Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نفط فنزويلا بعد مادورو.. تحولات سياسية تختبر توازنات سوق الطاقة

من العقوبات إلى الإدارة الأميركية المباشرة.. كيف يعاد توظيف أكبر احتياط خام عالمي في لحظة اضطراب جيوسياسي؟

كانت فنزويلا في السابق قوة كبرى في إنتاج النفط، لكن إنتاج البلاد تراجع بصورة حادة خلال العقدين الماضيين (أ ف ب)

ملخص

يرى محللون أن هذا التراجع يعكس تركيز المستثمرين على "فائض المعروض" العالمي مقابل "علاوة الأخطار الجيوسياسية"، خصوصاً بعد تأكيدات مصادر في شركة النفط الفنزويلية بأن العمليات الميدانية لم تتعرض لأضرار إنشائية نتيجة الهجوم الأميركي، بما في ذلك ميناء خوسيه ومصفاة "أمواي" ومناطق الإنتاج الرئيسة في حزام "أورينوكو".

في لحظة تاريخية هزت أسس أسواق الطاقة العالمية، ألقت قوات أميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، معلنة بلسان الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيطرة واشنطن على فنزويلا، أغنى بلد نفطي في العالم باحتياطات تناهز 303 مليارات برميل، ما يمثل 17 في المئة من الاحتياطات العالمية.

وعلى إثر ذلك، تحولت كاراكاس إلى ساحة مواجهة مباشرة، إذ يوظف النفط كسلاح ضغط سياسي واقتصادي يتحدى العقوبات مما قد يغير موازين الطاقة الدولية، في صراع يعيد رسم خريطة الاعتماد الطاقوي في عصر التوترات الجيوسياسية المتجددة.

ويطرح هذا الواقع تساؤلاً حاسماً: هل تعود الولايات المتحدة إلى اعتماد النفط الفنزويلي كخيار استراتيجي حيوي، أم تبقى العلاقة أسيرة للحسابات السياسية؟ فمع إنتاج حالي يقارب 800 ألف برميل يومياً (انخفاضاً من ذروة بلغت 3.5 مليون برميل في التسعينيات) تواجه واشنطن إغراء اقتصادياً لرفع القدرة الإنتاجية عبر شركاتها الوطنية، وفي مقدمها "شيفرون" التي كانت تصدر 140 ألف برميل يومياً بنهاية 2025.

غير أن هذا التحول يتطلب إصلاحاً داخلياً جذرياً وهيكلة شاملة لشركة البترول الوطنية الفنزويلية (PDVSA) لتحديث البنية التحتية المتهالكة، وضمان ألا تظل الثروة السيادية مجرد ورقة تفاوض موقتة في معارك نفوذ كبرى.

توازنات العرض

وعلى رغم من فداحة الحدث، تذبذبت أسعار النفط في مستهل تعاملات الأسبوع الجاري، مع موازنة المتعاملين لتداعيات إقدام الولايات المتحدة على اعتقال مادورو على إمدادات الخام العالمية، وتأثير ذلك الأوسع على قطاع الطاقة في البلاد.

وتراجع خام "برنت" بأكثر من واحد في المئة عند الافتتاح، قبل أن يقلص خسائره ليتداول قرب 61 دولاراً للبرميل، فيما جرى تداول خام "غرب تكساس" الوسيط قرب 57 دولاراً.

وعلى رغم الاضطرابات التي شهدتها فنزويلا خلال عطلة نهاية الأسبوع، فإن الدولة العضو في منظمة الدول المصدر للنفط "أوبك" تمثل جزءاً صغيراً فقط من الإمدادات العالمية، في وقت تعاني السوق بالفعل تخمة متزايدة في المعروض.

ويرى المحللون أن هذا التراجع يعكس تركيز المستثمرين على "فائض المعروض" العالمي مقابل "علاوة الأخطار الجيوسياسية"، خصوصاً بعد تأكيدات مصادر في شركة النفط الفنزويلية بأن العمليات الميدانية لم تتعرض لأضرار إنشائية نتيجة الهجوم الأميركي، بما في ذلك ميناء خوسيه ومصفاة "أمواي" ومناطق الإنتاج الرئيسة في حزام "أورينوكو".

كانت فنزويلا في السابق قوة كبرى في إنتاج النفط، لكن إنتاج البلاد تراجع بصورة حادة خلال العقدين الماضيين، ويشكل الآن أقل من واحد في المئة من الإمدادات العالمية، التي يصدر معظمها إلى الصين.

وتواجه السوق فائضاً محتملاً هذا العام، مع إضافة "أوبك+" والمنتجين من خارج التحالف مزيداً من البراميل، في وقت يتراجع الطلب.

وأمس الأحد، تمسك تحالف "أوبك+" الذي تقوده السعودية وروسيا، بخطط تجميد زيادات الإمدادات خلال الربع الأول من العام الحالي، ولم يناقش التحالف، مسألة فنزويلا خلال مؤتمر الفيديو الذي استمر 10 دقائق، بحسب مندوبين قالوا إن من السابق لأوانه تقييم كيفية الرد على الوضع المتطور.

اضطرابات واسعة

واستبعد متخصصون في قطاع الطاقة لـ"اندبندنت عربية"، حدوث اضطرابات واسعة في أسواق النفط العالمية جراء التحولات السياسية المتسارعة في فنزويلا، مؤكدين أن رد فعل الأسعار سيظل "محدوداً وعابراً" بفضل وفرة الإمدادات العالمية.

وأوضحوا أن الفجوة الهيكلية بين امتلاك فنزويلا لأكبر احتياطات مؤكدة عالمياً تتجاوز 300 مليار برميل، وبين واقع إنتاجها المتعثر عند مستوى مليون برميل يومياً، تجعل من الصدمة الجيوسياسية الحالية قابلة للامتصاص السريع، مرجحين ألا تتجاوز تقلبات خام "برنت" حاجز الدولارين قبل العودة إلى الاستقرار، لا سيما في ظل ضعف الطلب الموسمي خلال الربع الأول من العام الحالي.

وأشار المتخصصون، إلى أن التوجه الأميركي لفرض إدارة مباشرة للواقع الميداني في كاراكاس ينهي فعلياً الجدوى من نظام العقوبات السابق، ويمهد الطريق لعودة كبرى شركات النفط الأميركية لاستعادة زخم الإنتاج الفنزويلي.

وأضافوا أن هذا التحول سيضع تحالف "أوبك+" أمام تحديات استراتيجية جديدة تتعلق بإعادة تقييم حصص الإنتاج أو مواجهة تخمة محتملة في المعروض، لافتين إلى أن التحرك الأميركي يتجاوز الأهداف الاقتصادية المباشرة ليصب في خانة إعادة صياغة موازين الطاقة وانتزاع نفوذ القطاع من القوى المنافسة، وفي مقدمها الصين.

خيار تكميلي

وفي ما يتعلق بالحاجات الأميركية، لفت المتخصصون إلى أن النفط الفنزويلي يمثل "خياراً تكميلياً" للمصافي الأميركية وليس ضرورة للاكتفاء الذاتي، في ظل تربع الولايات المتحدة على عرش الإنتاج العالمي بمعدل 13.5 مليون برميل يومياً.

وأوضحوا أن الخصائص الفنية للخام الفنزويلي الثقيل عالي الكبريت تحد من مرونة تسويقه الفوري، وتجعل زيادة الصادرات مرهونة بمدى مواءمة المصافي العالمية له، مؤكدين في الوقت ذاته أن فنزويلا تظل ركيزة أساسية في أمن الطاقة المستقبلي نظراً إلى ثرواتها الهائلة من الغاز والمعادن النادرة التي لم تستغل بعد.

وأكد المتخصصون أن استعادة فنزويلا لمكانتها كمنتج عالمي مؤثر تتطلب سنوات من الإصلاحات الهيكلية وإعادة بناء البنية التحتية المتهالكة التي تسببت في انكماش الاقتصاد الوطني بنسبة 80 في المئة خلال العقد الأخير، مشددين على أن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بتطبيق معايير صارمة للشفافية وتقويض الفساد المؤسسي تحت إشراف الإدارة الأميركية الجديدة، معتبرين أن هذا المسار هو الضمانة الوحيدة لمضاعفة الإنتاج وتأمين تدفقات الطاقة بعيداً من صراعات النفوذ السياسي، بما يضمن استرداد فنزويلا ثرواتها السيادية الضائعة.

ضغوط سعرية

بدوره قال المتخصص في شؤون الطاقة علي الريامي، إن دخول فنزويلا كلاعب نشط قد يفرض على "أوبك" إعادة نظر في استراتيجياتها، بخاصة أن استعادة قدرتها الإنتاجية ستضع المنظمة أمام معضلة تعديل الحصص أو مواجهة ضغوط سعرية، موضحاً أن طبيعة الخام الفنزويلي "الثقيل عالي الكبريت" تحد من مرونة تسويقه وتربط زيادة صادراته بقدرة المصافي على التعامل معه.

وأشار الريامي، إلى أن أسعار خام برنت قد تشهد ارتفاعاً طفيفاً لا يتجاوز دولاراً أو دولارين عند الافتتاح قبل أن يمتص السوق الصدمة سريعاً، لافتاً في ختام حديثه إلى أن التغيير الجذري في النظام قد يؤدي لزيادة تدريجية في المعروض، لكن استعادة القدرة الإنتاجية الكاملة تتطلب سنوات من الاستثمارات وإصلاح البنية التحتية المتهالكة.

خيار استراتيجي

من جهته، أكد المتخصص في الشؤون النفطية، كامل الحرمي، أن قطاع النفط الفنزويلي انتقل فعلياً إلى السيادة الأميركية، موضحاً أن واشنطن باتت هي المحرك الوحيد لهذا القطاع عبر الإدارة المباشرة للعمليات، وصياغة الاتفاقيت، والإشراف الكامل على الإنتاج والتصدير نحو الأسواق الأميركية.
وأشار الحرمي إلى أن الولايات المتحدة، رغم تصدرها قائمة المنتجين عالمياً بمعدل 14 مليون برميل يومياً، إلا أنها لا تزال تستهلك نحو 20 مليون برميل، مما يجعل السيطرة على الخام الفنزويلي خياراً استراتيجياً لسد الفجوة الاستهلاكية. وفيما يخص مستقبل كاراكاس في منظمة "أوبك"، أضاف الحرمي أن فنزويلا ستظل عضواً في المنظمة، لكن قرارها سيكون خاضعاً بالكامل للتأثير والتوجهات الأميركية، تنفيذاً لما أعلنه الرئيس الأميركي بشأن إدارة واشنطن المباشرة لملفات النفط والإنتاج والتصنيع في البلاد.
وشدد كامل الحرمي، على غياب أي تأثير فعلي للقوى الداخلية في فنزويلا على ملف الطاقة، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة باتت "صاحبة الكلمة الفصل" في هذا القطاع. واختتم الحرمي حديثه بالتأكيد على أن الإدارة المحلية قد تنحصر في الشؤون الداخلية فقط، أما قطاع البترول فقد بات "خطاً أحمر" يقع تحت الهيمنة الأميركية المطلقة دون منازع.

تغيير جذري

وفي سياق متصل، أكد مستشار الطاقة الدولي عامر الشوبكي، أن المشهد الحالي يشير إلى فرض إدارة أميركية مباشرة للواقع على الأرض، تماشياً مع تصريحات الرئيس ترمب بشأن السيطرة على البلاد، مما يسقط الجدوى من نظام العقوبات السابق.

وأوضح الشوبكي أن هذا المشهد مرشح للتغير كلياً مع العودة المرتقبة للشركات الأميركية، مما سيمنح كاراكاس زخماً قوياً على خريطة الطاقة العالمية، لا سيما وهي تمتلك أيضاً عاشر أكبر احتياط للغاز في العالم، وثروات معدنية هائلة تشمل الحديد والذهب والمعادن النادرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف الشوبكي أن السيطرة الأميركية تأتي ضمن حسابات سياسية أوسع لانتزاع نفوذ الطاقة من الصين، التي كانت تستقبل معظم الصادرات الفنزويلية قبل الحصار الأخير، مشيراً إلى أن مستقبل الاقتصاد الفنزويلي مرتبط الآن بمدى النجاح في تحقيق إصلاحات داخلية تشمل تعزيز الشفافية وتقليص الفساد المؤسسي الذي استنزف 80 في المئة من الاقتصاد الوطني خلال العقد الماضي، معتبراً أن وجود إدارة أميركية تشرف على انتقال السلطة يهدف لضمان تسليم البلاد لقيادة قادرة على إدارتها بصورة أفضل، وهو ما سيسمح للشركات الأميركية بمضاعفة الإنتاج واستعادة الثروات السيادية الضائعة.

يمكن إعادة صياغة الفقرة في فقرتين أكثر سلاسة وتحليلية على النحو التالي:

استيعاب أي اضطراب محتمل

وقال كبير الاقتصاديين في مجموعة "كابيتال إيكونوميكس" نيل شيرينغ، في مذكرة بحثية، أن أي اضطراب محتمل وقصير الأجل في إنتاج النفط الفنزويلي يمكن استيعابه بسهولة ضمن السوق العالمية، في ظل القدرة القائمة لدى منتجين آخرين على زيادة الإمدادات وتعويض أي نقص طارئ، وهو ما يحد من انعكاسات الصدمات السياسية على توازن السوق.

وأضاف شيرينغ، أن التوسع المتوقع في المعروض النفطي العالمي خلال العام المقبل من شأنه أن يشكل ضغطاً نزولياً على الأسعار، مرجحاً أن يدفع خام النفط إلى مستويات تقترب من 50 دولاراً للبرميل، في ظل وفرة الإمدادات وتراجع علاوة الأخطار الجيوسياسية.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز