ملخص
أثار اختطاف مادورو صدمة في بكين، لكنه فتح أمام الصين مراجعة باردة لأربع قضايا حاسمة: الدروس العسكرية، ومصالح الطاقة، والموقع الدولي، وتداعيات ذلك على ملف تايوان. وبينما لا تبدو فنزويلا خسارة استراتيجية مباشرة، فإن العملية الأميركية تمنح شي جينبينغ نموذجاً عملياً لكيف يمكن شلّ خصم سياسي وعسكرياً في سيناريو تايوان.
أعرب أنصار الواقعية الباردة (تيار داخل النخبة الصينية ينظر إلى السياسة الدولية بعقلانية باردة، بلا أوهام أيديولوجية أو عاطفية، ويركز على موازين القوة والمصلحة الصلبة) في بكين عن "صدمة عميقة" إزاء الضربة الأميركية على فنزويلا، ودعوا الولايات المتحدة إلى الإفراج فوراً عن الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته.
لم يمض سوى عامين منذ أن استقبل الزعيم الصيني شي جينبينغ مادورو استقبالاً رسمياً حافلاً بالسجاد الأحمر خلال زيارة دولة، وتعهد بدعم "جهوده في حماية السيادة الوطنية، وكذلك قضية فنزويلا العادلة في مواجهة التدخل الخارجي".
وقبل يومين فقط من القبض عليه، كان مادورو يستقبل المبعوث الخاص للرئيس شي في قصر ميرافلوريس الرئاسي، لإجراء محادثات حول أكثر من 600 اتفاق ربطت البلدين في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتمويل والتعاون السياسي. وكان الزائر تشيو شياو تشي، وهو دبلوماسي صيني رفيع المستوى شغل سابقاً منصب سفير بلاده لدى البرازيل والمكسيك. وإذا كان الهدف من هذه الزيارة ردع أي تحرك أميركي، وإذا كان الهدف من هذه الزيارة ردع أي تحرك أميركي، فمن الواضح أنها لم تنجح في ذلك. ويبدو، في الظاهر، أن سقوط مادورو يمثل انتكاسة واضحة للصين على المستويات السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية.
لكن الأمر قد يكون أكثر تعقيداً من ذلك، فعلى رغم أن الصين لا تستجيب بسرعة للأحداث الدولية المعقدة، فإن هناك أربعة أسئلة ستشغل قادتها هذا الأسبوع، وليس جميعها يبدو سيئاً.
السؤال الأول، وهو الأهم دائماً وإن لم يعلن، هو السؤال العسكري. سيجرى تدقيق مكثف في التكتيكات والقدرات الاستخبارية التي مكنت القوات الأميركية من شل الدفاعات الجوية الفنزويلية، وإغراق كاراكاس في الظلام، وتنفيذ عملية اعتقال دقيقة نقلت مباشرة على الهواء إلى الرئيس دونالد ترمب، الذي تابعها مبتهجاً من منتجع مارالاغو في فلوريدا.
لا يوجد في ذلك ما يثير قلق الصين كثيراً، فدفاعات فنزويلا كانت في حالة من التدهور الشديد إلى حد أن مادورو كان قد طلب أخيراً من شي تزويده بأنظمة رادار جديدة، وطلب من حليفه الآخر فلاديمير بوتين المساعدة في إصلاح محركات طائرات سوخوي "سو-20 إم كاي 2" الروسية (التي قيل إن خمساً فقط منها كانت صالحة للعمل)، كما سعى إلى الحصول من إيران على صواريخ وطائرات مسيرة وأجهزة تشويش على نظام تحديد المواقع.
يبدو التباين مع الترسانة الحديثة للصين صارخاً، وسيحفز المكتب السياسي للحزب على تسريع سباقه للتفوق على تكنولوجيا القتال الأميركية، كما أن دراسة هذه الغارة ستساعد جيش التحرير الشعبي الصيني في تخطيط سيناريوهاته الخاصة لتنفيذ ضربة تستهدف شل قيادة تايوان.
أما السؤال الثاني بالنسبة إلى الصين فيتعلق باتفاقها في مجال الطاقة مع فنزويلا، الذي كان نظام مادورو يسدد بموجبه القروض عبر شحنات نفط مخفضة السعر، وتظهر الأرقام الرسمية أن الصين كانت الوجهة النهائية لـ700 ألف برميل من أصل 1.2 مليون برميل يومياً كانت تشحنها شركة النفط الوطنية "بتروليوس دي فنزويلا"PDVSA.
