Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل بدأت الحرب الكبرى على "حزب الله"؟

تتحول الضاحية الجنوبية في الحسابات الإسرائيلية إلى ساحة اختبار لسياسة الضغط القصوى

"حزب الله" يتلقى الضربات المتتالية منذ سنوات وبيئته تعاني الكثير (ا ف ب)

ملخص

الحرب الشاملة ضد "حزب الله" بدأت عملياً، لكن بصيغة تدريجية متصاعدة، لا بصيغة الذروة النهائية بعد. نحن أمام انتقال واضح من اشتباك مضبوط، إلى حرب واسعة متعددة الأدوات، جواً، وناراً، وإخلاءً، وضغطاً سياسياً على شرعية السلاح، مع مؤشرات ميدانية إلى تعديل الخرائط الأمنية جنوباً. والسؤال لم يعد: هل بدأت؟ بل أصبح إلى أي مدى ستذهب إسرائيل في تحويل هذه الحرب من تدمير قدرات الحزب إلى إعادة صياغة التوازن اللبناني كله؟

هل يقف لبنان اليوم على أعتاب الفصل الأخير من الحرب على أرضه؟ أم أنه يدخل حلقة جديدة من حروب الآخرين التي لا تنتهي؟

سؤال يفرض نفسه بقوة مع التصعيد الإسرائيلي الأخير داخل الأراضي اللبنانية، حيث يتوسع نطاق الضربات ويزداد منسوب التهديد، وصولاً للحديث عن اجتياح أخطر من اجتياح يونيو (حزيران) عام 1982، في وقت يبدو فيه البلد، مرة أخرى، ساحة مفتوحة لتصفية حسابات إقليمية تتجاوز قدرته وحدوده. ويجد اللبنانيون أنفسهم مجدداً في قلب مواجهة لم يختاروها، يدفعون كلفتها آمناً واقتصاداً ونزوحاً ودماراً. ومنذ عقود، يتحول لبنان في كل أزمة كبرى في المنطقة إلى صندوق بريد للصراعات الإقليمية، مرة في صراع المحاور العربية، ومرة في المواجهة بين إسرائيل والفصائل المسلحة، ومرة أخرى في صراع النفوذ بين القوى الدولية والإقليمية. واليوم، يعود السؤال نفسه بإلحاح، لماذا يُطلب من اللبنانيين دائماً دفع فاتورة كل أزمات المنطقة؟

في ظل هذا المشهد، تتصاعد المخاوف من أن تتحول الجولة الحالية بين "حزب الله" وإسرائيل، إلى حرب أوسع قد تعيد رسم معادلات القوة داخل لبنان نفسه. فكل تصعيد عسكري جديد يضع البلاد أمام اختبار وجودي، هل يستطيع لبنان الخروج من موقع الساحة إلى موقع الدولة القادرة على حماية قرارها وسيادتها؟ أم أن قدره سيبقى أن يكون المسرح الذي تُخاض عليه حروب الآخرين؟

 

نموذج غزة وخان يونس يلاحق بيئة "حزب الله" الحاضنة

وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش هدد بتحويل الضاحية الجنوبية لبيروت إلى "خان يونس جديدة". وهنا لم يعد الحديث عن مجرد تصعيد لفظي، بل عن استحضار نموذج حرب غزة وإسقاطه على الساحة اللبنانية، فالمقارنة التي استخدمت مع مدينة خان يونس في قطاع غزة، تحمل دلالة عسكرية واضحة، حرب تقوم على القصف الكثيف، والتدمير الواسع للبنية العمرانية، واستهداف البيئة الحاضنة للفصائل المسلحة بهدف الضغط عليها، هذا النموذج بات يلاحق اليوم الضاحية الجنوبية لبيروت، التي تعد المعقل السياسي والاجتماعي الأبرز لـ"حزب الله".

"عقيدة الضاحية"

المنطق الذي يحكم هذا التهديد يرتبط بما يعرف عسكرياً بـ"عقيدة الضاحية"، وهي استراتيجية تشكلت بعد حرب عام 2006، وتقوم على إيلام البيئة الحاضنة للحزب عبر ضرب البنية التحتية والمناطق المدنية التي ينشط فيها، بهدف رفع كلفة استمرار الحزب في القتال. هذه العقيدة تنطلق من فرضية أن التنظيمات المسلحة التي تنغرس داخل مجتمعها لا يمكن ردعها فقط عبر استهداف مقاتليها أو قدراتها العسكرية، بل عبر إحداث ضغط واسع داخل المجتمع نفسه يدفع البيئة الحاضنة إلى إعادة النظر في كلفة احتضان الحرب.

من هنا تبدو الضاحية الجنوبية، وهي أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان في بيروت، عرضة لمحاولة إسقاط النموذج الغزاوي عليها. فالضاحية ليست مجرد حي سكني، بل مركز سياسي وإعلامي وأمني للحزب، وفي الوقت نفسه منطقة مدنية مكتظة، ما يجعل أي عملية عسكرية واسعة فيها تحمل بالضرورة تداعيات إنسانية واجتماعية كبيرة، وهذا بالضبط ما تراهن عليه إسرائيل ضمن مقاربة الردع عبر الكلفة، أي تحويل المعركة من مواجهة عسكرية محدودة إلى ضغط شامل على البيئة الاجتماعية التي تشكل عمق الحزب البشري والسياسي. وبهذا المعنى، فإن استحضار نموذج غزة في الخطاب الإسرائيلي لا يهدف فقط إلى التهديد العسكري، بل إلى إرسال رسالة ردعية مزدوجة، الأولى للحزب بأن استمرار فتح الجبهة سيؤدي إلى تدمير واسع في معاقله الأساسية، والثانية لبيئته الحاضنة بأن ثمن هذه الحرب لن يبقى محصوراً في الجبهة العسكرية، بل سيمتد إلى النسيج المدني نفسه. وهكذا تتحول الضاحية في الحسابات الإسرائيلية إلى ساحة اختبار لسياسة الضغط القصوى، إذ يصبح استهداف المجال المدني جزءاً من معادلة ردع تهدف إلى كسر الإرادة القتالية للحزب عبر المجتمع الذي يحتضنه.

 

"أوامر" إسرائيلية بالإخلاء

كان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي نشر في الخامس من مارس (آذار) الجاري عبر منصة "إكس"، إنذاراً عاجلاً دعا فيه سكان الضاحية الجنوبية إلى إخلاء منازلهم فوراً، وطلب من سكان برج البراجنة والحدث التوجه شرقاً نحو جبل لبنان عبر محور بيروت - دمشق، في وقت دعا سكان حارة حريك والشياح إلى الانتقال شمالاً باتجاه طرابلس عبر أوتوستراد بيروت - طرابلس أو شرقاً نحو جبل لبنان عبر أوتوستراد المتن السريع، محذراً من التوجه جنوباً.

ونتج من الإنذار حال توتر وهلع كبيرة في المنطقة، وشهدت الطرق المؤدية إلى خارج الضاحية ازدحاماً خانقاً مع محاولة آلاف السكان المغادرة في وقت واحد. وشوهدت أعداد من الأهالي تتجه نحو كورنيش بيروت والواجهة البحرية بحثاً عن أماكن مفتوحة وأكثر أماناً، كما نزح سكان المناطق القريبة مثل صبرا وشاتيلا، في وقت وصف الإعلام القريب من الحزب "أنها أكبر عملية تهجير لنحو مليون لبناني". وبعد ساعات قليلة من الإنذار، بدأت الغارات الإسرائيلية على ضواحي بيروت، وأعلن الجيش الإسرائيلي بدأه موجة من الغارات الجوية في الضاحية، مستهدفاً البنية التحتية التابعة لـ"حزب الله".

وأشار تقرير لموقع "أكسيوس" الأميركي إلى أن الحملة دفعت أيضاً إلى نزوح ضباط إيرانيين من المنطقة، وغادر عشرات الضباط من الحرس الثوري الإيراني العاصمة اللبنانية بيروت خلال الساعات الـ 48 الماضية، وذلك في أعقاب تحذيرات إسرائيلية مباشرة وتحرك رسمي غير مسبوق من الحكومة اللبنانية لإنهاء الأنشطة العسكرية الإيرانية على أراضيها.

ونقل الموقع عن مسؤولين رفيعي المستوى في وزارة الدفاع الإسرائيلية ومصادر مطلعة، أن هؤلاء الضباط ينتمون في معظمهم إلى "فيلق القدس"، وكانوا يعملون بصفة مستشارين عسكريين لـ "حزب الله"، إذ يتمتعون بنفوذ واسع وتأثير مباشر على العمليات الميدانية للمجموعة، بحسب المصادر التي نقل عنها.

