ملخص
ماذا على المثقف التقليدي يسارياً كان أو إسلامياً أو ليبرالياً فعله كي يواجه حكم الموت الصادر ضده؟ هل عليه أن يجدد علاقته بالتكنولوجيا الجديدة أم عليه أن يغير من قناعاته التي أصبحت من خبر كان؟ أم عليه أن يغيّر من الطرق التي يعتمدها في إنتاج القيم بما فيها اللغة كي يظل على اتصال مع اليومي والتاريخي، من دون أن يفقد حسه الأخلاقي والنضالي والجمالي؟
هل هي بداية نهاية خرافة المثقف التقليدي وبداية مرحلة مثقف جديد بمواصفات يلعب فيها المزاج دوراً كبيراً، وتلعب فيها الحرية الفردية الفصل الحاسم؟ هل هي بداية نهاية المثقف المناضل وبداية مرحلة المثقف العبثي المزاجي؟ هل هي بداية نهاية مثقف العقل والرمز وبداية مثقف الوجود؟
زار هذا الأسبوع الجزائر العاصمة المؤثر سبيد، وللحقيقة أنا لا أعرفه لكن نزوله العاصمة وما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي عن الاستقبال الجماهيري غير المتوقع الذي لقيه من قبل الجزائريين في كل أحياء العاصمة، من أحيائها الراقية إلى أحيائها الشعبية، جعلني أتساءل بصفتي مثقفاً ملاحظاً يتابع اهتزازات المجتمع عن ماهية دور المثقف اليوم؟ ومن هو المثقف اليوم وما حجم تأثيره؟ وهل المثقف الكلاسيكي التقليدي يدخل منطقة الاندثار؟ وهل أصبح قاب قوسين أو أدنى من الموت السياسي والاجتماعي والجمالي أيضاً؟
ماذا يا ترى تفعله رواية أو قصة أو قصيدة أو مسرحية أو لوحة تشكيلية أمام ما يفعله هذا السبيد وأمثاله الذين يلعبون بعقول ووعي وأذواق المجتمعات شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، بقوة تأثير تشبه قوة تأثير الساحر في القرون الوسطى.
لقد أشرفت التكنولوجيا من خلال أجيالها الجديدة على تفكيك البنية التقليدية للوعي الجمعي وإعادة ترتيبه وتركيبه كما تمليه سلطة الغريزة والاستهلاك، فماذا على المثقف التقليدي يسارياً كان أو إسلامياً أو ليبرالياً فعله كي يواجه حكم الموت الصادر ضده؟ هل عليه أن يجدد علاقته بالتكنولوجيا الجديدة؟ أم عليه أن يغير من قناعاته التي أصبحت من خبر كان؟ أم عليه أن يغيّر من الطرق التي يعتمدها في إنتاج القيم بما فيها اللغة كي يظل على اتصال مع اليومي والتاريخي من دون أن يفقد حسه الأخلاقي والنضالي والجمالي؟
هل المجتمع، مجتمعنا بالأساس، لا يزال بحاجة إلى المثقف كما جرى تصويره وتوصيفه من قبل فلاسفة القرن الـ 20؟
وأنا أتابع هذه الهستيريا الجماهيرية التي تجلت بوضوح في طرق استقبال المؤثر سبيد والذي شاركت فيه النساء من كل الأعمار ومن كل الحساسيات الأيديولوجية (يبدو ذلك من لباسهن، من المتحجبة إلى المنقبة إلى العادية)، وشارك فيه الشباب والرجال من كل الأعمار أيضاً، تساءلت أما حان الوقت كي نعيد التفكير في مفهوم المثقف الجديد وفي دوره الجديد أيضاً؟ أما حان الوقت أيضاً في إعادة التفكير في مفهوم الحزب؟ لقد هزم سبيد المثقف وهزم الأحزاب كلها.
حين شاهدت حضور سبيد وحمام الاستقبال الشعبي العاصمي في مجموعة من الفيديوهات المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، قلت إما أنني وزملائي الكتّاب والمفكرين خارج التاريخ، أو أن المجتمع برمته يميل نحو حال من التفكك المخيف في غياب مرجعيات صلبة ثقافية ودينية وهوياتية ولغوية، وإزاء هذا التحول العنيف الذي يعرفه المجتمع والذي يأتي على سلطة الرموز، عدتُ لقراءة بعض أهم الأطروحات حول المثقف والتي صاغها منظرون شكلوا مركز تاريخ الأفكار السياسية والفلسفية والجمالية على مدى قرنين تقريباً، من أمثال جورج لوكاتش (1885–1971) وبيير بورديو (1930–2002) ولويس ألتوسير (1918–1990)
ولينين (1870–1924) وغيرهم، وقد ذكرتُ هذه الأسماء للتمثيل لا الحصر.
