Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مبادرة رئيس الوزراء السوداني بين الطموح والواقع العسكري

أثارت تفاعلات متباينة بين طرفي الصراع والقوى المدنية والمجتمع الدولي كاشفة عن توازنات الحرب وحدود الممكن السياسي في لحظة يثقلها السلاح وتتشظى فيها الشرعيات

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس طرح المبادرة من منبر الأمم المتحدة (غيتي)

ملخص

تشير التوقعات إلى أن الحرب ستستمر كإطار ضاغط على الحياة اليومية للسودانيين، حتى مع أي تقدم سياسي محدود. مبادرة رئيس الوزراء السوداني، في أفضل سيناريوهاتها، قد تسهم في تخفيف حدة العنف وإعادة ضبط إيقاعه، من دون أن تنهيه بصورة كاملة في المدى المنظور.

تأتي مبادرة رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، التي طُرحت من منبر الأمم المتحدة في الـ22 من ديسمبر (كانون الأول)، ضمن لحظة دولية وإقليمية مثقلة بتعقيدات الحرب السودانية، بعد ما يقارب ثلاثة أعوام من صراع أحدث هزة عنيفة في تشكيل الدولة والمجتمع معاً، في خطابه أمام مجلس الأمن، قدم إدريس تصوراً سياسياً يتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة سيادة وسلاح وتنظيم، ويضع المجتمع الدولي في موقع الشريك التنفيذي، لا المراقب البعيد، في محاولة لبناء إطار لإعادة ترتيب المجالين الأمني والسياسي في السودان.

منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، يعيش السودان حالاً من الانهيار البنيوي على المستويات الإنسانية والسياسية والأمنية، فيما يبدو أن النزاع قد رسخ على الأرض وأغرق البلاد في أزمات متعددة الأبعاد، الحرب التي بدأت بصراع على السلطة بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" توسعت من أحياء العاصمة الخرطوم إلى وسط السودان في ولاية الجزيرة، وغرب السودان في ولايات دارفور وكردفان مصحوبة بموجات عنف واسعة النطاق واقتحامات ونهب للبنى التحتية الأساسية مثل المستشفيات والمدارس، مما دفع بمكونات المجتمع إلى الانكفاء أو النزوح القسري.

بحسب تقارير المنظمات الدولية، يعيش أكثر من 21 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي في السودان، بينهم ملايين في مستويات طوارئ وقد وصل الجوع إلى حد المجاعة في بعض المناطق مثل الفاشر وكادقلي وغيرهما، وقد أفضى الاحتياج الغذائي إلى تداعيات صحية حادة من بينها انتشار أمراض مثل الكوليرا التي أودت بحياة الآلاف، في وقت أصبحت الخدمات الصحية شبه مشلولة وخدمات التعليم خارج نطاق الوصول بالنسبة إلى عشرات الملايين من الأطفال.

 وتمتد مأساة النزوح داخلياً إلى نحو 10 ملايين شخص مهجر داخل البلاد، فضلاً عما يقارب 5 ملايين لاجئ فروا إلى دول الجوار مثل مصر وتشاد وجنوب السودان، ليصل عدد الملتمسين للسلامة خارج ديارهم إلى نحو 15 مليون نسمة، أي أكثر من ربع سكان السودان، وفي بعض التحليلات الإحصائية يصل إجمال عدد القتلى المرتبط بالحرب والجوع والأمراض إلى نحو 150 ألف شخص منذ اندلاعها، بينما تواجه الدولة انهياراً في المؤسسات، وتدهوراً اقتصادياً يستنزف الموارد الوطنية ويعمق جراح المجتمع.

