على المدى الطويل. إذ تؤدي تلك الخدمات إلى تقليل عدد من يصل مرضهم بكورونا إلى مرحلة الأزمة، ما يوجِب علاجهم في وحدات "الحوادث والطوارىء" في المستشفيات".

وفي وقتٍ توجد بلا شك اختلافاتٌ كبيرة بالنسبة إلى ميلاني بين الاستجابة للأزمات في الدول النامية والعمل داخل عيادة لندن، خصوصاً لجهة عدم وجود مخاوف أمنية إضافية لديها كتلك التي تعيشها في مناطق النزاعات، فإن هذه العاملة في المجال الإنساني ترى أن هناك أيضاً أوجه تشابه كثيرة. 

وبحسب تلك الممرّضة، "أثناء مهمتي في مناطق ودول أخرى لا أنتمي إليها لا تكون لديّ فكرة عمّا يحصل من حولي. وهنا أيضاً أشعر بالشيء نفسه، لأنني لست بلا مأوى ولم أعش مطلقاً حال التشرّد. لذا، ساهمت هذه التجربة المتواضعة في إفهامي أن هناك أجزاءً من مجتمعنا لا أعرف في الواقع عنها أيّ شيء".

وتتابع ميلاني، "في كثيرٍ من الإطارات الأخرى التي نعمل فيها، هنالك أشخاص مهجّرون ولا مأوى لهم، لكن يظلّ مجتمعهم مستمراً. ويحصل الأمر نفسه هنا [في بريطانيا]. إن هؤلاء الناس بلا مأوى لكن لديهم مجتمعهم وطريقتهم الخاصّة في عمل الأشياء. لقد فاجأني الأمر في البداية لأنني أدركت مدى التشابه، وكيف أن تلك الأمور موجودة أيضاً في البلد الذي أنتمي إليه".

 

في سياق متصل، أضحى بعض من أحيلوا على "مركز رعاية المصابين بفيروس "كوفيد" في لندن"، مشرّدين بلا مأوى خلال فترة الوباء نفسها، نتيجة الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الإغلاق. وبحسب ميلاني، "لقد فوجئت بذلك. يؤثّر هذا الوباء في الناس بسرعة فائقة. لا أعتقد أن كثيرين يدركون أن عدداً كبيراً من الأفراد يعتمدون في عيشهم على المرتب الذي يتقاضونه من شهر إلى آخر، من دون التمكن من تكوين مدّخرات مصرفية. وإذا لم يمنحوا إجازات مدفوعة [أثناء فترة الوباء] أو لم يكونوا قادرين على مزاولة العمل، فإن المال الذي في حوزتهم ينفد حتماً، وهذا يمكن أن يحدث لكل منّا".

وتعمل مؤسّسة "تايمز رييتش" الخيرية التي تُعنى بإيواء المشرّدين، جنباً إلى جنب مع منظّمة "أطباء بلا حدود" في "مركز رعاية المصابين بفيروس "كوفيد" في لندن"، وتتمحور مهمّتها حول إحالة الأشخاص على المركز، ثمّ إرسالهم إلى أماكن آمنة بمجرد تماثلهم للشفاء، وكذلك تزويد المركز بموارد غير طبّية كالطعام والتنظيف وغسيل الملابس، إضافة إلى خدمات الإدارة والأمن والتمويل.

وفي تطوّر متصل، يشير بيل تيدنام الرئيس التنفيذي للمؤسّسة الخيرية إلى إنه "لم يخطر في بالي أبداً أننا سنعمل يوماً مع هيئة إنسانية مرموقة كمنظّمة "أطباء بلا حدود". أعتبر أن ذلك يشكل خطوة إيجابية جدّاً، والتعاون معها كان بمثابة متعةٍ حقيقية".

وبابتسامة، يضيف تيدنام، "يمكنك أن تدرك أن المتطوعين عملوا في مناطق النزاعات من خلال الخيمة التي نصبوها في أحد مواقف السيّارات لإجراء تقييمات أولية. إنها خيمة من الدرجة العالية، وقد علمتُ لاحقاً أنهم استقدموها من أفغانستان. كان الجميع ليعتقد في فبراير (شباط) أن وجودهم هنا أمرٌ مستحيل. من المؤكد أن هذه الخطوة لا تقتصر على هذا الحدّ، لكنها إنجاز مثير للإعجاب".

ويلفت الرئيس التنفيذي للمؤسّسة الخيرية إلى أن الوباء سلّط الضوء على عدد كبير من الأفراد الذين كانوا يعيشون في أوضاع غير مستقرّة على امتداد البلاد، ولم تكن السلطات على علمٍ بأنهم بلا مأوى. ويوضح، "كثيراً من الذين وضِعوا في الفنادق كانوا أشخاصاً مهمّشين. وفي كثير من الحالات كان لديهم عمل، لكنهم لم يكونوا على تواصل مع النُظُم الموجودة التي يمكن أن تقدم لهم الدعم اللازم، خصوصاً الرعاية الصحّية ونظام الإعانات وما إلى ذلك. لذا، أتاحت فترة تفشي الوباء فرصة لنا لتمكين الناس من التواصل مع تلك النُظُم".

ويخلص بيل تيدنام إلى القول إن "الأمر المهم الآن أننا بتنا نعرف كيف نتعاطى مع هذه المسألة، وأصبح بإمكاننا التحكم بحملات التوعية ذات الصلة فنخففها تارةً، ونعمل على توسيع إطارها بسرعةٍ نسبية تارةً أخرى. لا بدّ من اعتماد مقدار كبير من المرونة في هذا المجال". 

على نحوٍ مماثل، تشير روزاموند ساوثغيت المنسّقة الطبّية للاستجابة في منظّمة "أطباء بلا حدود" في المملكة المتّحدة، إلى أن منظّمتها سارعت إلى إبداء القلق في شأن تأثير تفشّي مرض كورونا في المجتمعات الأكثر ضعفاً في بريطانيا، على غرار الحال في العالم بأسره. وكذلك عرّفَتْ المشرّدين بأنهم أشخاص معرّضون لخطر الإصابة بالعدوى أكثر من سواهم، إضافة لكونهم يواجهون تحدّيات فريدة من نوعها في حماية أنفسهم.

وتوضح ساوثغيت إنّ "طبيعة عمل منظّمة "أطباء بلا حدود" تشمل السعي إلى دعم الفئات الأكثر ضعفاً التي تكون في أمسّ الحاجة للمساعدة. وفي المملكة المتّحدة، تمثّلت المجموعة الأكثر إثارةً للقلق في أولئك الذين يعانون من التشرّد". وتضيف، "لاحظنا أن بعض النُظُم الصحّية الأكثر تقدّماً في العالم قد رزحت تحت أعداد المرضى الذين يعانون بشدّة من المرض. وفيما تظلّ مهمّاتنا الميدانية في جميع أنحاء العالم في طليعة أولوياتنا، إلا أننا نعلم أيضاً أنه يمكننا أن نساهم بتقديم خبرتنا في المملكة المتّحدة".

يمثّل "مركز رعاية المصابين بفيروس "كوفيد" في لندن" واحداً من الفنادق التي خصّصتها "سلطة لندن الكبرى" للأشخاص الذين لديهم احتياجات أو أشكال أخرى من المعاناة، ويعتبر المركز الوحيد المصمّم لعلاج الذين يواجهون منهم خطر فيروس "كوفيد 19".

وفي ذلك الصدد، يوضح نائب عمدة لندن لشؤون الإسكان طوم كوبلي، أن المشروع شكّل جزءاً "مهمّاً للغاية" من خطة وضعتها "سلطة لندن الكبرى" بهدف حماية بعض السكّان الأشد ضعفاً في المدينة. وأشار أيضاً إلى أنه "حدثت إحالات [على المستشفيات بأعداد] أقلّ بكثير ممّا كنّا نتخوّف منه في البداية". ويرى أن ذلك يشكّل دليلاً على نجاعة الإجراءات المبكّرة التي ساهمت في تمكين المشرّدين من تطبيق العزل الذاتي والتزام الإجراءات الوقائية في النُزُل التي وُضعوا فيها.

في غضون ذلك، تواصل الممرّضة ميلاني عملها في "مركز رعاية المصابين بفيروس "كوفيد" في لندن"، على أمل أن يستمر تقديم الرعاية الصحّية التي تمنحها هي ومنظّمة "أطباء بلا حدود" للأشخاص المشرّدين، في مرحلة ما بعد تلاشي الوباء.

وعن ذلك الأمر، تضيف إنه "ينبغي النظر إلى ما يحصل الآن بوصفه فرصة. يتعيّن علينا أن ننظر إليها من المستويات جميعها. قد يستغرق الأمر بعض الوقت، لكن إذا تمكّنا من ذلك، فأعتقد أنه سيحدث ثورة في الطريقة التي نتعاطى بها مع الأشياء ونتعامل بها مع الناس. لقد كان الأفراد في غاية التهذيب، وأبدوا تقديرهم للمساعدة، حتى الأشخاص الذين لديهم مشكلات أساسية كثيرة.

وتختم تلك العاملة في المجال الإنساني بالإشارة إلى إنه "عندما تتعلّق المسألة بالأوبئة، نصبح جميعنا متشابهين. ونتأثر كلّنا بالمرض. ويمكن لكل منّا التقاط العدوى. سواءٌ كان لديك مأوى أو كنت مشرّداً، وسواء كنت من المملكة المتّحدة أو من سوريا. نحن جميعاً في القارب نفسه".

© The Independent

المزيد من متابعات