ملخص
دماء "داعش" وأوكسجينها لم ينضبا. وإذا كان تمويل التنظيم يبقى محل شد وجذب، وخلاف واتفاق، وفي الأغلب تمويه أو تجهيل من أو ماذا مول "داعش" لتتمكن من الانطلاق واحتراف أدواتها القتالية والتقنية والمعيشية والتوسعية، وذلك إضافة للمصادر الثانوية مثل الاستيلاء على النفط وبيعه، وعمليات الخطف وطلب الفدية، والعملات الرقمية والمشفرة، والتبرعات "الخيرية" من الداعمين والمؤيدين وغيرها، فإن وجهاً آخر من وجوه التمويل الذي يضمن الاستمرار هو الأفكار.
تظل الدهشة الصفة اللصيقة بتنظيم "داعش" منذ باغت العالم بظهوره العلني الزاعق، مروراً بتوسعاته المذهلة وانتصاراته الفكرية والمادية الصادمة، وحتى الإعلان عن القضاء عليه، وإن بقي قوس التنظيم مفتوحاً.
في أشهر وربما أسابيع معدودة نجح التنظيم في أن يكون ملء سمع القرن الـ21 وبصره. آلات التنظيم الإعلامية أبدعت في ضخ كم مذهل من المحتوى سواء التعريفي أو التهديدي أو الإخباري على منصات السوشيال ميديا، وهو المحتوى الذي عرف طريقه منها إلى كل وسائل الإعلام المسموع والمرئي والمقروء إرضاء لشهية مليارات المتلقين في أنحاء العالم، وذلك بحثاً عن أخبار "دولة الخلافة" كما أحب قادة التنظيم أن يلقب به.
رحلة التنظيم من الصعود المفاجئ، للتمدد السريع العابر للحدود، متعدد الجنسيات، ملياري التمويل، مدهش التسليح، متشابك العلاقات، إلى الكمون الحالي، ربما استعداداً لمعاودة الظهور بحسب الحاجة والتمويل والتوجيه، أو لتغيير الجلد ومعه الشعار والغاية، وربما تبديل السروال الداعشي والقميص الأفغاني ببدلة أنيقة وربطة عنق بهيجة، هي رحلة ميلودرامية من الطراز الأول.
مشاعر عارمة وأحداث مثيرة وحوادث ساخنة وصراعات أخلاقية ونهايات في الأغلب غير متوقعة مقارنة بالبدايات.
اللافت أن كماً مذهلاً من الكتب والبحوث والدراسات والندوات جرى إنجازها ولا تزال حول نشأة "داعش" ونموه وتفرعه وأيديولوجيته وصولاً إلى مرحلة الكمون. الغريب وربما المتوقع في ضوء التراشق الكوني باتهامات تخليق التنظيم ودعمه وتمويله وتسليحه وتمهيد الطريق أمام تمدده هو أن كثيراً من جهود التوثيق تأتي متضاربة، أو على الأقل غير متطابق. ويضاف إلى ذلك أن جزءاً من التوثيق ملون بألوان أيديولوجية أو سياسية تسلب التوثيق جزءاً من الموضوعية.
"الجماعة" دائماً وأبداً
التوثيق المؤكد لـ"داعش" وغيره من تنظيمات، نشأ في القرن الـ21 أو الـ20، يعيد الجميع إلى جماعة الإخوان المسلمين، أم الجماعات ومصدر التنظيمات والأم الروحية للغالبية المطلقة من جماعات وجمعيات وتيارات ومنظمات الإسلام السياسي، ما بدا أنه مسالم منه، وما أثبت أنه لا يؤمن إلا بالعنف وسيلة لتدشين ما يعده "الحكم الإسلامي".
جماعة الإخوان المسلمين، لمؤسسها حسن البنا، التي جرى تدشينها في مصر عام 1928، هي نبراس التنظيمات ودليل الجماعات، حتى لو انحرفت عنها قليلاً باجتهادات أكثر دموية، أو ابتكارات تجعلها تبدو وكأنها مواكبة للزمان والمكان. الجماعة هي الأكثر تأثيراً على أغلب إن لم يكن كل تيارات الإسلام السياسي. تقترب منها كثيراً، أو تبعد عنها قليلاً، لكن "الظفر لا يطلع من اللحم" كما يؤكد المثل الشائع.
نجاح إسلاميين تكفيريين من أعضاء "حركة الجهاد الإسلامي" أو "جماعة الجهاد" في اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في عام 1981، وتعرض جماعات وكيانات الإسلام السياسي في مصر إلى الملاحقات الأمنية، دفع بأعداد منهم للهرب إلى أفغانستان، التي كانت في ذلك الوقت "جنة المجاهدين" ضد الاتحاد السوفياتي السابق. تواتر "المقاتلين" من الإسلاميين من دول عدة باركته قوى غربية بطرق غير مباشرة، وذلك كوسيلة آمنة لها، لدحض خطر وقوة الاتحاد السوفياتي، والنظام الشيوعي في أفغانستان.
في هذه الأجواء، ظهر تنظيم "القاعدة" من معسكرات "المجاهدين" المقاتلين ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان في أواخر الثمانينيات، لينطلق في آفاق العالمية، ليكون أول تنظيم تكفيري مسلح عابر للحدود والجنسيات. وفي أعوام معدودة، أصبح أشبه بالشركات المتعددة الجنسيات، لها مراكز رئيسة وأفرع ومصدر إلهام لتأسيس مزيد منها، وهو ما يسيمه البعض نظرية الانشطار.
الكاتب الصحافي والباحث في الإسلام السياسي عمار علي حسن يعد في مقال عنوانه "التوالد والانشطار لدى جماعات الإسلام السياسي" (2023) موجات صعود وهبوط جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي سمة وصفة لصيقة بها، واصفاً ذلك بـ"ميل إلى الانشطار، ثم الاندماج أو التوافق الظاهري بغية تحقيق مصالح موقتة، وبعدها التفرق من جديد". ولم يشذ أي منها عن القاعدة، قاعدة الانشطار، بدءاً بانشقاق "شباب محمد" عن "الإخوان المسلمين" وحتى خروج "داعش" من رحم "القاعدة".
مع كل نشأة، ثم اندماج، يعقبه انشطار، تبقى الآثار. وآثار "داعش" هي الأعتى والأقوى في الربع الأول من القرن الـ21، وإن تضارب الخبراء في شأن انتماءاته وعلاقاته، واحتار الباحثون في حقيقة تمويله، واختلف المؤرخون حول مساراته وتحولاته.
ما اتفق عليه المؤرخون هو عودة جذور التنظيم إلى "جماعة التوحيد والجهاد" التي أسسها "الجهادي" الأردني أبو مصعب الزرقاوي في العراق عام 2004، الذي كان يلقب بـ"الشيخ الذباح"، وذلك عقب الاحتلال الأميركي في 2003.
في العام التالي، بايع الزرقاوي زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن، وتحول اسم التنظيم إلى "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين". وفي عام 2006، استهدفت غارة جوية أميركية منزله في محافظة ديالى في العراق. رحل الزرقاوي، لكن الأفكار لا ترحل مع رحيل الأفراد، سواء الزرقاوي أو أي من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بفكر التنظيم الأخطر والأكثر إثارة في القرن الـ 21.
في العام نفسه، أعلن التنظيم قيام "الدولة الإسلامية في العراق"، وهي التي أصبحت "الدولة الإسلامية في العراق والشام" في ما بعد. وفي عام 2010 تعاظم حجم التنظيم وتأثيره، وذلك في أعقاب نجاح القوات الأميركية والعراقية في قتل أمير "الدولة الإسلامية في العراق" أبو عمر البغدادي وآخرين. وقوع الاختيار على أبو بكر البغدادي ليكون خليفة لـ"أبو عمر".
البغدادي المولود في مدينة سامراء شمال بغداد كان ينتمي إلى أسرة سنية متوسطة الحال. انتقل إلى بغداد في عمر الـ 18 سنة، وحصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية، ثم الماجستير والدكتوراه في الدراسات القرآنية. ويعتقد أنه اقترب من الجماعات السلفية المتشددة المتبنية العنف في عام 2000.
وشأنه شأن مؤسسي جماعات العنف الديني، أسهم في تأسيس جماعة "جيش أهل السنة والجماعة" المسلحة في أعقاب الغزو الأميركي للعراق، لكن القوات الأميركية اعتقلته في الفالوجة في عام 2004، وبقي في معسكر "بوكا" الذي يتم تشبيهه بالجامعة التي تخرج فيها قادة "داعش" الذين أمضوا معاً أشهراً طويلة يتبادلون الأفكار المتشددة، ويتشاركون القيم والمبادئ المغرقة في العنف.
ويحكى أن البغدادي كان يؤم الصلاة، ويلقي خطبة الجمعة، ويعطي دروساً دينية طيلة الأشهر الـ10 التي كان محبوساً خلالها. كما أنه تمتع بقدرة فائقة على عمل علاقات مع مسجونين ينتمون إلى جماعات مختلفة، بمن فيهم مؤيدون لنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وظل على صلته بهم بعد ما جرى إطلاق سراحه في نهاية عام 2004، وذلك لأن أميركا عدته "مصدر تهديد منخفض".
وانتهى الحال بـ"مصدر التهديد المنخفض" إلى أن أصبح أحد "أغلى" الرؤوس المطلوبة في قائمة الإرهاب التي وضعتها أميركا. في عام 2011، أعلنته وزارة الخارجية الأميركية "إرهابياً عالمياً"، ورصدت 10 ملايين دولار أميركي لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه. وفي عام 2016 رفعت المكافأة إلى 25 مليون دولار.
وكان ذلك بعد عامين من إعلان التنظيم قيام "الخلافة الإسلامية"، وتنصيب أبو بكر البغدادي خليفة، ونجاحه في السيطرة على عديد من المدن في العراق وسوريا، أبرزها الموصل وتكريت والرمادي وتكريت وكوباني ونينوى ودير الزور ومناطق في ريف حمص وحماة والحسكة وغيرها.
ولاءات وتمددات
يشير الكاتب والباحث المتخصص في الحركات الأيديولوجية والإسلام السياسي هاني نسيرة في كتابه "من بو عزيزي إلى داعش: إخفاقات الوعي والربيع العربي" (2015) إلى ولاء البغدادي وبيعته لزعيم "القاعدة" أسامة بن لادن، الذي قتل في عملية عسكرية أميركية في عام 2011. وتمكن من استعادة نشاط "القاعدة" بقوة، وتمدد في سوريا. وبعد مقتل بن لادن، لم يسارع بموالاة خليفته أيمن الظواهري، وتم فك الارتباط بين التنظيمين في عام 2014، وذلك بعدما انتاب مقاتلي "داعش" وقياداته أن تنظيمهم هو الأولى بالقيادة. اتسعت الفجوة بينهما، وتعمقت الفرقة.
الطريف أن "القاعدة" دأبت بعد ذلك على انتقاد "داعش" بسبب "غلوها وشططها وتطرفها"، لكن واقع حال هذه الأعوام المفصلية يشير إلى "نجاح" "داعش" في إثبات سطوته في الدول التي "خربها"، والتي ساعدت أنظمتها "القمعية" على مدار عقود في تمهيد الطريق أمام "داعش" وإخوته وأبناء عمومه في الإجهاز عليها، أو على بعض مناطقها.
واقع الحال في العراق ثم سوريا، وهي الحال التي امتدت إلى مناطق أخرى، وإن بدرجات أقل نسبياً، يشير إلى أن التنظيم اكتسب قوة وشهرة، لدرجة توالي البيعات له من مجموعات جهادية وجماعات دينية تنتهج العنف وآخرين من دول من مشارق الأرض ومغاربها.
وهنا بزغت الشبكة العنكبوتية، وتحديداً الـ"سوشيال ميديا" لاعباً رئيساً في نشر الأفكار وتسهيل التجنيد ونشر الأخبار. نشر الأفكار هو الوجه الآخر لتجنيد العناصر، والعكس صحيح، وكلاهما "أحسن" ويمكن القول "برع" في استخدام التكنولوجيا الرقمية، وطوعها لمصلحته.
الباحثة في "المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية" هاجر أيمن رصدت قدرات التنظيم الفائقة في استخدام الشبكة العنكبوتية. تقول في ورقة عنوانها "ماذا تغير في الخطاب الإعلامي لداعش؟" (2023)، إن "داعش" من أكثر التنظيمات "الإرهابية" استغلالاً لوسائل الإعلام الحديثة، ورغم أنه ليس أول تنظيم "إرهابي" يلجأ إلى الإعلام، فإنه استخدمه ببراعة. مواقع إلكترونية، مجلات رقمية، منصات تواصل اجتماعي، تقنيات اتصال حديثة، وجميعها تم استخدامه لا للإعلام والتجنيد فقط، بل كجهاز استخباراتي لتحقيق أهدافه.
وتشير هاجر أيمن إلى أن هذه الاستراتيجية الإعلامية لم تكن وليدة الصدفة أو اللحظة، بل هي سياسة إعلامية مركبة، خطط لها جهاز إعلامي مؤسس على نظام فعال، يتبع استراتيجيات مدروسة بدقة، هدفها تثبيت فكرة "الخلافة الإسلامية"، ومقاليدها في يد التنظيم.
ويبدو أن أحد أسباب "نجاح" استراتيجية "داعش" الإعلامية هو افتراضيتها. لم يكن لها كيان حقيقي يسهل استهدافه، أو يستنزف أموال التنظيم رغم وفرتها. وتشير المعلومات إلى أن زعيم التنظيم (قبل اغتياله) أبو بكر البغدادي خصص نحو مليون دولار أميركي ميزانية لهذه الأداة الإعلامية الافتراضية. كانت على مدار أعوام بوق التنظيم المقروء والمسموع والمرئي، وكذلك التجنيدي. احترفت استخدام تقنيات الإعلام الجديد، وبنت له استراتيجية، وأتقنت أدواته، وأبدعت في تنوع مواده المصورة والصوتية والمكتوبة. وقد أدى ذلك إلى التعريف بأفكار التنظيم (على الأقل المعلنة)، ونشرها في شتى أرجاء الأرض، إضافة إلى جذب الشباب والمراهقين من دول عدة، وهم من شكّلوا المقاتلين متعددي الجنسيات، الذين كونوا أسراً داعشية، وأنجبوا آلاف الأطفال بلا هوية سوى الهوية الداعشية.
دعاية إرهاب محترفة
يشير الباحث في العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في القاهرة محمد العربي في دراسة عنوانها "دعاية الإرهاب: إعلام تنظيم داعش واستراتيجية عمله" التي نشرها "مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية" (2016) إلى الاستفادة القصوى التي حققها التنظيم من التطور الرقمي، وقدرة المنتج على الأثير في الوجدان البشري، وذلك على رغم من "الحمولة الفكرية المتطرفة للتنظيم النابعة من فقه التكفير والانغلاق الأيديولوجي".
امتلك "داعش" شبكة من المؤسسات والمراكز الإعلامية، إضافة إلى عديد من المؤسسات الداعمة للتنظيم، التي تطوعت أو تبرعت بدعمه بمواد إعلامية. هذه المؤسسات لم يكن لها مواقع على شبكة الإنترنت يسهل تتبعها وإغلاقها، بل اعتمدت على بث المواد عبر حسابات الأفراد على منصات الـ"سوشيال ميديا". وهنا، يبزغ دور مهم للإعلام المعاصر، حيث تلاشت الخيوط الفاصلة بين الإعلام الجماهيري القائم على نقل رسائل محددة لجمهور لا يملك حق التواصل وصناعة المحتوى أو تغييره، وإعلام تفاعلي يكون فيه المتلقي مرسلاً أيضاً.