ركائز المبادرة

 تمثل مبادرة رئيس الوزراء السوداني محاولة لوضع وقف شامل لإطلاق النار مرتبطاً بآلية مراقبة دولية متعددة الأبعاد تتضمن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، وتتوازى مع رؤية إعادة تنظيم انتشار السلاح خارج إطار الدولة، ثم دعوة مجلس الأمن إلى أن يكون شريكاً في التعافي عبر ضغوط ضمانات وآليات متابعة، هذه المبادرة تنطلق من أن الحرب في السودان تحولت إلى نظام عنف له علاقات معقدة بالهياكل الاجتماعية والسياسية، مما يستلزم معالجة شاملة تربط الوضع الأمني بآليات سياسية دولية وإقليمية للتثبيت والاستقرار.

أتت مبادرة إدريس ضمن سلسلة المبادرات التي حاولت تهدئة النزاع سابقاً، في وقت لا يزال فيه السودان غارقاً في دورة من العنف والعوز. وينطلق جوهر المبادرة من ركائز عدة، الأولى، ركيزة أمنية، قوامها وقف شامل لإطلاق النار يخضع لآلية رقابة ثلاثية مما يمنح المبادرة غطاءً دولياً وإقليمياً متوازناً، ويدخل الصراع في دائرة الالتزام المتعدد الأطراف، بما يحول أي خرق إلى كلفة سياسية مباشرة، في هذا السياق، تُطرح الرقابة كأداة ضبط، تقيد اندفاع العنف، وتفتح نافذة لتهدئة قابلة للبناء عليها.

الركيزة الثانية تتعلق بإعادة تنظيم القوة المسلحة خارج إطار الدولة، عبر انسحاب قوات "الدعم السريع" من المدن والمناطق التي تسيطر عليها، وتجميعها في معسكرات محددة تحت إشراف دولي، تمهيداً لنزع سلاحها، وتوضع هذه الخطوة في قلب معادلة الاستقرار، رابطة نجاح أي تهدئة بقدرة العملية السياسية على ضبط السلاح وإخراجه من الفضاء المدني، وبهذا الطرح، تتحول الهدنة من إجراء إنساني إلى مسار لإعادة هندسة ميزان القوة.

أما الركيزة الثالثة فهي سياسية ودولية الطابع، إذ دعا رئيس الوزراء مجلس الأمن إلى الاضطلاع بدور فاعل في دعم المبادرة، بما يشمل الضمانات والضغط وآليات المتابعة. في هذا الإطار تتقاطع مبادرته مع المسعى الأميركي الذي تقوده إدارة دونالد ترمب لفرض هدنة إنسانية فورية، مع التشديد على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، والتحذير من أن تدفق السلاح يطيل أمد الحرب، بين هذين المسارين تبرز المبادرة كمحاولة لصياغة سلام طويل الأمد، يعيد تعريف علاقة الدولة بالسلاح، ويضع السودان على عتبة انتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.

تفاعلات متباينة

أثارت مبادرة رئيس الوزراء السوداني تفاعلات متباينة بين طرفي الصراع والقوى المدنية والمجتمع الدولي، كاشفة عن توازنات الحرب وحدود الممكن السياسي في لحظة يثقلها السلاح وتتشظى فيها الشرعيات، فالمبادرة، بما تحمله من إعادة ترتيب للمشهد الأمني والسياسي، وضعت كل طرف أمام اختبار لموقعه ومصالحه في حرب طالت واستقرت خطوطها.

 

 

بالنسبة إلى الجيش السوداني، لاقت المبادرة صدى إيجابياً، إذ رأت فيها القيادة العسكرية إطاراً ينسجم مع رؤيتها للحل، خصوصاً في ما يتعلق بربط وقف إطلاق النار بانسحاب قوات "الدعم السريع" من المدن، ونزع سلاحها تحت إشراف دولي، هذا التلاقي يعكس قناعة داخل المؤسسة العسكرية بأن أي مسار سياسي قابل للاستمرار يتطلب إعادة احتكار الدولة أدوات العنف المنظم، وترجمة التفوق الرمزي للشرعية إلى وقائع ميدانية، في هذا السياق، بدا الجيش مستعداً لدعم المبادرة بوصفها امتداداً سياسياً لمعادلة عسكرية يسعى إلى ترسيخها.

على الضفة الأخرى، قوبلت المبادرة من قبل قوات "الدعم السريع" ببرود واضح، فالمقترح، بصيغته المطروحة، يعيد تعريف وجود هذه القوات خارج المدن ويضعها على مسار تفكيك تدرجي، ما يعني انتقالها من فاعل شبه عسكري مستقل إلى ملف أمني خاضع للوصاية الدولية، هذا التصور يصطدم مباشرة بطبيعة القوة التي راكمتها "الدعم السريع" خلال الحرب، وبشبكة المصالح التي بنتها ميدانياً واقتصادياً، على رغم إبدائها سابقاً استعداداً تكتيكياً لهدن إنسانية قصيرة.

أما القوى المدنية فجاء موقفها أكثر تعقيداً، فقد رحبت بعض مكوناتها بالشق المتعلق بالحوار السوداني - السوداني، وبالحديث عن انتخابات ورقابة دولية، معتبرة ذلك مدخلاً لإعادة السياسة إلى الفضاء العام، في المقابل، سادت تحفظات واسعة حيال مركزية المقاربة الأمنية، والخشية من أن تنتج العملية تسوية فوقية تعيد تدوير السلطة العسكرية، وتؤجل معالجة جذور الأزمة المتعلقة بالحكم المدني وإصلاح الدولة.

دولياً، حظيت المبادرة باهتمام ملحوظ، خصوصاً داخل مجلس الأمن، حيث نُظر إليها كمكمل لمسار "الرباعية"، ومحاولة سودانية لاستعادة زمام المبادرة. الولايات المتحدة رحبت بأي جهد يخفف معاناة المدنيين، مع تركيزها على هدنة إنسانية سريعة، فيما تعاملت أطراف دولية أخرى مع المبادرة باعتبارها مشروعاً طويل النفس يحتاج إلى توافقات إقليمية وضمانات تنفيذ. بين هذه المواقف، تبرز المبادرة كمرآة لتوازن الحرب نفسها، وطموح سياسي واسع، تحيط به حسابات السلاح، وتحدده قدرة الأطراف على الانتقال من منطق القوة إلى أفق الدولة.

دلالات المبادرة

تطرح المبادرة تساؤلات حول قدرة السودان على التحول من منطق الحرب إلى منطق السياسة، فهي كما عُرضت أمام مجلس الأمن، لا تقف عند حدود حل تقليدي، بل تفتح فسحة لإعادة تعريف العلاقة بين السلاح والسيادة وبين الشرعية والهيمنة المسلحة، هذه الدلالات تنحاز إلى قراءة الصراع باعتباره ليس مجرد مواجهة مسلحة، بل أزمة شرعية تتطلب إعادة صياغة العقد الاجتماعي والدولة نفسها، وتجعل من وقف إطلاق النار مدخلاً لإعادة البناء السياسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على المستوى السياسي الداخلي، تعكس المبادرة رغبة في تفكيك منطق قوة "الدعم السريع" عبر وضعها في معسكرات وإشراك المجتمع الدولي في نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، وقد طُرحت هذه الخطوة كشرط لنجاح أي وقف إطلاق نار في المستقبل، هذا المدى يضعها في إطار أوسع من محاولة إعادة سلطة الدولة الموحدة على كامل التراب السوداني، وسط اعتراف بأن الحرب ليس لها حل عسكري يمكن أن يعيد الاستقرار بمفرده.

وتنبع أهمية المبادرة كذلك من كونها مكملاً سياسياً محلياً لمبادرات خارجية عدة، في مقدمتها مسعى "الرباعية" التي تدفع نحو هدنة إنسانية فورية، وتظهر المبادرة رغبة في أن يكون الحل نابعاً من استجابة الداخل، وبهذا تمنح القوى المدنية مساحة أكبر في الحوار الوطني لمعالجة جذور الصراع واستعادة مفهوم التمثيل السياسي في المرحلة الانتقالية.

