Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تحاصر أميركا نفط إيران بعد فنزويلا؟

واشنطن تسعى إلى السيطرة على أكثر من ثلث الاحتياط العالمي لمواجهة "أوبك"

واشنطن تضغط على دولتين تمتلكان معاً أكثر من 500 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة (اندبندنت عربية)

ملخص

على رغم أن أميركا تعد المنتج الأكبر عالمياً بفضل النفط الصخري، فإن هشاشة احتياطاتها طويلة الأجل تجعل السيطرة السياسية على نفط الخصوم أكثر أهمية من زيادة الإنتاج المحلي.

لم يعد الصراع على الطاقة يدار عبر الأسعار وحدها، بل عبر السيطرة على المستقبل نفسه، فبين العقوبات، وإعادة توجيه الإمدادات، وتطويق الخصوم، يتقدم النفط مجدداً إلى واجهة الجغرافيا السياسية.

السؤال لم يعد: من يبيع أكثر؟ بل: من يملك قرار الاحتياط طويل الأجل، ومن يعيد رسم خريطة القوة في سوق الطاقة العالمي؟

لم تعد تحذيرات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران، ولا الضغوط المتصاعدة على فنزويلا بعد اعتقال رئيسها السبت الماضي مجرد رسائل سياسية منفصلة، بل جزءاً من استراتيجية أميركية واضحة لاستخدام النفط كسلاح جيوسياسي مباشر.

فواشنطن تضغط على دولتين تمتلكان معاً أكثر من 500 مليار برميل من الاحتياطات المؤكدة، أي ما يقارب 30 في المئة من احتياط النفط العالمي، في وقت لا تمتلك فيه الولايات المتحدة نفسها سوى نحو 74 مليار برميل، أي أقل من أربعة في المئة من الاحتياط العالمي.

وعلى رغم أن أميركا تعد المنتج الأكبر عالمياً بفضل النفط الصخري، فإن هشاشة احتياطاتها طويلة الأجل تجعل السيطرة السياسية على نفط الخصوم أكثر أهمية من زيادة الإنتاج المحلي.

وفي هذا السياق، لا يقرأ ما حدث في فنزويلا التي تمتلك وحدها نحو 303 مليارات برميل بمعزل عن التهديدات المتكررة لإيران، صاحبة ثالث أكبر احتياط عالمي بنحو 209 مليارات برميل، إذ تسعى واشنطن إلى تحييد هاتين الكتلتين النفطيتين من معادلة الاستقلال داخل "أوبك"، وإعادة توجيه تدفقات الخام بعيداً من الصين، أكبر المستفيدين من نفط الدول الخاضعة للعقوبات.

وقد انعكس هذا التصعيد مباشرة على الأسواق، مع إدخال علاوة مخاطرة جيوسياسية رفعت أسعار خام برنت وغرب تكساس في الجلسات الأخيرة، ليس بسبب نقص فعلي في المعروض، بل نتيجة إعادة تسعير المستثمرين لاحتمالات تعطل الإمدادات. غير أن التأثير السعري يظل محدوداً على المدى القصير، في ظل وفرة المعروض وقدرة "أوبك" على التدخل، مما يعني أن المعركة الحقيقية لا تدور حول السعر اللحظي، بل حول من يملك مفاتيح الاحتياطات طويلة الأجل، ومن يحدد اتجاه تجارة النفط في العقد المقبل.

من الجغرافيا السياسية إلى ميزان الأرقام

في أي تحليل جاد لانتقال النفوذ في سوق النفط، يصبح الفصل بين السياسة والاقتصاد ترفاً تحليلياً، فالقدرة على فرض العقوبات، أو إعادة توجيه الصادرات، أو تعطيل الاستثمار، لا تقاس بالخطاب السياسي، بل بما تتركه من أثر مباشر في هيكل الاحتياطات وتوقعات السوق طويلة الأمد.

الولايات المتحدة، على رغم كونها من أكبر المنتجين عالمياً، تمتلك احتياطات مؤكدة تقدر بنحو 74 مليار برميل، أي ما يقارب أربعة في المئة فقط من إجمال الاحتياط العالمي البالغ نحو 1.7 تريليون برميل، هذا التفاوت البنيوي بين الإنتاج والاحتياط يفسر سبب تركيز واشنطن تاريخياً على النفوذ الخارجي بدل الاكتفاء بالقوة الإنتاجية المحلية.

فنزويلا وإيران: قلب المعادلة النفطية

على الضفة الأخرى من السوق، تقف دول تمتلك ثقل الاحتياط لا سرعة الإنتاج، وتتصدر فنزويلا المشهد بأكبر احتياط نفطي مؤكد عالمياً عند نحو 303 مليارات برميل، تليها السعودية بنحو 267 مليار برميل، ثم إيران بنحو 209 مليارات برميل. ويضاف إلى ذلك احتياط ضخم لدى كندا (163 ملياراً)، والعراق (145 ملياراً)، والإمارات (113 ملياراً)، والكويت (102 مليار)، وروسيا (80 ملياراً).

في سيناريو افتراضي تنتقل فيه فنزويلا وإيران من خانة المنتجين المستقلين إلى دائرة النفوذ الأميركي المباشر أو غير المباشر، فإن حجم الاحتياطيات الواقعة تحت التأثير الأميركي سيرتفع نظرياً إلى نحو 586 مليار برميل، بذلك تقفز الحصة الأميركية من الاحتياط العالمي من أربعة في المئة إلى نحو 34 في المئة، أي تحول يقترب من ثمانية أضعاف الوضع القائم.

ماذا يعني ذلك لـ"أوبك"؟

تسيطر دول منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك" حالياً على أكثر من 60 في المئة من الاحتياطات العالمية، مما يمنحها نفوذاً يتجاوز التقلبات الدورية في الإنتاج والأسعار، غير أن خروج فنزويلا وإيران فعلياً من المعادلة المستقلة سيقلص هذه الحصة إلى نطاق يتراوح بين 45 و50 في المئة.

هذا التحول لا يعني انهيار "أوبك"، لكنه يحد من قدرتها على استخدام الاحتياط كسلاح استراتيجي طويل الأمد، ويدفعها إلى إعادة ضبط تحالفاتها، خصوصاً داخل إطار "أوبك+"، إذ تلعب روسيا دوراً محورياً في موازنة النفوذ الغربي.

النفط كسلاح سياسي لا كسلعة

السيطرة على الاحتياطات لا تعني زيادة فورية في المعروض، لكنها تغير طريقة تسعير السوق للأخطار، فالتوترات الأميركية مع فنزويلا أدخلت بالفعل ما يعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية" إلى الأسعار، إذ يعيد المستثمرون تسعير الاحتمالات لا الوقائع.

في هذا السياق، لا تسعى واشنطن بالضرورة إلى ضخ مزيد من البراميل، بقدر ما تعمل على تحييد النفط المنافس، وإعادة توجيه التدفقات بعيداً من الصين، التي استفادت لسنوات من الخام الفنزويلي بأسعار مخفضة، أي أن النفط هنا يتحول من مورد اقتصادي إلى أداة إعادة توزيع للنفوذ التجاري.

يتفق محللون على أن الأثر السعري للتصعيد الحالي يظل محدوداً على المدى القصير، نظراً إلى وفرة المعروض وقدرة كبار المنتجين على تعويض أي نقص، غير أن الخطورة تكمن في الأمد الطويل، إذ قد تؤدي العقوبات الممتدة وعدم اليقين السياسي إلى تغييرات هيكلية في تدفقات الاستثمار، وكلفة التمويل، واتجاهات التصدير.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فالسوق لا تتحرك فقط بفعل فقدان الإمدادات، بل بفعل الخوف من فقدانها مستقبلاً، وهو ما يجعل الأسعار أكثر حساسية للتوترات الجيوسياسية حتى في غياب نقص فعلي.

التاريخ الاقتصادي يظهر أن امتلاك الموارد يختلف جذرياً عن القدرة على إدارتها، فالتحكم النظري في نحو ثلث الاحتياطات العالمية سيضع الولايات المتحدة أمام تحديات أمنية وسياسية ومالية، تشمل حماية طرق الإمداد، وتأمين المنشآت، واحتواء ردود فعل الصين وروسيا، فضلاً عن كلفة النفوذ نفسها.

عند هذه النقطة، يتحول النفط من مصدر قوة صافية إلى اختبار لقدرة القوة العظمى على تحمل أعباء هيمنتها، لا مجرد توسيع نطاقها.

الإنتاجية الأميركية… الرافعة غير المرئية للهيمنة النفطية

ولا يقتصر النفوذ الأميركي في معادلة الطاقة على الاحتياطات أو العقوبات، بل يتكئ على قاعدة أوسع من التفوق الاقتصادي والإنتاجي، ففي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي العالمي محمد العريان أن ميزان القوة يميل لمصلحة الولايات المتحدة على المدى المتوسط والطويل، مدفوعاً بعوامل تتجاوز النفط ذاته.

ويشير العريان في حاسبه الرسمي علي موقع التواصل "لينكد إن" إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الاقتصاديين عالمياً يتوقعون أن تحافظ الولايات المتحدة على تقدمها في الإنتاجية أو توسعه مقارنة ببقية الاقتصادات الكبرى، مستندين إلى تسارع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وعمق أسواق رأس المال، وانخفاض تكاليف الطاقة نسبياً.

ووفق استطلاع عالمي شمل 183 مشاركاً، اعتقد 31 في المئة أن الولايات المتحدة ستحتفظ بتفوقها الإنتاجي القائم، بينما توقع 48 في المئة زيادة هيمنتها خلال السنوات المقبلة، في مؤشر على أن القوة الأميركية لا تقاس فقط بحجم الاحتياط، بل بقدرتها على تحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

هذا التفوق الإنتاجي يمنح واشنطن هامش مناورة أوسع في إدارة الصراعات النفطية، ويخفف من كلفة استخدام الطاقة كسلاح جيوسياسي، مقارنة باقتصادات تعتمد بصورة أكبر على العائدات الريعية المباشرة.

في النهاية، النفط لم يعد مجرد رقم في جداول الاحتياط، بل ورقة في صراع النفوذ العالمي، وبين الحسابات الدقيقة والرهانات السياسية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول الهيمنة النفطية المحتملة إلى مكسب استراتيجي طويل الأمد، أم إلى عبء يعيد تشكيل النظام العالمي على نحو أقل قابلية للسيطرة؟

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز