Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العلاقات الروسية - الأفريقية... قراءات متعددة لمشهد واحد

لدى موسكو فجوة واضحة بين الطموح السياسي في القارة السمراء والأدوات الاقتصادية والتنموية المتاحة فعلياً لتحقيق هذه الرغبة

المنتدى الروسي - الأفريقي اختبار لمدى قدرة موسكو على تحويل خطاب الشراكة إلى نفوذ فعلي في قارة باتت أكثر وعياً (أ ف ب)

ملخص

إجمالاً، يمكن القول إن المنتدى الروسي - الأفريقي أكد استمرار موسكو فاعلاً حاضراً في أفريقيا، لكنه خلال الوقت ذاته كشف عن حدود هذا الحضور في ظل قيود اقتصادية وجيوسياسية متزايدة. هو منتدى حافظ على القنوات مفتوحة، لكنه لم يحسم بعد سؤال التحول من الشراكة الرمزية إلى الشراكة المؤثرة. وبين طموح روسي مشروع وواقعية أفريقية متصاعدة، ستظل العلاقة مرهونة بقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة اللحظة إلى بناء مسار استراتيجي طويل النفس.

اختتمت أعمال المنتدى الروسي - الأفريقي بينما شهدت دولة أفريقيا الوسطى انتخابات شاملة على المستويات الرئاسية والبرلمانية والمحلية عقدت خلال الـ28 من ديسمبر (كانون الثاني) الجاري، وكذلك يشهد السودان لحظة تموضع إقليمي ودولي جديدة تحت مظلة حرب مستعرة.

هذه التفاعلات تمثل مفترق طرق بين سرديات متناقضة ومتنافسة بين السياسات والسرديات الروسية، والسرديات الغربية داخل الدول الأفريقية، خصوصاً في حالتي أفريقيا الوسطى والسودان كحالتين يمكن اعتبارهما كاشفتين للسياسات الروسية داخل أفريقيا تحت مظلة مشهد عام عكسه المنتدى الروسي – الأفريقي.

أفريقيا الوسطى... قراءة غربية أم روسية

التصور الأول يجد مشهداً كانتخابات صورية في ظل وصاية روسية خانقة، بينما تقدم التقديرات الروسية قراءة مختلفة تماماً تصور موسكو شريكاً يساعد في إعادة تأهيل دولة منهارة ويحميها من الفوضى. بين هاتين السرديتين، تكمن حقائق معقدة تستحق التفكيك.

ضمن هذا السياق تشغل مسألة الدستور إحدى أهم القضايا المحورية، ذلك أن رئيس أفريقيا الوسطى تواديرا انقلب على الدستور عبر استفتاء جرى خلال يوليو (تموز) 2023 أزال فيه القيود على فترات الرئاسة، ومدد كل فترة عامين لتكون سبعة أعوام، وقلص صلاحيات المحكمة الدستورية العليا وكذلك البرلمان. وجرى تقديم سردية تبرر هذا السلوك السياسي تبناها الروس وروجوا لها في إطار إعادة تأهيل دولة أفريقيا الوسطى بعد فترة طويلة من الانقلابات العسكرية، وفترة صراع مسلح امتدت أعواماً، واتخذت أبعاداً طائفية بين المسلمين والمسيحيين، ذلك أن السفير الروسي لدى بانغي فلاديمير تيتورينكو أكد ضمن تصريحات متكررة أن إجراءات الأمن الصارمة ضرورية لمنع عودة الفوضى التي عاشتها البلاد عقدين.

في المقابل، فإن التقديرات الغربية تذهب إلى أن هناك انغلاقاً منهجياً للفضاء السياسي، إذ تمنع أحزاب المعارضة من التجمعات وتواجه حملات تشويه، بينما تعمل ميليشيات موالية للنظام كأدوات قمع، إذ تركز القراءة الروسية على أن ما يسميه الغرب قمعاً هو في الواقع استعادة لسلطة الدولة في وجه جماعات مسلحة متمردة مدعومة تاريخياً من قوى أجنبية، وبخاصة فرنسا.

هذا التباين في التفسير يطرح سؤالاً جوهرياً، هل يمكن لدولة خارجة من صراع طويل أن تطبق معايير ديمقراطية غربية دون المرور بمرحلة استقرار سلطوي أولاً؟ السردية الروسية تجيب بالنفي، بينما يصر النقاد الغربيون على أن هذا الاستقرار ليس سوى غطاء لديكتاتورية جديدة.

الوثائق الرسمية الروسية، وبخاصة مفهوم السياسة الخارجية لعام 2023، تصف أفريقيا ككل "مركز متميز للتنمية العالمية". موسكو تقدم نفسها شريكاً يختلف جذرياً عن القوى الاستعمارية السابقة. وزارة الخارجية الروسية تؤكد أن وجودها العسكري داخل أفريقيا الوسطى يهدف إلى تعزيز وحدات الأمن الوطنية لا السيطرة على موارد البلاد.

هذا الطرح تنفيه مناهج عمل مجموعة "فاغنر" التي تحولت إلى الفيلق الأفريقي، إذ يجري تصويرها في الإعلام الروسي شركة خاصة تعمل باتفاقات سيادية مع حكومات شرعية، تماماً كما تفعل شركات أمنية غربية، لكن التقارير الميدانية، حتى من مصادر روسية مستقلة نسبياً، ترسم صورة أعقد. مجموعة الأزمات الدولية أشارت إلى أن المستشارين الروس يؤثرون في اتجاهات الحكومة السياسية ليس فقط في الأمور العسكرية، بل أيضاً في القرارات السياسية والاقتصادية. حيث يشغل مستشار روسي منصب مستشار الأمن القومي، وهو ما يتجاوز بكثير مفهوم الشراكة المتكافئة.

بعد وفاة بريغوجين، حاولت موسكو إعادة هيكلة وجودها الأفريقي تحت سيطرة وزارة الدفاع مباشرة عبر "الفيلق الأفريقي". لكن أفريقيا الوسطى تقاوم هذا التحول، رافضة دفع كلف إضافية. هذا التوتر يكشف عن إشكالية لم تعالجها السردية الروسية الرسمية، من يدفع ثمن الاستقرار؟

السودان... موسكو تفضل الوضع الراهن

الجدل الموجود داخل أفريقيا الوسطى يماثله جدل موازٍ متعلق بالسودان، ذلك أن هناك اتهامات لروسيا أن قوات "الدعم السريع" تتلقى دعماً عبر أفريقيا الوسطى بوساطة "فاغنر" موثقة بصورة واسعة. لكن القراءة الروسية تختلف جوهرياً. المصادر الروسية تنفي أي تنسيق بين "فاغنر" و"الدعم السريع"، مشيرة إلى أن المجموعة ملتزمة دعم الحكومات الشرعية فحسب.

ضمن السياق السوداني، القراءة الروسية ترى أن الصراع بين جيش نظامي ومجموعة متمردة، بالتالي فإن أي دعم روسي، إن وجد، سيكون للجيش السوداني فحسب. لكن العلاقة التاريخية بين حميدتي ونظام البشير الذي كان حليفاً وثيقاً لموسكو تجعل هذه السردية ضعيفة وبلا صدقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المعطيات المتوافرة ربما تكمن في براغماتية موسكو الجيوسياسية. روسيا لا تنحاز بالضرورة إلى طرف سوداني ضد آخر، بل تسعى للحفاظ على علاقات مع جميع الأطراف لضمان مصالحها، وبخاصة قاعدة البحر الأحمر المخططة. هذا التحوط الاستراتيجي يختلف عن الالتزام الأيديولوجي الذي تدعيه السردية الرسمية.

البرهان حاول التواصل مع بانغي لوقف الدعم لقوات "الدعم السريع"، لكن النتائج كانت محدودة. ومن المنظور الروسي، هذا يعكس احترام السيادة الوسط أفريقية وعدم التدخل في قراراتها. لكن هناك اتجاهات ترى فيه دليلاً على أن موسكو كغيرها تفضل الوضع الراهن، صراعاً سودانياً ممتداً يبقي جميع الأطراف في حاجة إلى دعم خارجي.

انتخابات أفريقيا الوسطى ليست مجرد حدث محلي، بل مرآة لصراع سرديات أوسع حول طبيعة النفوذ الأجنبي في أفريقيا. السردية الغربية تركز على القمع وانتهاكات الحقوق، بينما السردية الروسية تشدد على الاستقرار واحترام السيادة. الحقيقة، كالعادة، أعقد من أية سردية أحادية.

ما لا يمكن إنكاره هو أن أفريقيا الوسطى فقدت قدراً كبيراً من استقلالها الفعلي، سواء كان "محررها" روسيا أم أية قوة أخرى. الانتخابات ستجرى، وتواديرا سيفوز على الأرجح، لكن السؤال الأعمق يبقى، هل يمكن لدولة أفريقية هشة أن تحقق استقراراً حقيقياً ومستداماً دون أن تقع في قبضة وصاية أجنبية جديدة، مهما كان لونها أو مصدرها؟

المنتدى الروسي – الأفريقي... اختبار حقيقي

على المستوى الأفريقي العام، لم يكن المنتدى الروسي - الأفريقي الأخير مجرد استكمال لمسار بدأ في سوتشي عام 2019، بقدر ما كان اختباراً حقيقياً لمدى قدرة موسكو على تحويل خطاب الشراكة إلى نفوذ فعلي في قارة باتت أكثر وعياً بتوازنات النظام الدولي وأكثر حذراً في إدارة علاقاتها الخارجية. المنتدى جاء خلال لحظة دولية معقدة، تتسم بتراجع اليقين الاستراتيجي وتصاعد منطق التعددية القطبية، وتنافس محموم على أفريقيا باعتبارها أحد آخر ميادين إعادة توزيع النفوذ العالمي.

من حيث الشكل حرصت روسيا على إظهار استمرارية التزامها بالقارة، مؤكدة خطاب السيادة وعدم التدخل، وهو خطاب يجد صدى تقليدياً لدى عدد من الدول الأفريقية التي ما زالت تتحسس من الإرث الاستعماري الغربي. غير أن مضمون المنتدى كشف عن فجوة واضحة بين الطموح السياسي الروسي والأدوات الاقتصادية والتنموية المتاحة فعلياً لتحقيق هذا الطموح.

روسيا، على رغم حضورها الدبلوماسي المتزايد لا تزال تفتقر إلى الحزمة التمويلية والاستثمارية القادرة على منافسة الصين أو الاتحاد الأوروبي، وهو ما يضع سقفاً عملياً لأية شراكة استراتيجية عميقة، ذلك أن وعد بوتين عام 2019 بمضاعفة التجارة مع أفريقيا خلال خمسة أعوام لم يتحقق، فبحلول 2024 بلغت التجارة الروسية - الأفريقية 24.5 مليار دولار فحسب، مقارنة بـ355 مليار دولار مع الاتحاد الأوروبي. معظم التجارة الروسية تركزت داخل أربع دول فحسب، ولم تشمل استثمارات حقيقية في البنية التحتية أو التنمية.

ضمن هذا السياق، بدا المنتدى أقرب إلى محاولة لإعادة تعريف الدور الروسي في أفريقيا من كونه شريكاً سياسياً داعماً إلى فاعل يسعى إلى ربط الأمن بالتنمية، والغذاء بالطاقة، والموارد بالتصنيع المحلي. غير أن هذا التحول، على رغم أهميته النظرية، لم يترجم بعد إلى آليات تنفيذية واضحة، مما يعكس محدودية القدرة الروسية على الانتقال من مستوى الخطاب إلى مستوى التأثير الهيكلي طويل الأمد.

في المقابل، أظهرت الدول الأفريقية قدراً متزايداً من البراغماتية. فالحضور الأفريقي في المنتدى لم يكن تعبيراً عن اصطفاف مع موسكو بقدر ما كان انعكاساً لرغبة في تنويع الشركاء وتوسيع هامش المناورة في نظام دولي مضطرب.

إجمالاً، يمكن القول إن المنتدى الروسي - الأفريقي أكد استمرار موسكو فاعلاً حاضراً في أفريقيا، لكنه خلال الوقت ذاته كشف عن حدود هذا الحضور في ظل قيود اقتصادية وجيوسياسية متزايدة. هو منتدى حافظ على القنوات مفتوحة، لكنه لم يحسم بعد سؤال التحول من الشراكة الرمزية إلى الشراكة المؤثرة. وبين طموح روسي مشروع وواقعية أفريقية متصاعدة، ستظل العلاقة مرهونة بقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة اللحظة إلى بناء مسار استراتيجي طويل النفس.

نموذج أفريقيا الوسطى وغيره يثبت أن الدول الأفريقية تحتاج إلى استقلال حقيقي ومؤسسات فعالة، وهو ما لن يأتي من أية قوة خارجية، بل من إرادة داخلية مدعومة بشراكات دولية متوازنة ومحترمة للسيادة فعلاً لا قولاً.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل