ملخص
يعالج فيلم "شباب بلا شباب" للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، ومن تأليف ميرسياه إلياده، فكرة الزمن الدائري مقابل الزمن التاريخي. دومينيك يتحرر جزئياً من الزمن الخطي، ويصبح كائناً يقف على تخوم الأسطورة، أشبه بشخصيات إلياده التي تعيش لحظات انكشاف مقدس داخل عالم دنيوي
كما يخبر هو بنفسه، لم يكن تحقيق فرانسيس فورد كوبولا فيلمه "شباب بلا شباب" في عام 2007 عملاً عادياً، ولا سيما من ناحية إقدامه على إنتاجه في وقت كان يعرف حقاً أنه يشتغل على رواية مستحيلة، أي رواية لا يمكن أفلمتها فإن أفلمت، لن يكون من السهل توفير أي نجاح جماهيري لها، لكن المشكلة كمنت في مكان آخر: في عدم إمكان توفير حتى أي نجاح نقدي لها. ومع ذلك أقدم صاحب "العراب" على تلك "النزوة" فتمخضت عن نزوة بالفعل.
ولكن، مهما يكن من أمر، يعد فيلم "شباب بلا شباب" عملاً استثنائياً في مسيرة فرانسيس فورد كوبولا، ليس فقط لأنه اقتباس عن نص فلسفي – ميتافيزيقي لميرسيا إلياده، بل لأنه أيضاً تأمل سينمائي عميق في الزمن، والهوية، والمعرفة، والخلود.
وتدور الحكاية، كما كنا نعرف سلفاً، حول دومينيك ماتيي، أستاذ لغويات مسن يعيش في رومانيا قبيل الحرب العالمية الثانية، يشعر بأن حياته الفكرية فشلت في تحقيق مشروعه الأكبر: الوصول إلى أصل اللغة البشرية بوصفها مفتاحاً لفهم الوعي الإنساني ذاته. نقطة التحول الأساسية في الفيلم تحدث عندما يصاب دومينيك بصاعقة برق غامضة، لا تقتله بل تعيده شاباً في الجسد والعقل معاً، وتمنحه قدرات ذهنية خارقة: ذاكرة مطلقة، سرعة تفكير مذهلة، ومعرفة لغوية تتجاوز حدود البشر العاديين. هذه "المعجزة" ليست هدية بريئة، بل اختبار وجودي. فاستعادة الشباب هنا لا تعني الانبعاث السعيد، بل الدخول في صراع جديد مع الزمن، ومع السؤال الأخطر: ماذا يفعل الإنسان إذا أعطي فرصة ثانية؟
فكرة الزمن الدائري
يعالج الفيلم، على خطى إلياده، فكرة الزمن الدائري مقابل الزمن التاريخي. دومينيك يتحرر جزئياً من الزمن الخطي، ويصبح كائناً يقف على تخوم الأسطورة، أشبه بشخصيات إلياده التي تعيش لحظات انكشاف مقدس داخل عالم دنيوي.
لكن هذا التحرر يضعه أيضاً تحت مراقبة قوى سياسية وعلمية (النازيون)، ترى في قدراته وسيلة للهيمنة لا للمعرفة، فيتحول العلم إلى خطر، والمعرفة إلى عبء. العلاقة التي تربطه بفيرونيكا، المرأة التي تحبه وتصبح بدورها وسيطاً لغوياً خارقاً بعد تعرضها لحادث، تمثل بعداً آخر للفيلم: الحب بوصفه تجربة زمنية هشة. فبينما يتجدد دومينيك جسدياً، تبقى فيرونيكا أسيرة زمنها الطبيعي، ما يخلق فجوة أخلاقية ووجودية بينهما.
هنا يطرح الفيلم سؤالاً مؤلماً: هل الخلود الفردي ممكن دون التضحية بالآخرين؟ أسلوبياً، يتخلى كوبولا عن السرد الواقعي التقليدي لمصلحة بناء تأملي، تتداخل فيه الأحلام، والهلوسات، والحوارات الفلسفية، والرموز الدينية.
الفيلم لا يسعى إلى الإقناع بقدر ما يسعى إلى الإغواء الفكري، ويطلب من المشاهد أن يكون شريكاً في التأمل لا متلقياً سلبياً. في جوهره، "شباب بلا شباب" ليس فيلماً عن الشباب، بل عن ثمن المعرفة، وعن الإنسان حين يقترب أكثر مما ينبغي من أسرار الوجود. وهو، في ذلك، ترجمة سينمائية أمينة لروح ميرسيا إلياده: حيث يصبح الزمن لغزاً، واللغة طريقاً إلى المقدس، والخلود سؤالاً أخلاقياً لا وعداً بالخلاص.
في هذا الفيلم لا يقتصر اقتباس فرانسيس فورد كوبولا عن رواية ميرسيا إلياده على الحكاية أو الشخصيات، بل يتوغل عميقاً في لب المشروع الفكري لإلياده، ولا سيما تصوره للزمن، والمقدس، واللغة بوصفها بنية تأسيسية للوعي الإنساني. فالفيلم يمكن قراءته بوصفه ترجمة سينمائية لأسئلة إلياده الكبرى أكثر منه تحويلاً سردياً لنص أدبي.
التمييز بين زمنين
ينطلق الفيلسوف الروماني ومؤرخ الأديان ميرسيا إلياده (1907 – 1986)، في أعماله البحثية مثل "المقدس والمدنس" و"أسطورة العود الأبدي"، من التمييز بين الزمن التاريخي الخطي والزمن المقدس الدائري. هذا التصور يتجسد في شخصية دومينيك ماتيي، الذي يعيش بداية داخل الزمن التاريخي العادي: شيخ هرم، محبط، يراقب فشل مشروعه الفكري كما يراقب انطفاء تجسده. غير أن الصاعقة التي تصيبه لا تعمل كحادثة علمية، بل كانكشاف اللحظة التي يتدخل فيها المقدس ليكسر استمرارية الزمن الدنيوي ويعيد ترتيب الوجود.
استعادة الشباب ليست هنا معجزة بيولوجية، بل دخول في زمن آخر، زمن أسطوري يسمح بإعادة المحاولة، أو بتكرار الأصل. وهذا يتطابق مع فكرة إلياده عن "العودة إلى البدايات" باعتبارها رغبة إنسانية عميقة في الإفلات من عبء التاريخ. دومينيك، وقد تحرر جزئياً من الزمن الخطي، يصبح أقرب إلى بطل أسطوري أو حكيم بدائي، يعيش خارج التقويم، لكنه يدفع ثمن ذلك بعزلة أخلاقية ووجودية.
اللغة كوسيط
أما اللغة، وهي محور أساس في الرواية والفيلم، فتمثلت في مشروع إلياده الوسيط بين الإنسان والمقدس، إذ إن سعي دومينيك لاكتشاف أصل اللغة هو في الحقيقة سعي إلى استعادة لحظة ما قبل الانقسام بين الكلمة والمعنى، بين الإنسان والعالم. حين تستعيد فيرونيكا لغات قديمة ومنسية في حالات غيبوبة، يتحول جسدها إلى أرشيف حي للذاكرة البشرية، وهو تصور إليادي بامتياز، حيث تختزن الأسطورة ما عجز التاريخ عن حفظه.
غير أن الفيلم، وفي وفائه لإلياده، لا يقدم هذا الاقتراب من المطلق بوصفه خلاصاً. فكلما اقترب دومينيك من المعرفة الكلية، ازداد انفصاله عن الحب، وعن المسؤولية، وعن الآخرين. وهنا يظهر البعد الأخلاقي في مشروع إلياده الإنسان لا يحتمل العيش الدائم في المقدس، ولا يستطيع الإفلات نهائياً من التاريخ دون أن يفقد إنسانيته.
بهذا المعنى، فإن "شباب بلا شباب" هو فيلم عن إغراء الأسطورة وحدودها، وعن الحلم الإنساني بالخلود حين يصطدم بثقل الواقع. إنه عمل يقيم على التخوم نفسها التي أقام عليها ميرسيا إلياده مشروعه الفكري: بين العلم والميتافيزيقا، بين التاريخ والرمز، وبين المعرفة والخسارة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ردود فعل نقدية
خلال السنوات التي تلت عروضه الفاشلة حصل الفيلم على نسبة موافقة 33 في المئة على موقع Rotten Tomatoes، استناداً إلى 107 مراجعات بمتوسط تقييم 4.80/10. وجاء في ملخص آراء النقاد على الموقع: "على رغم جاذبيته البصرية، فإن فيلم كوبولا الأخير يمزج بين عديد من الأنواع السينمائية مع حبكة مربكة للغاية". أما على موقع Metacritic، فقد حصل الفيلم على متوسط تقييم مرجح قدره 43 من 100، استناداً إلى 29 ناقداً، مما يشير إلى "آراء متباينة أو متوسطة".
وفي المقابل أشادت صحيفة "نيويورك تايمز" بالفيلم، فكتبت: "في هذا الفيلم، يمزج كوبولا بين الأحلام والحياة اليومية، ويشير إلى أنه من خلال التجريب البصري والسردي، بدأ البحث عن طرق جديدة لخلق المعنى، وأماكن مقدسة جديدة له ولنا". أما مجلة Variety فأعربت عن "خيبة أملها" من "حبكة الفيلم المتضاربة" و"السيناريو المتكلف". انتقد ريكس ريد الفيلم بشدة، فكتب: "تعرف أن الفيلم محكوم عليه بالفشل عندما يكون نجمه الوحيد هو تيم روث. وتعرف أنه متكلف عندما تطبع الإعلانات الشعار بالمقلوب. لا معنى لكلمة واحدة من هذا الهراء، ومع ذلك فهو فيلم مدته ساعتان وست دقائق. ومنح روجر إيبرت من صحيفة "شيكاغو صن تايمز" الفيلم نجمة ونصف النجمة من أصل أربع، مصرحاً بأن "هناك ما يسمى الفيلم المعقد الذي يستحق المشاهدة والدراسة المتعمقة، لكن فيلم "شباب بلا شباب"، للأسف، ليس أكثر مما يبدو عليه: رحلة محيرة عبر غموض ميتافيزيقي".
وفي عام 2016، أدرج سكاوت تافويا من موقع RogerEbert.com الفيلم في سلسلته المرئية "غير المحبوبين"، حيث يسلط الضوء على أفلام تلقت مراجعات متباينة إلى سلبية، لكنه يعتقد أنها ذات قيمة فنية. وصرح بأن كوبولا "صنع فيلماً كان يتمنى مشاهدته، بطاقة استمدها من أبطاله. لكن هذا الفيلم يعكس شخصيته بالكامل، حقاً. أي مخرج أميركي بارز آخر سيهدر أموال الاستوديو لمجرد التجوال في أوروبا مستعيداً سنوات مجد والده؟ رأيت الإنسان يكافح لتغيير العالم من خلال عمله، والطرق التي أخفق بها في ذلك، وشعرت بالشفقة عليه".
في عام 2024 كشف فرانسيس فورد كوبولا خلال مقابلة مع مجلة "رولينج ستون"، أن فيلم "شباب بلا شباب" لم يكن مصمماً للنجاح، بل كان "اختباراً" لنفسه ليتعلم المعنى الحقيقي لصناعة الأفلام، إذ كان "اعتزل نوعاً ما" الإخراج الاحترافي منذ فيلم "صانع المطر" (1997)، وقرر بدلاً من ذلك أن يكون طالباً يكتشف ماهية صناعة الأفلام من خلال تمويل أفلام "صغيرة جداً ومنخفضة الموازنة" بنفسه، بل وتنظيم بروفات غير تقليدية تعلم خلالها كثيراً عن التمثيل. كان هذا ليهيئ كوبولا نفسه لتطوير مشروعه الشغوف الذي طال انتظاره، "ميغالوبوليس" (2024).