ملخص
يقف السودان عند مفترق طرق، حيث يصبح أي مسار سلام اختباراً ليس للوسطاء وحدهم، بل لطبيعة الدولة التي ستخرج من تحت أنقاض هذه الحرب.
تأتي الإشارة إلى وساطة تركيا وقطر في الأزمة السودانية ضمن سياق دبلوماسي بالغ التعقيد، تشكَّل عبر مسارات متعددة منذ اندلاع الحرب خلال أبريل (نيسان) 2023، وتداخلت فيه المبادرات الإقليمية والدولية من دون أن يُفضي ذلك إلى كسر حاسم لدائرة العنف. ففي أعقاب رفض قائد الجيش الفريق أول عبدالفتاح البرهان الورقة التي قدمها كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مسعد بولس، والمتضمنة رؤية دول الرباعية (الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر)، طرحت الحكومة السودانية مقترحاً يقضي بإشراك تركيا وقطر ضمن جهود الوساطة مع قوات "الدعم السريع". حملت هذه الخطوة دلالات تتصل برغبة أحد أطراف الصراع في توسيع دائرة الوسطاء، لا بإزاحة الإطار القائم أو إعادة تعريفه جذرياً.
هذا الطرح، الذي حظي بتأييد واضح من المؤسسة العسكرية مقابل تحفظات صريحة لدى قطاعات مؤثرة من القوى المدنية، لم يقدم بوصفه بديلاً لمسار "الرباعية" أو لمنصة جدة، بل كإضافة محتملة إلى مشهد وساطي يعاني الإرهاق وتعدد الأجندات، في ظل حرب مفتوحة تتغير خرائطها الميدانية والسياسية بوتيرة سريعة. فالسودان، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك أزمته، ظل ساحة تتقاطع عندها مصالح إقليمية ودولية متباينة، جعلت من أي جهد وساطة فعال رهيناً بقدرة الفاعلين على التنسيق لا التنافس.
في هذا الإطار، برزت تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال مؤتمر صحافي عقده في جنوب أفريقيا خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، حين أشار إلى سعي بلاده للحضور "من أجل السلام" في السودان، مؤكداً أن أنقرة تلقت طلبات سودانية مباشرة للإسهام في معالجة الأزمة. تصريحات أعقبها تعهده بـ"تعزيز" التعاون بين تركيا والسودان، وذلك خلال استقباله في أنقرة الفريق عبدالفتاح البرهان خلال الـ25 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مما أعاد تسليط الضوء على الدور التركي داخل القرن الأفريقي، وهو دور يتكئ على مزيج من الدبلوماسية النشطة والتمدد الاستراتيجي والاهتمام بالأبعاد الأمنية.
تاريخ الوساطة
تشكل وساطة تركيا وقطر في السودان مساراً مركباً تداخلت فيه اعتبارات السلام مع حسابات النفوذ، منذ اندلاع حرب دارفور عام 2003، حين تحول الإقليم إلى ساحة اختبار لقدرة الفاعلين الإقليميين على الجمع بين الدبلوماسية، والاستثمار، وبناء شبكات التأثير طويلة الأمد. فقد برزت الدوحة مبكراً كمنصة تفاوضية رئيسة، مستفيدة من قبول دولي وإقليمي لدورها كوسيط قادر على استضافة أطراف متناقضة ضمن بيئة تفاوضية منخفضة التوتر، وهو ما ترجم لاحقاً في "منبر الدوحة" الذي أصبح مرجعية أساس لمسار سلام دارفور.
منذ منتصف العقد الأول من الألفية، ربطت قطر وساطتها السياسية بحزمة أدوات مالية وتنموية، فجمعت بين تسهيل الحوار ودعم إعادة الإعمار، بما منحها نفوذاً يتجاوز طاولة المفاوضات. ومع ذلك، ظل المسار القطري محكوماً بتعقيدات البنية المسلحة في دارفور، حيث حافظت الحركات الكبرى على مواقف تفاوضية متشددة انعكست في رفضها التوقيع على وثيقة سلام دارفور عام 2011، على رغم الزخم الدولي الذي أحاط بها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بالتوازي، أخذ الدور التركي يتبلور من زاوية مختلفة. فقد نسجت أنقرة علاقات وثيقة مع حكومة عمر البشير في إطار "المبادرة الأفريقية"، واضعة السودان في موقع الشريك المحوري جنوب الصحراء. كثافة الاتفاقات الثنائية والزيارات رفيعة المستوى والاستثمارات المتنوعة في مجالات البنية التحتية والتعدين والقطاع المصرفي، أسست لحضور تركي يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة الرمزية، كما تجلى في ملف جزيرة سواكن، بما تحمله من دلالات تاريخية واستراتيجية على ساحل البحر الأحمر.
التقاطع بين المسارين القطري والتركي ظهر بوضوح خلال نوفمبر 2018 قبيل انتفاضة ديسمبر، حين تزامنت تحركات الدوحة لإحياء مفاوضات دارفور مع زيارة نائب الرئيس التركي آنذاك فؤاد أوقطاي للخرطوم. ذلك التزامن عكس نمطاً من التنسيق الضمني، يربط بين إدارة الأزمات السياسية والاستجابة للتحديات الاقتصادية التي كانت تضغط على الدولة السودانية في نهايات عهد البشير.
هذا التداخل بين الوساطة والدور البنيوي جعل من الحضور التركي - القطري في السودان تجربة قدمت فيها قطر مساراً تفاوضياً ارتبط بحسابات النفوذ وإدارة الصراع أكثر من حسمه، بينما تحرك الدور التركي عبر أدوات اقتصادية واستراتيجية وسعت دوائر التأثير، ضمن سعي واضح لترسيخ حضور في البحر الأحمر بوصفه فضاءً حيوياً للأمن والممرات التجارية. هذا التداخل أنتج مقاربة أعادت تشكيل توازنات القوة، وتعقيدات الصراع في دولة تتقاطع فيها الحرب مع الجغرافيا والموارد والتحولات الإقليمية.
تسوية الإسلاميين
شهدت تحركات الوساطة التركية - القطرية في السودان امتداداً يتجاوز إدارة النزاع إلى محاولة إعادة تشكيل التوازنات بين فصائل الإسلاميين الذين حكموا البلاد لعقود، وتفرعت أجنحتهم بعد سقوط النظام. هذه الجهود لم تكن مجرد دعوات لوقف الحرب، بل سعت إلى إحداث توافق بين شخصيات مؤثرة في التيارات الإسلامية، بتشجيع مباشر من السلطات السودانية العليا. في هذا الإطار، يتردد أن تركيا وقطر استقبلتا خلال الآونة الأخيرة لقاءات مكثفة جمعت رئيس "الحركة الإسلامية السودانية" علي أحمد كرتي مع قيادات من المؤتمر الشعبي مثل إبراهيم السنوسي والفاضلابي، إضافة إلى شخصيات بارزة في النظام السابق بمن فيهم نافع علي نافع ومحمد عطا وأحمد هارون وأسامة عبدالله، في محاولة دمج التيارات الإسلامية في كيان تنظيمي واحد يملك قدرة تفاوضية موحدة. وتحولت هذه اللقاءات إلى منصات لإعادة رسم خريطة القوى الإسلامية في السودان، بعدما تراجعت سيطرتهم المباشرة على الحكم، لكنها ظلت لاعباً مؤثراً في النقاشات حول مستقبل التسوية السياسية.
تعكس مشاركة الفريق البرهان في هذه الحوارات، فضلاً عن تكليفه لكرتي بمواصلة المشاورات مع باقي القيادات، رغبة في احتواء الخلافات الداخلية بين الإسلاميين وربطهم بأية تسوية قادمة، كجزء من استراتيجية الوساطة التركية - القطرية التي ابتعدت من النهج التقليدي الذي يركز فقط على وقف إطلاق النار، لتتضمن إعادة ترتيب التحالفات السياسية داخل السودان. هذه المبادرات اقترنت بوعود تركية بتنظيم لقاءات استخباراتية تضم أجهزة دولية من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والنرويج، تهدف إلى إقناع الفاعلين الدوليين بضرورة إشراك الإسلاميين في أية تسوية، مما فسر على أنها محاولة لتسويق رواية سياسية جديدة لتيار "الإخوان المسلمين".
في سياق موازٍ، تضمن الطلب الذي تقدم به البرهان للجانب التركي بحث مسألة الملاحقات الدولية للقيادات الإسلامية عبر مقترحات لإجراء "محاكمات داخلية صورية"، وهو توجه يعكس محاولة تحييد ضغوط المحكمة الجنائية الدولية عبر بدائل محلية غير فعالة عملياً. وأسهمت هذه الديناميكيات في مطالبة بعض الجهات داخل السودان بإدراج الدوحة وأنقرة ضمن الوسطاء في جهود إنهاء الحرب، استناداً إلى دورهما في التفاعل مع التنظيمات الإسلامية التي لا تزال تملك روابط اجتماعية وسياسية واسعة داخل الجيش.
جوهر الأزمة
تنظر القوى المدنية السودانية إلى الوساطة التركية - القطرية بقدر عالٍ من الحذر، انطلاقاً من تجربتها الطويلة مع مسارات تفاوضية أعيد توظيفها لإعادة إنتاج مراكز القوة نفسها. في المقابل، حظيت جهود الرباعية الدولية بقبول أوسع داخل الطيف المدني، باعتبارها إطاراً يربط إنهاء الحرب بمسار سياسي شامل يقود إلى تحول ديمقراطي، وهو ما عبرت عنه قوى سياسية وشخصيات عامة، إضافة إلى تحالف "تأسيس" الذي أعلن تبنيه وقف الحرب والانخراط في مسار سلمي. هذا التباين في المواقف كشف في نظر المدنيين عن فجوة بين منطق إنهاء الصراع ومنطق إدارته.
من هذا المنظور، فسرت القوى المدنية اندفاع الجيش السوداني نحو أنقرة والدوحة باعتباره تحركاً موازياً، جاء بعد استنفاد جولات طويلة من التفاوض برعاية الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات. تلك الجولات، على رغم تعثرها، ظلت مرتبطة بأجندة وقف إطلاق النار ومعالجة الجذور السياسية للحرب. أما المسار التركي - القطري، فيقرأ مدنياً كخيار بديل يسعى إلى إعادة ضبط ميزان التفاوض بما يراعي حسابات القيادة العسكرية، أكثر من كونه استجابة لضغط إنساني أو سياسي داخلي.
دبلوماسيون سودانيون سابقون أشاروا إلى أن أنقرة والدوحة قد تدفعان باتجاه تسوية تميل لمصلحة الجيش تحت عنوان "حل مقبول للحكومة"، وهو توصيف يراه المدنيون انعكاساً لاستمرار الحرب كأداة ضغط، لا كفشل موقت للمسار السلمي. هذا الإدراك تعزز مع مواقف الجيش الرافض لأية مفاوضات جوهرية، في مقابل الدعوات المدنية المتكررة لوقف فوري لإطلاق النار، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن المجال السياسي، وفتح الطريق أمام عملية انتقال ديمقراطي تستند إلى الإرادة الشعبية.
يتخوف المدنيون من أن يكون إدخال وسطاء جدد وسيلة لكسب الوقت، بينما تستمر العمليات العسكرية بالتحالف مع جماعات وميليشيات إسلامية متشددة تمتلك حضوراً تنظيمياً وخبرة في العمل المسلح. ويذهب هذا التكهن إلى أن الضغط الذي تمارسه تلك الجماعات لقبول الوساطة التركية - القطرية يرتبط بسجل الدولتين في استضافة قيادات إسلامية بعد تضييق الخناق عليها إقليمياً، مما يمنحها أملاً في إعادة تدوير نفوذها داخل أية تسوية قادمة.
ترى القوى المدنية أن جوهر الأزمة لا يكمن في تعدد الوسطاء، بل في طبيعة المسار ذاته، هل يقود إلى إنهاء الحرب وتفكيك بنية العسكرة، أم يعيد ترتيب التحالفات داخل السلطة تحت غطاء تفاوضي جديد. هذا السؤال يظل حاضراً في تقييمهم لأية وساطة، خصوصاً تلك التي تنطلق من حسابات إقليمية تتقاطع مع الصراع السوداني أكثر مما تنبع منه.
سيناريوهات محتملة
تتحرك وساطة تركيا وقطر في السودان ضمن بيئة شديدة التعقيد، وتتصارع داخلها مسارات متعددة للسلام، لكل منها رعاته وأجنداته وحدوده. يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل هذا المسار، تختلف في مآلاتها بقدر اختلاف شروطها السياسية.
السيناريو الأول يقوم على اندماج الوساطة التركية - القطرية في الإطار الأوسع الذي تقوده "الرباعية"، كقناة مساندة. في هذا المسار، تستخدم أنقرة والدوحة لتسهيل التواصل مع شبكات الإسلاميين والدوائر المرتبطة بالجيش، بما يخفف حدة الانقسامات داخل مؤسسة الجيش، ويمهد لوقف إطلاق نار محدود يتوسع تدريجاً. نجاح هذا السيناريو يظل مرهوناً بقدرة "الرباعية" على ضبط إيقاع العملية السياسية، ومنع تحويل الوساطة إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة العسكرية تحت غطاء تفاوضي.
السيناريو الثاني يتجه نحو مسار تفاوضي موازٍ، تسعى فيه تركيا وقطر إلى فرض نفسيهما كراعٍ بديل أو شبه مستقل، مستندتين إلى قبول سلطة الجيش، ودعم شبكات سياسية وتنظيمية متجذرة داخل الدولة. هذا السيناريو قد يفضي إلى اتفاق جزئي أو هدنة مشروطة، تستخدم لإعادة ترتيب البيت الداخلي للجيش وحلفائه، مع منح الإسلاميين موقعاً متقدماً في أية تسوية مقبلة. مثل هذا المسار يحمل في طياته أخطار إطالة أمد الصراع، عبر تجميده سياسياً دون معالجة أسبابه البنيوية.
أما السيناريو الثالث، فيتصل بتآكل الزخم الدبلوماسي للوساطة التركية - القطرية، بفعل تضارب المصالح الإقليمية ورفض القوى المدنية، وتصلب المواقف الدولية تجاه أي مسار لا يضع التحول الديمقراطي في مركزه. في هذه الحالة، تتحول الوساطة إلى ورقة ضغط سياسية أكثر منها مشروع سلام متكامل، تستخدم للمناورة وكسب الوقت قبل أن تتراجع أمام أطر أكثر قدرة على فرض الالتزامات.
قدرة وساطة تركيا وقطر على المضي قدماً لا تُقاس بحجم التحركات الدبلوماسية، بل بمدى انسجامها مع ميزان القوى الداخلي، ومع مطلب إنهاء الحرب لا إدارتها. فالسودان يقف عند مفترق طرق، إذ يصبح أي مسار سلام اختباراً ليس للوسطاء وحدهم، بل لطبيعة الدولة التي ستخرج من تحت أنقاض هذه الحرب.