وكانت القناة الـ14 الإسرائيلية نقلت أن الجيش الإسرائيلي يعتزم هدم عشرات المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت، في وقت ذكرت فيه القناة الـ12 الإسرائيلية أن أوامر الإخلاء في لبنان تهدف إلى الضغط على الحكومة اللبنانية. بدوره قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زمير، خلال خطاب متلفز، "لقد أصدرت تعليماتي لقوات جيش الدفاع بالتقدم وتعميق خط السيطرة على طول الحدود، مع تثبيت مواقع في نقاط رئيسة بجنوب لبنان"، وتابع "نحن نضرب بقوة، على خط المواجهة وفي عمق لبنان".

وغني عن القول إن إسرائيل كانت تعد نفسها لأي خرق من قبل "حزب الله" حتى تبدأ بتنفيذ خطط عملت عليها. وخلال ديسمبر (كانون الأول) 2025، نقلت هيئة البث العبرية الرسمية، أن الجيش الإسرائيلي "استكمل إعداد خطة بالأسابيع الأخيرة، لشن هجوم واسع ضد مواقع تابعة لحزب الله، إذا فشلت الحكومة والجيش في لبنان بتنفيذ تعهدهما بتفكيك سلاح الحزب قبل نهاية عام 2025".

هل انطلقت الحرب الإسرائيلية الشاملة ضد "حزب الله"؟

يمكن القول إن الحرب الشاملة ضد "حزب الله" بدأت عملياً في بعدها العسكري، لكن مع إشارة مهمة، إلى أن ما بدأ هو طور واسع ومفتوح ومتدحرج من الحرب ضد الحزب، وليس بالضرورة الصيغة النهائية القصوى التي تعني اجتياحاً برياً شاملاً لكل الجنوب أو محاولة إسقاط الواقع اللبناني بالقوة في كل المناطق دفعة واحدة.

ولكن تتجاوز المؤشرات الميدانية الحالية بكثير جولة ردود، أو رسائل نارية محدودة. وأفادت تقارير إعلامية إسرائيلية بأن الجيش الإسرائيلي نجح في تثبيت مواقع عسكرية جديدة في جنوب لبنان، وتدفع عوامل ومؤشرات عديدة لجهة توصيف ما يحصل بحرب شاملة.

أولاً، اتساع بنك الأهداف ذلك أن الضربات لم تعد محصورة بحافة الحدود أو بعمليات موضعية، بل طاولت مراكز قيادة وبنى تشغيل ووحدات نوعية في بيروت والجنوب، مع إعلان إسرائيلي صريح عن استهداف مراكز قيادة تابعة للحزب في العاصمة، بما فيها ما يرتبط بالوحدة الجوية، إضافة إلى ضرب عشرات الأهداف في صور وصيدا ومواقع تخزين وإطلاق وقيادة. هذا النوع من الأهداف يعني أن العملية لم تعد فقط لإسكات نيران حدودية، بل لتفكيك بنية القيادة والسيطرة والقدرة التشغيلية للحزب.

توسع الرقعة الجغرافية للضربات

ثانياً، تغيرت الجغرافيا، فعندما تصدر أوامر إخلاء واسعة من مناطق جنوبية كاملة، وصولاً إلى ما وراء الليطاني، والضاحية والبقاع، وتمتد الضربات لتشمل تلك المناطق، فهذا يعني أن إسرائيل لم تعد تتعامل مع الحزب كتهديد موضعي جنوب الليطاني، بل كمنظومة عسكرية موزعة على عمق لبناني يجب شلها. ويأتي في هذا السياق، القلق الذي عبرت عنه قوات "اليونيفيل" من أوامر الإخلاء الواسعة، ورصدها لعبور قوات إسرائيلية إلى مناطق لبنانية قرب مركبا والعديسة وكفركلا والوزاني، وهذا يثبت أن المشهد تخطى الردع التقليدي إلى إعادة تشكيل ميداني بالقوة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"دفاعاً عن إيران"

ثالثاً، يوحي السياق السياسي والعسكري الإسرائيلي أن القرار ليس تكتيكياً فحسب، لأن الخطاب الإسرائيلي الرسمي يربط دخول "حزب الله" المعركة بأنه جاء "دفاعاً عن إيران"، ويكرر أن الحزب "سيتحمل العواقب"، مع وتيرة ضربات يومية متواصلة ضد بنيته. وتكمن أهمية هذا العامل، أن إسرائيل هنا لا تعرض المعركة كجبهة لبنانية منفصلة، بل كجزء من تفكيك منظومة إيرانية إقليمية. وبمعنى آخر، يعامل "حزب الله" الآن باعتباره الذراع الأخطر في المسرح، ضمن حرب أوسع على المحور، وليس مجرد خصم حدودي.

نزع شرعية الحزب داخلياً

رابعاً، باتت الدولة اللبنانية نفسها في موقع سياسي مختلف عن محطات سابقة، فقرار مجلس الوزراء بحظر أي نشاط عسكري أو أمني خارج سلطة الدولة، والتشديد على مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، حيث كانت الحكومة اللبنانية أعلنت عن حظر أي نشاط أمني وعسكري للحزب وحصر مجال عمله بالشق السياسي، واعتبار أن ما قام به الحزب يشكل خروجاً عن مقررات مجلس الوزراء، في خطوة غير مسبوقة، وذلك بعد تبني "حزب الله" إطلاق صواريخ نحو إسرائيل "ثأراً" لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي.

توجه هذه الخطوة ضربة سياسية لشرعية الحزب الداخلية، حتى لو كانت القدرة التنفيذية للدولة محدودة ومختلفاً عليها.

في الحروب الشاملة، لا يكفي القصف، الأهم هو نزع الشرعية عن الخصم محلياً ودولياً. وهذا ما يظهر الآن، الحزب يتعرض لاستنزاف عسكري من الخارج وضغط سيادي من الداخل في آنٍ معاً.

ولكن على رغم ذلك، وحتى اللحظة، تشير المعطيات المتاحة إلى توسيع تدريجي ومنهجي، ضربات كثيفة، وإخلاءات واسعة، وتوغلات وتحركات برية محدودة أو متقدمة، واستهداف للقيادات والبنية التحتية، لكن ليس هناك ما يثبت بعدما إسرائيل انتقلت إلى نموذج احتلال واسع طويل الأمد أو عملية برية كاسحة لكل العمق الجنوبي وما بعده. لذلك الأدق هو الآتي، الحرب الشاملة ضد "حزب الله" بدأت من حيث المبدأ والأدوات والأهداف، لكنها ما زالت في طور التوسيع التصاعدي، لا في طور الحسم النهائي.

وفقاً لمتابعة آلية العمل الإسرائيلي، فهي تهدف إلى شل القدرة النارية الفورية للحزب عبر استهداف المنصات ومخازن السلاح ومراكز القيادة. وتفريغ الحاضنة الميدانية عبر الإخلاءات القسرية وتحويل بيئة الحزب إلى عبء إنساني وأمني. وإعادة فرض معادلة ما بعد القرار 1701 بالقوة وليس بالتفاهم فحسب، أي خلق واقع جنوب الليطاني، وربما أبعد منه، تكون فيه كلفة بقاء البنية العسكرية للحزب أعلى من قدرة لبنان أو الحزب على احتمالها، هذه ليست عملية عقابية فحسب، إنها محاولة إعادة هندسة المسرح اللبناني أمنياً.

هل يعني ذلك أن الهدف هو إنهاء حزب الله نهائياً؟ ليس بالضرورة بصيغته التنظيمية الكاملة، بل الأرجح أن الهدف الإسرائيلي الحالي هو إنهاء "حزب الله" كقوة قادرة على فتح جبهة منظمة وفعالة من لبنان، وضرب شبكته القيادية واللوجيستية والجوية والصاروخية إلى حد إعادته سنوات إلى الخلف. وتعرف إسرائيل أن "استئصال الحزب" سياسياً واجتماعياً أمر أعقد بكثير من تدمير منشآت أو اغتيال قادة، لذلك قد يكون هدفها الواقعي هو كسر وظيفته العسكرية الإقليمية أكثر من محوه الكامل.

في المحصلة، الحرب الشاملة ضد "حزب الله" بدأت عملياً، لكن بصيغة تدريجية متصاعدة لا بصيغة الذروة النهائية بعد. نحن أمام انتقال واضح من، اشتباك مضبوط، إلى حرب واسعة متعددة الأدوات، جواً، وناراً، وإخلاءً، وضغطاً سياسياً على شرعية السلاح، مع مؤشرات ميدانية إلى تعديل الخرائط الأمنية جنوباً. والسؤال لم يعد: هل بدأت؟ بل أصبح إلى أي مدى ستذهب إسرائيل في تحويل هذه الحرب من تدمير قدرات الحزب إلى إعادة صياغة التوازن اللبناني كله؟

المزيد من تحلیل