لقد ربط جورج لوكاتش المثقف بطبقة اجتماعية واعتبر أن هذه الأخيرة هي من تحدد دوره وتنحت رؤيته، وهو في ذلك يلعب دور الوسيط في صناعة الوعي لدى طبقته، أما عند بيير بورديو فالمثقف هو من يملك رأسمال رمزياً، وهو المنتج للخيرات الرمزية، أي الأفكار الجديدة والكتب والعلوم، وهو طرف في عملية الهيمنة التي هي خاصية طبقية وسياسية في المجتمعات، أما بالنسبة إلى ألتوسير فالمثقف هو عميل أيديولوجي، أي ذلك الذي يشتغل داخل مصفوفة الأجهزة الأيديولوجية للدولة (المدرسة والجامعة والإعلام والمسجد والثقافة) ومن هذا الموقع فالمثقف ليس حراً في جوهره وإنما الأيديولوجيا هي من تشكله، في حين يعتبر لينين المثقف عاملاً ضرورياً في أي تنظيم ثوري، فالوعي السياسي والاجتماعي لا تنتجه البروليتاريا بل يجيئُها من الخارج، أي من المثقف الثوري المنتظم سياسياً، وعلى المثقف أن يذوب داخل الحزب.
هذه بعض عينات عن القاعدة النظرية التي تشكلت عليها نظرتنا للمثقف خلال قرنين من الزمن الفلسفي والفكري والسياسي والتنظيمي، فهل جاء سبيد وأترابه لإسقاط هذه النظريات ودفن أصحابها؟ وهل يحملون نبوءة مثقف جديد؟
شخصيا ما أزال أؤمن بالجانب النضالي في أي عمل ثقافي أو أدبي، أي أن على المثقف المبدع المنتج للخيرات الرمزية، كما يقول بورديو، أن يكون داخلاً في مجتمعه ومصاحباً لأعماله كما يقول غرامشي، وأن يكون داخلاً في المؤسسات الأيديولوجية والثقافية والإعلامية والأكاديمية والتربوية بحس نقدي حتى لا تبتلعه وتبلّده، بل عليه أن يكون هو من يشكل وعي من يرتادونها.
على المثقف الحقيقي التاريخي ألا يسقط في الشعبوية بل أن يظل مقاوماً لها، فصناعة الأفكار الجديدة لا تكون إرضاء للشعبوية بل في التفكير في تفكيك فخاخها الخطرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن نجومية المثقف الذي يتعاطى مع مجتمعه بحاسة نقدية هي نجومية نخبوية لأنها ناتجة من ارتباط المثقف المبدع بالتاريخ والعصر وإيقاعه، والاستثمار في وسائل التواصل مع العبقرية الشعبية بعيداً من كل تأثير "الرعاع".
حين يبحث المثقف الحقيقي عن نجومية كنجومية المؤثر سبيد التي عليه أن يسائلها لا أن يتمناها، فإنه يكون في طريق تضييع خصوصيته النقدية.
إن نجومية المثقف النقدي هي نجومية عابرة للأزمنة، أما نجومية سبيد وأمثاله فهي نجومية موسمية مهددة بالإمّحاء ما بين عشية وضحاها.
على المثقف النقدي المرتبط بمجتمعه وبالقيم الإنسانية الكبرى أن يكون بالضرورة ضد أطروحة "الجمهور يريد هذا"، فالشعبوية هي طريق الابتذال الثقافي والسياسي والديني، والشعبوية السياسية أسقطت رجل السياسة في الاستهلاك بعيداً من فن السياسة ولعبتها الخطرة، ولم يعد لدينا سياسيون يمثلون رموزاً في سلوكهم وذكائهم وخطاباتهم، وأما الشعبوية الدينية فقد جعلت من رجل الدين شبحاً سياسياً يفتي كما ترغب فيه العامة، وهو ما يضطره إلى استدعاء بعض النصوص المتعارضة مع شروط الزمن المعاصر، وهذه الشعبوية حولت رجل الدين من رمز أخلاقي روحي إلى رمز سياسي يتاجر بالقيم الدينية التي يفرغها من روحها وصفائها، وأما الشعبوية الوطنية أو القومية فهي تصنع الوهم كي ترضي العامة فتصوُر وطناً أو قومية فوق الأوطان والقوميات بطريقة حماسية، وتحول الهزائم إلى انتصارات كاذبة.
إن الشعبوية تعتم على دور المثقف النقدي بأن تعمل على تفريغ الاجتهاد من عمقه، وتضع المسخ قبل الأصل وفوقه، وتضع المزاج قبل النقد، وتضع المشاعر الهوجاء قبل عين التأمل، ومقاومة الشعبوية لا تكون إلا بالعقل والنقد وهذا ما يجعل الكاتب الحقيقي يدفع ضريبة كبرى.
إن الشعبوية هي منبع النفاق السياسي والديني والأخلاقي، وللأسف فقد سقط كثير من الكتاب في حبائل هذه الشعبوية، ويظهر هذا من خلال تدخلاتهم وحضورهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهم بذلك يريدون أن يحققوا رغباتهم في النجومية الشعبوية على حساب النضال النقدي العقلي حتى أصبح الناس يعرفون كثيراً منهم من خلال صورهم وأسمائهم أكثر مما يعرفونهم من خلال قراءة نصوصهم، وكي تتحقق الشعبوية لدى الكاتب المسكون بصورة سبيد وغيره، فإنك تراه يعتمد على خطاب لغوي مشبع بقاموس ديني متطرف أو وطني شوفيني أو مراهقة، كل ذلك سعياً إلى توسيع دائرة الأتباع.