كان التفاوض شاقاً لأن النفط الخام الفنزويلي "ثقيل"، ولأن المصافي الصينية تواجه صعوبة في إنتاج وقود يمكن بيعه بسعر تنافسي. وكانت الصفقة، في جوهرها، تبادلاً تقليدياً بين دولتين تحكمه اعتبارات سياسية لا اقتصادية. وقد يكون الصينيون اطمأنوا إلى تأكيد الرئيس ترمب المبكر أن النفط سيواصل التدفق، لكنه لم يقل بأي سعر. وفي الميزان النهائي، يصب ذلك في مصلحة الرئيس الأميركي ويمنحه ورقة ضغط واضحة.
أما السؤال الثالث فهو: في أي موقع تضع الضربة الفنزويلية كلاً من أميركا والصين على الساحة العالمية؟ وهنا لا شك في أن بكين تتعامل مع الموقف من موقع قوة سياسية واضحة. فقد دعا المتحدث باسمها الولايات المتحدة إلى "التوقف عن الإطاحة بحكومة فنزويلا"، مضيفاً أن ما قامت به "يشكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي، وللقواعد الأساسية في العلاقات الدولية، ولمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة".
وهذه هي المواضيع نفسها التي تروج لها الصين بلا مواربة منذ أن حضر مادورو وشي العرض العسكري الذي نظمه بوتين في موسكو في التاسع من مايو (أيار) من العام الماضي لإحياء الذكرى الـ80 لنهاية الحرب العالمية الثانية، غير أن مادورو لم يحضر العرض الذي أقامه شي في الثالث من سبتمبر (أيلول)، وأوفد بدلاً منه رئيس الجمعية الوطنية، في وقت كانت فيه القوات الأميركية تتجمع في منطقة الكاريبي، لكن حكومته أيدت النص "المناهض للفاشية" الذي تبنته الصين وروسيا وكوريا الشمالية.
يتحدث شي عن استعادة "التاريخ والقيم الأصيلة" لمنظومة الأمم المتحدة، وقد نجح في حشد دول "الجنوب العالمي" المضطربة حول هذه القضية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن مادورو قد لا يقف شخصياً على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مرة أخرى، فإن احتجازه على مقربة من هناك يمنح خصوم الولايات المتحدة سلاحاً خطابياً إضافياً، مع أن إدارة ترمب لا يبدو أنها تبالي بذلك.
أما السؤال الرابع بالنسبة إلى الصين فيتعلق بما يعنيه ذلك لطموح شي في إعادة توحيد بلاده مع تايوان، فالزعيم الصيني حذر إلى حد لا يسمح له بالربط بين الملفين علناً، لكن يمكن العثور على إشارة دالة من خلال تفكيك بيان وزارة الخارجية الصينية، الذي ذكر: "تدين الصين بشدة الاستخدام السافر للقوة من جانب الولايات المتحدة ضد دولة ذات سيادة، والإجراء المتخذ ضد رئيسها".
وبالطبع، لا تنظر الصين إلى تايوان بوصفها دولة ذات سيادة، بل باعتبارها إقليماً متمرداً. وهي لا تعترف برئيسها، لاي تشينغ-تي، بوصفه رئيس حكومة شرعياً، بل تصفه بأنه "خائن مصيره السقوط"، ولذلك فإن سابقة فنزويلا لا تنطبق هنا.
من الناحية القانونية، ومن منظور شي جينبينغ، فإن أي تحرك لاستعادة تايوان لن يكون سوى شأن داخلي لا يعني الأجانب. ويمكن تقديم ضربة لاستعادتها على نحو ينسجم مع نظام عالمي تهيمن فيه أميركا على النصف الغربي من الكرة الأرضية، وتفرض فيه الصين هيمنتها على الشرق. أما سياسياً، فقد سهل الرئيس ترمب لتوه الأمر.
مايكل شيريدان مؤلف كتاب "الإمبراطور الأحمر: شي جينبينغ والصين الجديدة" وكتاب "بوابة الصين"، وهو كتاب تاريخي شهير عن هونغ كونغ.
© The Independent