مؤسسات مثل "الفرقان" و"الاعتصام" و"أجناد"، ومجلات مثل "دابق" يصفها العربي بـ"مانيفستو" شهري للتنظيم باللغة الإنجليزية، يحتوي على بياناته وأبرز عملياته مدعومة بصور عالية الجودة. كما كان يوزع ورقياً في سوريا والعراق)، و"دار الإسلام" بالفرنسية، وقناة "الخلافة"، وإذاعة "البيان" (واكتُشِف أنها كانت تبث من ليبيا)، ناهيك عن قنوات عدة على "يوتيوب" لكن كان التنظيم يستخدمها بصورة غير مباشرة عن طريق آخرين، وذلك تجنباً لحذف المحتوى.
وهنا يمكن طرح سؤال حول أسباب استمرار وجود وازدهار وانتشار وتوسع محتوى التنظيم على منصات أخرى مثل "إكس" (تويتر) حينئذ من دون تعقب أو حذف أو إلغاء، لا سيما أن عديداً من التدوينات والفيديوهات والتغريدات كان يتم حذفه لأسباب تتعلق بـ"خطاب كراهية" أو "يحض على عنف" أو "تنمر" أو غيرها، لمجرد إبلاغ مستخدمين آخرين عنه.
يبقى السؤال مفتوحاً ينتظر الإجابة، لكن إجابات أخرى متاحة حول أسباب قدرة التنظيم مثلاً على اجتذاب جنسيات من مشارق الأرض ومغاربها، لدرجة صناعة محتوى باللغة الإيغورية والروسية، وذلك عبر إتاحة محتوى بلغات للجميع أو جذب المراهقين والشباب عبر محتوى "منهم وإليهم"، على دراية باحتياجاتهم وأولوياتهم ولغتهم الخاصة بجيلهم، وكذلك مخاطبة المسلمين التواقين لقيمة يظنون أنها مفقودة أو مكانة يعتقدون أنها مهلهلة، وكذلك غير المسلمين عبر محتوى يتأرجح بين الترهيب والترويع من جهة، واستعراض العضلات والأفكار من جهة أخرى. بمعنى آخر، لكل فئة خطاب، ولكل قطاع محتوى.
وعلى رغم من أسماء المجلات والقنوات والإصدارات الغارقة في التاريخ، لا سيما العسكري والقتالي، حتى المؤسسات "الصديقة" والداعمة مثل "البتار" و"غرباء" وغيرهما، يشير الباحث محمد العربي إلى ما يسميه "التقنيات الهوليوودية" للتنظيم.
إخراج متقن، تصوير ممتد، اختيار حريص جداً للقطات وللزوايا، علاج المادة بالمؤثرات البصرية والخلفيات الصوتية تشكل جوانب من الاستخدام الهوليوودي الماهر لمحتوى "داعش" الإعلامي/ الاستقطابي، بحسب ما يشرح العربي. واتخذ التنظيم من الفيديوهات الشهيرة التي تظهر "جلاد التنظيم" "الجهادي جون" مثلاً، بينما جثمان الضحية مسجى أمامه، وهو يقدم خطاباً تحذيرياً موجهاً، تتخلله لقطات استرجاعية على خلفية معالجة، وألوان متعارضة مثالاً لتوليفة "إعلامية" متفردة. كما لجأ التنظيم لتصوير بعض أفلامه "التوثيقية" لطائرات من دون طيار. مثل هذه التقنيات المبهرة والمحتوى المفزع نجحا في خلق قاعدة جماهيرية عريضة كانت تنتظر الإصدارات الداعشية الجديدة، سواء المحتوى المشتمل على ذبح أو من دون.
"دابق" و"إنسباير"
ورأى الباحث فروقاً شتى بين مجلة "دابق" التي كان يصدرها التنظيم، ومجلة "إنسباير" التي كان يصدرها تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية، سواء على مستوى الإخراج الفني أو المحتوى أو الرؤية. بينما كانت "إنسباير" دليلاً للعمليات "الإرهابية" ضد الأهداف الغربية، قدمت "دابق" رؤية، في نظر الباحث، أكثر عمقاً وشمولية، وهدفت إلى تأسيس رؤية "دينية" عن أنشطة التنظيم ومعاركه وقضية الخلافة. ويكلل كل ذلك، باسم المجلة الدال "دابق"، وهي قرية قرب مدينة حلب السورية، وورد ذكرها في أحاديث نبوية مروية عن نهاية العالم، والحرب الكبرى بين المسلمين والروم، ووعد فيها المسلمون بالانتصار على الروم.
أحد الفروق الجوهرية التي يحددها الباحث بين "إنسباير" (القاعدة) و"دابق" (داعش)، وكلاهما كانت تصدر بالإنجليزية، هو أن "إنسباير" كانت تهدف إلى تعريف غير المتحدثين بالعربية بعمليات "القاعدة" في الغرب. أما "دابق" فكان تجنيد المتحدثين بغير العربية ضمن أهدافها، إضافة إلى استعراض القوة، والتأكيد على قدرة التنظيم على القتال والاستمرار وفرض قواعد "الدولة الإسلامية أو الطوفان"، وهو بالمناسبة كان عنوان أحد الأعداد.
في الوقت نفسه، يشبه الإخراج الفني لـ"دابق" وقدرتها في التأثير على الجمهور المستهدف مما يتطابق مع القدرات الإعلامية المحترفة لمجلة في مكانة "تايم" الأميركية. الجوانب الفنية محترفة وكاملة ومدروسة بعناية فائقة، اللغة إنجليزية سليمة، وطريقة الخطاب مناسبة تماماً للجمهور المستهدف.
عقيدة "داعش" الإعلامية قامت على أساس التنوع في مخاطبة الجمهور، كل بحسب ما يناسبه من خطاب ومنصة ومحتوى، وإن بقي الأخير لا يخرج عن إطار القتل باسم الدين، وسفك الدماء باسم الشريعة، وكراهية الآخر ورفضه باسم الله، واعتبار كل من اختلف معهم، من دون شرط العداء، إما مرتدين أو كفاراً، وكل ما سبق من أجل ترسيخ دعائم "الخلافة الإسلامية".
وأبدعت الآلة أو بالأحرى الآلات الإعلامية الداعشية في توسيع دائرة الفزع العالمي، وكذلك التعريف بأيديولوجيتها "الجهادية"، وأهدافها (على الأقل المعلنة). وحققت نجاحاً باهراً في جذب مراهقين وشباب وكبار من الجنسين من بقاع العالم المختلفة بحثاً عن فرصة "الجهاد" والقتال أو الزواج والإنجاب، أو بحثاً عن مغامرة، وجدها البعض غير محسوبة، ولكن بعد فوات الأوان.
قصص وحكايات لا يشيب لها الولدان، بل يصدمون ويفجعون لمجرد سماعها. واحدة من آلاف القصص لثلاث فتيات بريطانيات هن "قديرة" و"أميرة" و"شميمة"، والأخيرة أشهرهن إعلامياً.
في عام 2015، غادرت الفتيات الثلاث لندن، وكن في الـ15 من عمرهن، إلى تركيا ومنها إلى سوريا، حيث لحقن بـ"الأخوات" من الأطفال والمراهقين والشباب والكبار من الجنسين من قاعدة "داعش" متعددة الجنسيات متراوحة الأعمار.
وهناك أصبحن عرائس داعشيات كغيرهن من آلاف الإناث اللاتي شددن الرحال إلى دولة الخلافة، وتزوجن "مقاتلين"، وكون أسراً داعشية من ألفها إلى يائها.
شميمة، التي هاجر أبواها من بنغلاديش إلى بريطانيا، كانت طالبة في المرحلة الثانوية حين بدأت تبحث عن "داعش" وأخبار التنظيم وما يهدف إليه عبر شبكة الإنترنت. تطور البحث إلى تواصل، وتم إمدادها بتعليمات واضحة ومفصلة حول كيفية الانضمام للتنظيم في سوريا. قالت بنفسها في ما بعد، إن أشخاصاً من التنظيم كانوا يعطونهن تعليمات وإرشادات حول ما يجب عليهن عمله أو تجنبه. وقبل السفر، تم تزويدها بقائمة كبيرة من التعليمات، بينها قصة يجب عليها سردها إن اكتشف أحدهم أمرها. والتقت وطالبتان في مثل عمرها، هما أميرة وخديجة، للسفر إلى تركيا ومنها إلى الرقة.
تفاصيل كثيرة عرفت بعضها متضارب، وأعلِن بعضها في ما بعد، مثل استقبال "عميل للاستخبارات الكندية"، وفي قول آخر "كان عميلاً للاستخبارات الكندية"، الفتيات الثلاث في محطة حافلات في إسطنبول، وتسهيل سفرهن إلى مناطق سيطرة التنظيم في شمال سوريا، وتحفظ كل من بريطانيا وكندا في الرد على ذلك، باستثناء تصريحات لأشخاص "رفضوا ذكر أسمائهم" بأن "العميل" كان يمد الاستخبارات الكندية بمعلومات عن التنظيم الجهادي أثناء تهريب المجندين والمجندات إلى داخل معقل التنظيم في سوريا.
كما دار موضوع كتاب عنوانه "التاريخ السري للعيون الخمس: القصة التي لم تحكَ عن شبكة الجاسوسية الدولية " لريتشارد كيرباج، تطرق فيه إلى أن المراهقة شيمة تم تهريبها من خلال "جاسوس" كندي، وأن الأجهزة الأمنية الكندية علمت بما جرى وتسترت عليه. وذكر أيضاً أن الاستخبارات الكندية لم تعلم بشأن تجنيد شميمة إلا بعد أربعة أيام من مغادرتها بريطانيا، وكانت عبرت بالفعل الحدود إلى سوريا.
رئيس الوزراء الكندي في ذلك الوقت جاستن ترودو قال معلقاً على هذه "الأقاويل"، إن هناك حاجة لأن تكون الأجهزة الاستخباراتية "مرنة ومبدعة"، مع الالتزام في الوقت نفسه بقواعد صارمة. وقال إن كندا ستعمل على متابعة ما يدور من أسئلة حول "حوادث وعمليات معينة في الماضي"!
يشار إلى أن "العيون الخمسة" هو تحالف استخباراتي لتبادل المعلومات بين بريطانيا وكندا وأميركا وأستراليا ونيوزيلندا.
في تلك الأثناء، استقرت شميمة في الرقة، وتزوجت "أخاً" هولندياً، وأنجبا ثلاثة أطفال، ماتوا جميعاً في سن صغيرة جداً.
اليوم، تبلغ بيغوم من العمر 25 سنة، ويعتقد أنها لا تزال في مخيم "الروج"، توقف تعليمها عند المرحلة الثانوية، من دون جنسية بعدما جردتها منها بريطانيا، ورفضت المحكمة العليا في بريطانيا استئناف قرار سحب الجنسية منها. كما لم تعد تحمل الجنسية البنغالية.
شميمة بيغوم قصة من بين آلاف القصص بين صفوف "داعش". آخر ما ورد من أخبار عن "مخيم الروج" حيث يعتقد أنها تقيم، هو أنه يحوي نحو 2600 شخص، بينهم نحو 900 امرأة أجنبية من 50 جنسية غربية وعربية، و65 في المئة من المقيمين في المخيم أطفال دون سن الـ14. وبين النساء المقيمات في المخيم أمهات لنحو 800 طفل من الذكور يعيشون معزولين عنهن في مراكز تدريب كانت تشرف عليها "قسد" (قوات سوريا الديمقراطية)، وكانت حملات عدة من قبل "قسد" قد جرى شنها على المخيم وغيره بعد معلومات عن محاولات لتدريب الأطفال والمراهقين لتجهيزهم للقتال، وتدريب المحتجزين والمحتجزات، وضخ دماء جديدة في التنظيم.
دماء جديدة، وأخرى أريقت، وثالثة قديمة، تطرح تساؤلات حول قدرة التنظيم الأشهر في الربع الأول من القرن الـ21 على جذب هذه الأعداد ذات الجنسيات والأعراق والثقافات المختلفة من شتى الأعمار، لا سيما المراهقين والشباب من ربوع الأرض.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أستاذة الإعلام المنتسبة في جامعة واشنطن سارة شعبان رصدت جوانب مهمة لأثر السوشيال ميديا في تجنيد المقاتلين والمتطوعين من الجنسين، لا سيما الإناث في دراسة منشورة بالإنجليزية في "المجلة الدولية للاتصالات" (2020).
تشير في الدراسة وعنوانها "المراهقون والإرهاب والهلع التكنولوجي: كيف صوّرت الصحف البريطانية المجندات في داعش كضحايا لوسائل التواصل الاجتماعي؟" أن تنظيم "داعش" أطلق في يونيو (حزيران) عام 2014 حملة تجنيد عالمية عبر وسائل السوشيال ميديا، تستهدف الرجال والنساء والمراهقين، وأن أعداداً غير مسبوقة من الشباب والشابات من الدول الغربية مثل أميركا وبريطانيا وأستراليا استجابت لهذه الحملات الرقمية. حاول هؤلاء السفر إلى سوريا والانضمام إلى مقاتلي "داعش"، ونجح كثيرون في ذلك.
وتقول إن الحضور الإعلامي المتطور والمتميز للتنظيم لفت الانتباه، لا سيما على "تويتر" (إكس حالياً). في عام 2014، تم رصد بين 46 و90 ألف حساب نشط لأفراد أو جهات متصلة بالتنظيم على "تويتر". جزء كبير من هذه الحملة استهدف المراهقين والشباب من الجنسين في الدول الغربية، باعتبارهم جهاديي المستقبل. وبرع التنظيم في استخدام الأدوات الرقمية، سواء المنصات أو الهاشتاغات الرائجة، ومقارنة التجربة الجهادية بلعبة فيديو اسمها "نداء الواجب"، إضافة إلى الدق على وتر العدالة الاجتماعية الرائج من خلال رسائله الدعائية. هذه الاستراتيجيات الدعائية خاطبت بكفاءة الحاجة لدى هؤلاء المراهقين والشباب إلى التعلق بهوية. كما روجت لـ "اليوتوبيا الإسلامية".
وتشرح شعبان كيف أن الأفكار السلفية التي روجها تنظيم "داعش" عن النساء لم تكتف فقط بالأدوار المساعدة والداعمة للجهاد، ولكن اشتملت كذلك على الأدوار القيادية التي يمكن للنساء أن تلعبها. مثلاً منصة "مهاجرات" إذ كانت تحتوي على مدونات وتغريدات ومقاطع فيديو تتضمن سرديات رومانسية عن "يوتوبيا إسلامية". وتضيف أن الرسائل الموجهة لـ"مجاهدات" قدمت لهن رسائل عامرة بوعود المعنى والهدف والقيمة والهوية، إضافة إلى إمكانية ما سمته "الهروب من تحرر الغرب".
"داعش" ومهارات التواصل
وتشير سارة شعبان إلى أن نجاح التنظيم في التجنيد عبر السوشيال ميديا لم يتضمن فقط كفاءة الرسائل ومعرفتها برغبات وعوامل جذب الجمهور المستهدف، لكن قدرتها على التواصل الآني والمباشر مع الجمهور المستهدف، والاستجابة الفورية، وإتاحة فرص التواصل بين الأشخاص والتواصل العابر للحدود والجنسيات والهويات، وجميعها كان يعد من أبرز وأهم فوائد الإنترنت، لكن اتضح في ما بعد أن "فوائد الإنترنت" تحمل كذلك فوائد تتيح للتنظيمات والشبكات "الإرهابية" التوسع والتمدد والتجنيد وإدارة العمليات عن بعد.
في السياق العنكبوتي ذاته، يضيف محمد العربي في ورقته عن "دعاية الإرهاب" إلى "فائدة" أو استغلال آخر تفننت فيه أدوات وأذرع التنظيم الإعلامية، ألا وهو الحرب النفسية التي شنها على المشككين والمعارضين والمتحالفين من أجل مواجهته والقضاء عليه.
يقول العربي إن إعلام التنظيم عبر السوشيال ميديا هدف إلى نشر الفزع والترويع، وهو الأثر الذي تضاعف في ضوء طبيعة وقدرة المنصات المستخدمة على إعادة التدوير بسرعة كبيرة، وقلة ضوابط الاستخدام، ومركزية التحكم، على نحو يجعلها أسهل استخداماً، وأكثر ولوجاً للمستخدم العادي.
كما اتبع التنظيم تكتيكاً رقمياً آخر ساعده كثيراً، وهو التعامل باحترافية في عمليات اختراق البريد الإلكتروني والحسابات الشخصية للأفراد، وتتبعها، وذلك لدراسة توجهات الأشخاص الأكثر ميلاً إلى التطرف تمهيداً لتجنيدهم.
ويبدو وكأن التنظيم استخدم خبرات ومعارف وأدوات تسويقية لا تتوافر عادة إلا لأعتى الأحزاب السياسية، وربما الدول الكبرى. تمكنت "داعش"، ومن دعمها، من أدوات التسويق السياسي والأيديولوجي، وقبلهما التسويق الترويعي، ولكن بمحتوى يضمن أعلى درجات الفزع للمتابعين بغرض التخويف، وأعلى درجات الجذب للفئات المستهدفة بغرض التجنيد.
يشير محمد العربي في دراسته إلى "تفصيل الرسائل بحسب تنوعات الجمهور"، وذلك عبر عمليات تسويق منظمة. فمثلاً، الرسائل الموجهة إلى الذكور ركزت على بث صور الفرسان والسيوف المستعارة من أفلام هوليوود عن عصر الإسلام الأول بشكل يضمن بث الحماسة، وبشكل يخاطب رغبتهم في القتال والإثارة. أما الرسائل الموجهة للنساء والفتيات، فمالت إلى شكل أكثر نعومة، ومنها مثلاً الصور التي تحوي هاشتاغ "#cats_ISIL"، وكذلك استخدام موقع "تامبلر" بصورة أكبر، حيث الإناث أكثر تصفحاً له من الذكور. وكان للنساء والفتيات الباحثات عن القوة والسيطرة أيضاً نصيب في عمليات التسويق، عبر صور ومقاطع النساء المقاتلات في "لواء الخنساء". وفيها يظهرن وهن يتدربن على القتال، والدفاع العنيف عن النفس، "وذلك خلاف صورة المرأة العربي المضطهدة في الدول العربية، أو المستغلة جنسياً في الدول الغربية".
وتجدر الإشارة إلى أن الساحة الرقمية إحدى أبرز ساحات التواصل والتعبير والتسويق والتغيير في الربع الأول من القرن الـ21 تحولت بفعل "داعش" إلى ساحة جامعة للمتناقضات تحت مظلة "داعش"، جانب منها برعايتها، وجوانب أخرى برعاية آخرين.
فبين مواقع وصفحات وحسابات صنعتها "داعش"، وأخرى صنعها مؤيدون للتنظيم حباً أو ولاء، أو بإيعاز منه، وثالثة ادعى أصحابها أنهم داعمون، وهم مراقبون أو راصدون أو معادون لها، وبينهم أفراد وكيانات ودول وأجهزة استخبارات، وهذه الأخيرة يبدو أنها شكلت جانباً من الصراع الافتراضي على الواقع الرقمي، بحثاً عن معلومات أو بثاً لما تود بثه من محتوى، وجدت الملايين نفسها في ربع القرن الفائت نفسها غارقة في إما مشاركة أو متابعة للصراع الافتراضي.
ووصلت احترافية أذرع وأدوات وإمكانات "داعش" لدرجة إطلاق التنظيم تطبيقاً على أجهزة "أندرويد" حمل اسم "فجر البشائر"، بغرض توسيع قاعدة المتابعين والمتأثرين والمعجبين والخائفين من أنشطتها وأفكارها وعملياتها.
نجح التنظيم، بفضل الإنترنت ومنصات السوشيال ميديا، في الإيحاء بأنه يمتلك قوة بشرية ومادية أكثر مما يملك فعلياً، بمساعدة كتابات وصور وفيديوهات مروعة، تضمن آثاراً نفسية رهيبة. وهنا يمكن القول إن واحداً من أعظم ابتكارات واختراعات القرنين الـ20 والـ21)، ألا وهو الإنترنت، وواحداً من أعظم ابتكارات واختراعات القرن الـ21، ألا وهو الذكاء الاصطناعي والواقع المعزز، أمدا التنظيم الأخطر في القرن الـ21 بدماء البقاء وأكسجين الانتشار.
دماء "داعش" وأوكسجينها لم ينضبا. وإذا كان تمويل التنظيم يبقى محل شد وجذب، وخلاف واتفاق، وفي الأغلب تمويه أو تجهيل من أو ماذا مول "داعش" لتتمكم من الانطلاق واحتراف أدواتها القتالية والتقنية والمعيشية والتوسعية، وذلك إضافة للمصادر الثانوية مثل الاستيلاء على النفط وبيعه، وعمليات الخطف وطلب الفدية، والعملات الرقمية والمشفرة، والتبرعات "الخيرية" من الداعمين والمؤيدين وغيرها، فإن وجهاً آخر من وجوه التمويل الذي يضمن الاستمرار هو الأفكار.
هل هُزِم حقاً؟
وعلى رغم من "هزيمة داعش"، ونجاح التحالف الدولي ضد التنظيم في انتزاع الأراضي التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، فإن ما يمكن الحديث عنه واقعياً هو تراجع قدرات التنظيم على التخطيط للاعتداءات، وجذب المقاتلين الأجانب، والحصول على تمويل.
ومن أجل مزيد من الواقعية، يمكن الحديث عن تراجع قدرات التنظيم لحين استعادة القدرات أو عودة الرغبة في إعادته إلى الحياة، وتراجع قدرته على جذب المقاتلين الأجانب، لكن تراجع القدرة لا يعني انعدامها، كما أن القدرة على جذب مقاتلين "غير أجانب" لا تزال قائمة، والحصول على تمويل ربما توقف أو قارب على النضوب حالياً، لكن المستقبل يحمل كل الاحتمالات.
احتمالات ما تسفر عنه "حمولة" المخيمات التي تؤوي أسر الدواعش لم تحسم بعد. هالة أو حالة من الغموض أو الانشغال أو التشاغل تميز التعامل الدولي مع مخيمات "داعش" هذه الآونة، لا سيما الأطراف التي يفترض أن هذه المخيمات بحمولتها من العائلات الداعشية مسؤوليتها.
ويعتقد البعض أن خلفية الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع الأيديولوجية والقتالية قد تيسران حلحلة الأوضاع الخطرة والمتجمدة في مخيمات مقاتلي وعائلات التنظيم في سوريا.
يشار إلى أن قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر دعا قبل أيام الدول إلى إعادة مواطنيها المقيمين في المخيمات وأماكن الاحتجاز المخصصة لعناصر "داعش" في شمال شرقي سوريا، لا سيما مخيمي الهول وروج.
وأعلن كوبر في المؤتمر رفيع المستوى حول "إعادة الأفراد من مخيم الهول والمخيمات والمراكز المحيطة"، الذي انعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، عن خطط لإنشاء آلية تنسيق مشتركة جديدة في هذا الشأن، وهو ما تم تفسيره بانضمام "النظام الجديد" أو "الحكومة الانتقالية" في سوريا لهذه الآلية. وأشار أن مخيمي "الهول" و"روج" كانا يضمان في عام 2019 نحو 70 ألف شخص، وأن العدد انخفض حالياً إلى أقل من 30 ألفاً.
ومن احتمالات مفتوحة في المخيمات إلى أخرى مؤكدة في دول ومناطق غير سوريا والعراق. وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب فلاديمير فورونكوف حذر في فبراير (شباط) الماضي من استمرار التهديد الذي يمثله "داعش – خراسان" لأفغانستان والمنطقة وبقية العالم، مشيراً إلى دعوة أممية متكررة بتوحيد الصفوف لمنع أفغانستان من أن تصبح "مرتعاً للأنشطة الإرهابية مرة أخرى".
تنظيم "داعش" أيضاً حي يرزق في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ويتواصل مع الجماعات التابعة له، وقاعدة سيطرته الإقليمية تتوسع. من بوركينا فاسو إلى مالي والنيجر، وكذلك الصومال الذي نجح التنظيم هناك في تجنيد أجانب للانضمام إليه، وتوسع عمليات التنظيم كذلك في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والقوس مفتوح.
هزيمة "داعش" في موطنه الأصلي، سوريا والعراق، لا تعني موته. وحتى في حال موت التنظيم، من حيث استهداف القيادات، وإغلاق صنابير التمويل، فإن الأفكار لا تموت. قد تظهر غداً تحت مسمى آخر، لكنها تظل أفكاراً لا تضاهيها أو تقهرها سوى أفكار مثلها. خرج "داعش" من ضلع "القاعدة"، وقد تخرج عشرات التنظيمات والحركات من ضلع "داعش".
وحين تكون البيئة في بداية الربع الثاني من القرن الـ21 مهيأة لإعادة ضخ "داعش" أو أي من أبناء عمومته من جديد، فإن المسألة تكون في حاجة إلى فعل المزيد. البيئة بالفعل مهيأة. توليفة متفردة من العوامل متوافرة: حرب غزة وتديين القضية الفلسطينية يثيران نيراناً تحت بركان "داعش"، فرض منطق القوة على حساب العدل، ورفع راية الجبروت رغم أنف دساتير ومواثيق حقوق الإنسان، وانهيار الثقة في منظومة القوانين الدولية والمنظمات الأممية في ضوء حرب القطاع والتأكد من عدم قدرتها (أو رغبتها) على تطبيق بديهيات القانون والعدل، ناهيك بشيوع كثير من أوجه انعدام العدالة الاجتماعية والأوجاع المعيشية والمصاعب الاقتصادية في عدد من الدول العربية القادرة بحكم ديموغرافيتها على تصدير أجيال جديدة من "المقاتلين" الحالمين، وسيطرة الماضي السحيق وروعة المسلمين الأوائل على عقول وقلوب فئة غير قليلة من المسلمين وقدرة أي تنظيم منشطر عن "داعش" أو "داعش" نفسه على استغلال الحلم بدغدغة المشاعر، واستمرار بعض الأنظمة في رفع راية "داوها بالتي كانت هي الداء" حيث استخدام سلاح الدين لسلب جماعات الإسلام السياسي من جمهورها، جميعها يمثل حزمة واحدة ضمن حزم عدة تبقي على باب "داعش" وأبناء عمومته مفتوحاً.