بالمعنى المجتمعي، تركت المبادرة أثراً مزدوجاً في وعي السودانيين، فهي تمثل بارقة أمل في تحول نوعي، لكنها أيضاً تثير تساؤلات حول إمكان تنفيذها في ظل ظروف ميدانية متفجرة، يُنظر إليها كمسعى إلى إعادة توجيه الصراع من ساحات القتال إلى آليات مؤسساتية تتناول المسائل المركزية، مثل ضبط السلاح وحماية المدنيين ومسار للحوار الوطني الشامل.

 تظهر دلالات المبادرة باعتبارها نقطة التقاء بين التطلعات الوطنية لإيقاف الحرب وإرساء سلام مستدام، وبين الانخراط الدولي في صياغة مسارات خروج منطق القوة المطلقة إلى منطق الدولة المؤسسية.

توقعات مستقبلية

تتحدد التوقعات المستقبلية لمبادرة رئيس الوزراء السوداني ضمن مشهد سياسي وعسكري شديد الاستقطاب، إذ تتعايش مسارات الحرب مع محاولات السياسة في مساحة ضيقة ومتوترة، في هذا السياق، تبدو المبادرة أقرب إلى أداة لإعادة تحريك الجمود السياسي والدبلوماسي منها إلى آلية قادرة على إحداث اختراق سريع في خطوط القتال، فواقع الانقسام القائم، وتعدد مراكز القوة، واستقرار أطراف النزاع في مواقع نفوذ ميدانية واقتصادية، يفرض على أي مبادرة سقفاً عملياً منخفضاً على المدى القصير، مقابل تأثير تراكمي محتمل في المدى الأبعد.

 يُتوقع أن تسهم المبادرة في إعادة ترتيب النقاش الدولي حول السودان، عبر نقل مركز الثقل من إدارة الأزمة الإنسانية وحدها إلى البحث في شروط إنهاء الحرب وبناء ترتيبات ما بعدها، هذا التحول قد ينعكس في زيادة الضغوط الدبلوماسية داخل مجلس الأمن، وفتح نقاشات حول آليات رقابة أقوى، وربط أي تهدئة إنسانية بمسار سياسي أشمل، في حال تبني المجلس بعض عناصر المبادرة، ولو بصورة جزئية، يمكن أن يتشكل مسار تدرجي يفرض تهدئات موضعية، ويحد من اتساع رقعة المواجهات، ويمنح المدنيين هامشاً محدوداً لالتقاط الأنفاس.

في المقابل، يظل الاستقطاب السياسي عاملاً حاسماً في رسم مصير المبادرة. انقسام القوى المدنية، وتباعد رؤاها حول ترتيب الأولويات بين الأمن والحكم المدني، قد يحول المبادرة إلى ساحة خلاف إضافية، بدلاً من أن تكون منصة جامعة، كذلك فإن انتماء مقدم المبادرة إلى أحد معسكري الصراع يضعها في موضع اختبار دائم أمام الطرف الآخر، ويجعل قبولها مرهوناً بتوازنات القوة على الأرض، لا بصياغتها السياسية وحدها.

على المستوى العسكري، تشير التوقعات إلى أن الحرب ستستمر كإطار ضاغط على الحياة اليومية للسودانيين، حتى مع أي تقدم سياسي محدود. المبادرة، في أفضل سيناريوهاتها، قد تسهم في تخفيف حدة العنف وإعادة ضبط إيقاعه، من دون أن تنهيه بصورة كاملة في المدى المنظور، أما تحويل إرادة الإنهاء إلى إرادة بناء فيرتبط بقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق إعادة تشكيل الدولة، عبر مسار طويل ومعقد، تتقاطع فيه السياسة بالأمن والاقتصاد والعدالة. ضمن هذا الأفق، تظل مبادرة رئيس الوزراء السوداني جزءاً من عملية تراكمية، تُقاس آثارها بمدى قدرتها على إبقاء باب السياسة مفتوحاً في زمن تحاول فيه الحرب أن تكون اللغة الوحيدة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل