Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف حولت الجماعات المتطرفة الذكاء الاصطناعي إلى أداة تجنيد وتسليح؟

تستخدم التقنيات الحديثة لتحليل سلوك المستخدمين وإنتاج رسائل موجهة بدقة وإنشاء قواعد بيانات تفصيلية وتيسير الوصول إلى معلومات ترتبط بتطوير أسلحة وقدرات قتالية

توظّف الجماعات المتطرفة المنصات التي لم تؤمن بعد بالشكل الكافي في أنشطة إرهابية (رويترز)

ملخص

التنظيمات المتطرفة رغم اعتمادها سابقاً على موارد محدودة في مجال الذكاء الاصطناعي، فإنها تمتلك آفاقاً لتوسيع هذا الاستخدام، كذلك وتيرة الثورة التقنية الحالية تنذر بتصاعد حجم التهديد خلال الفترة المقبلة، مما يفرض على الوكالات الأمنية والاستخباراتية تطوير أدواتها ومناهجها الاستباقية لمواجهة هذه الجماعات والتصدي لعملياتها. فكيف توظف الجماعات المتطرفة أدوات الذكاء الاصطناعي؟ وكيف يمكن مواجهتها؟

غيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة الفضاء الرقمي خلال أعوام قليلة، ومعه تبدلت أنماط التفاعل والتأثير وبناء الشبكات عبر الإنترنت، ولم يقتصر هذا التحول التقني على الاستخدامات الاقتصادية، بل أتاح، بحسب متخصصين، مساحات رقمية استغلتها جماعات متطرفة في أنشطة تثير مخاوف أمنية، من خلال أدوات قادرة على تحليل أنماط السلوك، وإنتاج المحتوى، وتوسيع نطاق الوصول، في بيئة لا تزال الأطر المنظمة لها تتشكل ولم تكتمل بعد.

في سياق التجنيد، أتاحت تقنيات الذكاء الاصطناعي إمكانات متقدمة لفهم أنماط التفاعل الفردي وتوجيه رسائل مصممة وفق الاهتمامات والسلوك الرقمي للفئات المستهدفة، وبحسب متخصصين، أسهم هذا الاستخدام المنهجي للتكنولوجيا في تجاوز الجماعات المتطرفة الأساليب الدعائية التقليدية، وفتح قنوات تأثير أكثر تعقيداً يصعب رصدها، مع تقليص الحاجة إلى الوجود التنظيمي المباشر أو أشكال التواصل العلني المعروفة.

وبالتوازي مع ذلك، يثير انتشار أدوات قادرة على معالجة المعلومات التقنية مخاوف متزايدة بشأن احتمال توظيفها في إنتاج معرفة مرتبطة بالأسلحة أو دعم تطوير وسائل قتالية، وفي ظل تأخر الأطر التنظيمية عن مواكبة هذا التطور المتسارع، برز الذكاء الاصطناعي كعامل يزيد من تعقيد التهديدات المرتبطة بالإرهاب.

تجنيد وأشياء أخرى

يرى مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي رامي المليجي أن الجماعات المتطرفة تعتمد على التقنيات الحديثة، مستفيدة من الفجوة الزمنية الفاصلة بين إطلاق أي تقنية جديدة والقدرة على تنظيمها وسد ثغراتها. وخلال هذه الفترة، تنشط تلك الجماعات في استغلال المنصات التي لم تؤمن بعد بالشكل الكافي، مما يتيح توظيفها في أنشطة إرهابية، باستخدامات تتجاوز التواصل والتجنيد إلى مجالات أوسع وأكثر تعقيداً.

ويوضح المليجي أن ثغرات الذكاء الاصطناعي تفتح أمام هذه الجماعات مسارات عدة، من بينها الوصول إلى معلومات تتعلق بأسلحة خطرة، أو تنفيذ هجمات إلكترونية، أو رصد ثغرات في مواقع حساسة، أو الإسهام في إعداد خطط لعمليات إرهابية، معتبراً أن التهديد الأبرز يرتبط بأدوات الذكاء الاصطناعي التي تغذى ببيانات مخصصة، على خلاف الأدوات المتاحة للعامة، مما يضاعف من مستوى الخطورة، ومعتقداً أن مواجهة هذا التحدي تستلزم فرض قيود أكثر صرامة من قبل شركات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب رقابة مستمرة وبرامج تدريب متخصصة.

 

بينما لا تحول القيود المفروضة على أدوات الذكاء الاصطناعي دون إساءة استخدامها بشكل كامل، بحسب المليجي، إذ تلجأ بعض الجماعات المتطرفة إلى أساليب تحايل، من بينها تمرير الطلبات تحت غطاء أبحاث علمية أو عبر مسارات غير مباشرة، بما يتيح الوصول إلى معلومات يُفترض أن تكون محجوبة.

كذلك يميز بين نوعين من أدوات الذكاء الاصطناعي القابلة للاستغلال في أنشطة محظورة، الأول يشمل التطبيقات المتاحة للعامة، ويظل خطره محدوداً لاعتماده على بيانات عامة غير متخصصة، أما النوع الثاني فيتعلق بأدوات يمكن تزويدها بكتب ومراجع وبيانات متخصصة لاستخلاص معلومات دقيقة، وهو ما يضاعف مستوى الخطورة، إذ يسمح تدريبها على بيانات حساسة بالإجابة عن استفسارات معقدة وتسهيل الوصول إلى معلومات خطرة بمجرد إتاحة البيانات بأي وسيلة.

بين التطويع والتدريب

بحسب تقرير لوكالة "أسوشييتد برس" نُشر منتصف الشهر الماضي، حذر متخصصون أمنيون واستخباراتيون من تزايد استغلال الجماعات المسلحة والمتطرفة لتقنيات الذكاء الاصطناعي في أنشطة تشكل تهديداً أمنياً، تشمل نشر المعلومات المضللة، وتجنيد الأفراد، وتنفيذ هجمات إلكترونية، إلى جانب القلق من احتمال توظيف هذه التقنيات مستقبلاً في دعم محاولات تطوير أسلحة بيولوجية وكيماوية.

بحسب التقرير فإن سهولة استخدام الذكاء الاصطناعي وانخفاض كلفته جعلاه أداة متاحة حتى للجماعات الصغيرة المحدودة الموارد، مما يتيح لها إحداث تأثير واسع يفوق إمكاناتها التقليدية، وأشار إلى أن هذه الجماعات بدأت بالفعل تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج محتوى مزيف واقعي، واستغلال خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي لتوسيع نطاق الدعاية والتجنيد، في تطور وصفه مختصون بأنه مقلق وقابل للتفاقم مع الانتشار المتسارع للتقنيات الرخيصة والفعالة.

 

في المقابل، يذهب الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب إلى طرح أوسع، مستنداً إلى تحليل سلوك هذه الجماعات، ليؤكد أن التنظيمات المتطرفة تشهد توسعاً ملحوظاً في توظيف الذكاء الاصطناعي. لافتاً إلى أنه على رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الـ22 من مارس (آذار) 2019 سقوط تنظيم "داعش"، فإن التنظيم واصل تنفيذ عمليات نوعية بعد أعوام من ذلك الإعلان، مستفيداً من التطور التكنولوجي. ويستدل على ذلك بعملية تدمر في سوريا التي أسفرت عن مقتل ثلاثة أميركيين، إلى جانب عملية نفذتها الولايات المتحدة أخيراً ضد التنظيم في نيجيريا، في دلالة على استمرار حضوره ونشاطه.

ويربط أديب بين عودة التنظيمات المتطرفة إلى الواجهة، على رغم تصاعد أدوات المواجهة الأمنية، واستخدامها المتزايد الذكاء الاصطناعي في عمليات التجنيد وتطويع التكنولوجيا لخدمة أهدافها، سواء في استقطاب عناصر جديدة أو في تسهيل التواصل بين الأفراد، لتنفيذ عمليات إرهابية أو تبادل الخبرات بين الأعضاء والقيادات.

ويعتقد أن التنظيمات المنتشرة في أفريقيا والشرق الأوسط تحافظ على قنوات تواصل في ما بينها لتبادل الخبرات المرتبطة بتصنيع الطائرات المسيرة وأنواع مختلفة من الأسلحة، بما فيها البيولوجية. لافتاً إلى أن الذكاء الاصطناعي يمدها بمعلومات تسهم في عمليات الإنتاج، إذ قد تكفي معلومة واحدة لتنفيذ عمل إرهابي.

أخطار محتملة

هذه التنظيمات تطور أدواتها باستمرار، في وقت لا تتوافر فيه صورة دقيقة عن حجم المعلومات المطلوبة لإنتاج أسلحة بيولوجية، بينما يقف العالم أمام طفرة تكنولوجية متسارعة من دون تطوير آليات موازية تحول دون إساءة استخدامها، وفق أديب، الذي يتساءل عن مدى جاهزية الدول المنتجة لهذه التكنولوجيا لاستيعاب أخطار توظيفها من قبل التنظيمات المتطرفة، ووضع أطر تمكن أجهزة الأمن والاستخبارات من الحد من هذه الاستخدامات.

 

ويشير المتخصص في تكنولوجيا المعلومات وتقنيات الذكاء الاصطناعي محمد الحارثي إلى أن التطور السريع في أدوات الذكاء الاصطناعي عزز قدرتها على تحليل سلوك المستخدمين، وهو ما تستغله الجماعات المتطرفة لرصد الاهتمامات وأنماط التفاعل والتعامل مع الأفراد عبر محتوى موجه بدقة لأغراض التجنيد.

ويضيف أن هذه الجماعات تعتمد على حسابات افتراضية لبناء قواعد بيانات تفصيلية عن سلوك المستخدمين، مما يتيح للذكاء الاصطناعي وضع سيناريوهات لإدارة السلوك العام وتوقيته، ويلفت إلى أن هذه الأدوات تسهل الوصول إلى معلومات تُستخدم في تصنيع الأسلحة من دون الحاجة إلى متخصصين، إذ يعمل الذكاء الاصطناعي مساعداً تقنياً يقدم إرشادات وأفكاراً وبيانات تسهم في بناء أو تطوير أسلحة، ويؤكد أن هذه القدرات تمنح الجماعات المتطرفة تفوقاً واضحاً في فهم الأفراد والتأثير في سلوكهم واستقطابهم، بفاعلية تتجاوز الأساليب التقليدية.

أسلحة متطورة

وفي السياق نفسه يقول الباحث في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي أحمد سلطان إن النماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي تمتلك قدرات أكثر تطوراً يمكن أن تستفيد منها الجماعات الإرهابية، ويشير إلى رصد توظيف هذه النماذج في أنشطة متعددة تخدم أهداف تلك الجماعات، لا سيما في المجال الدعائي عبر إنتاج المقاطع المصورة والتصميمات والمحتوى النصي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف سلطان أن استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التجنيد يظل احتمالاً قائماً في ظل التطور الذي حققته التنظيمات المتطرفة في هذا الجانب، ويستحضر مشروعات سابقة لتطوير أسلحة مزودة بالذكاء الاصطناعي مثل الطائرات المسيرة، موضحاً أنه على رغم تعطل هذه المشروعات بعد ضرب البنية العسكرية لتنظيم "داعش"، فإن الخطر لم ينته. ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن تطويعه لأغراض عدة ذات طابع إرهابي سواء في إنتاج الأسلحة أو في مجالات المعرفة الأمنية والاستخباراتية، وهو ما يشكل تهديدات مباشرة.

ويحذر سلطان من أن هذه التطورات تفرض ضغوطاً متزايدة على الجهات المعنية بمراقبة الإرهاب ورصده ومواجهته، لافتاً إلى أن التنظيمات المتطرفة على رغم اعتمادها سابقاً على موارد محدودة في مجال الذكاء الاصطناعي، فإنها تمتلك آفاقاً لتوسيع هذا الاستخدام، كذلك يؤكد أن وتيرة الثورة التقنية الحالية تنذر بتصاعد حجم التهديد خلال الفترة المقبلة، مما يفرض على الوكالات الأمنية والاستخباراتية تطوير أدواتها ومناهجها الاستباقية لمواجهة هذه الجماعات والتصدي لعملياتها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير